الأربعاء، 7 يناير 2015

القاضي علي أحمد أبو الرجال

صنعاء عاصمة اليمن الموحد كرمت أبو التوثيق في اليمن الموحد
القاضي علي أحمد أبو الرجال
رئيس المركز الوطني للتوثيق في الجمهورية اليمنية

إعداد/محمد محمد عبدالله العرشي
المقدمة:
أخي القارئ الكريم.. ونحن في ظل الأجواء السوداء التي تشهدها صنعاء، وجريمة الاعتداء على مستشفى العرضي العسكري، الجريمة التي هزت الضمير الإنساني عبر القارات الخمس، تحاول شرذمة أن تشطر اليمن إلى عدة اشطار لاعتقادها أنه بإمكانها أن تعيد تشطير اليمن مرة أخرى، فإنني أنصحهم بالرجوع إلى وثيقة العهد والاتفاق، التي تضمنت في طياتها كل مخرجات الحوار التي تم التوصل إليها قريباً، فالوثيقة الصادرة في الفترة (1 جمادي الآخر – 7شعبان 1414هـ) الموافق 22/11/1993م – 8/1/1994م) لم تتضمن حكماً اتحادياً، ولا حكماً فيدرالياً – لأن من صاغوها كانوا يعرفون تاريخ وجغرافية اليمن حق المعرفة –، بل أشارت الوثيقة إلى حكم محلي خشية أن يفشل تطبيق هذه الوثيقة (وثيقة العهد والاتفاق)، فهل يرضى أحد أن يفشل مؤتمر الحوار.. ويعيد حكم السلاطين والإمراء والمشائخ أسوةً بما كان في جنوبنا الحبيب قبل الاستقلال.. فهل تستوعبون أنكم تلغون أهم مكتسبات ثورة الرابع عشر من أكتوبر 1963م، وتقضون على أهم ما حققه استقلال جنوبنا الحبيب عن الاستعمار البريطاني..
وفي هذا الجو الكئيب بادرت صنعاء عاصمة اليمن الموحد برجالها وشبابها وشيوخها ونسائها وأدباءها بتكريم الرجل الذي بذل معظم عمره في جمع وتوثيق تاريخ بلاده، سواء كان في الشمال أو الجنوب أو الشرق أو الغرب، فالقاضي علي أبو الرجال – رائد التوثيق في اليمن الموحد – الذي تعرفه مراكز التوثيق في روسيا وأمريكا وبريطانيا وألمانيا وإيران وتركيا، ومن يرد أن يعرف المزيد عن هذه الهامة فبإمكانه قراءة مقالي هذا المنشور في صحيفة الثورة الغراء يومنا هذا الأحد 22/12/2013م...
وفي مقالي هذا نبذة وجيزة حاولت فيها إبراز أهم جوانب هذه القامة الوطنية وأهم محطات حياته، ملتمسا منه ومن القارئ الكريم العذر على أي تقصير.

 

القاضي علي أبو الرجال

هو القاضي العلامة الأديب المثقف الوزير القائد الإداري الكفء القدير، شغل عدة مناصب عليا في الدولة هو أعلى منها، وقد أسهم إسهاماً كبيراً في إثراء الحياة الأدبية والثقافية في اليمن. من مواليد عام 1352هـ الموافق 1933م.

نســـبـــه

هو القاضي علي بن أحمد بن أبي الرجال، من أسرة أبو الرجال الأسرة العلمية التي توارثت العلم أباً عن جد ما يقرب من ألف سنة، فما من عصر إلا وفيه أديب أو خطيب، أو عالم مجتهد، أو قاض كبير، أو وزير من آل أبي الرجال.
قال جحاف وغيره أن الحسن بن سرح بن يحيى بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب يجمع نسب القضاة آل أبي الرجال جميعاً.

مولده ونشأته

ولد في مدينة صنعاء المحروسة في عام 1352هـ 1932م، في حارة حمَّام شكر المعروفة في صنعاء، وقد نشأ في أسرة وبيئة علمية دينية محافظة، وكان والده القاضي أحمد أبو الرجال عالماً وموظفاً في نظارة الأوقاف، وقد تعاقب العلماء من آل أبي الرجال على العمل في نظارة الأوقاف فترة طويلة، وكانت والدته تحفظ القرآن غيباً.

تعليمه ومشائخه

وقد بدأ دراسته عند سيدنا حمود البرطي في حي قبة المهدي عباس – في غرف تحت المنازل – المعروف في مدينة صنعاء القديمة، بعد ذلك انتقل إلى معلامة سيدنا عبدالله الحيمي بجانب جامع طلحة وكان عمره في ذلك الوقت ثمان سنوات، وظل في معلامة سيدنا عبدالله الحيمي أربع سنوات من سنة 1358 إلى سنة 1361هــ، وانتقل بعد ذلك للدراسة في الجامع الكبير بصنعاء، وواصل حفظ القرآن الكريم غيباً وجوّدهُ نظراً لدى شيخ القراءات السبع العلامة المرحوم علي الطائفي، وواصل دراسته في الجامع الكبير عند العلامة المرحوم العزي السنيدار، ودرس عنده المفهوم والمنطوق وأحكام الفقه من عبادات ومعاملات، ثم بعد ذلك درس عند سيدنا العلامة المرحوم إسماعيل الريمي، ثم درس عند العلامة المرحوم أحمد مُحمد بن أحمد الوزير الذي كان والده يسمى حاكم المقام في عهد الإمام يحيى، وقد درس لديه النحو والبلاغة والأدب، وحفظ العديد من قصائد المتنبي وغيره، كما درس لدى المرحوم العلامة القاضي عبدالله الرقيحي، ودرس لدى العلامة المرحوم الشهيد الوزير، ودرس أيضاً لدى القاضي المرحوم محمد بن عبدالله العمري مع زميله المرحوم الأديب الكبير عباس بن علي الوزير، وقد اعتبر دراسته لدى القاضي محمد العمري رحمه الله نقلة نوعية سواء من حيث المنهج أو من حيث المعارف التي تلقاها، ولاسيما وأن القاضي المرحوم محمد عبدالله العمري قد زار كلاً من أمريكا وأوروبا مثل بريطانيا وفرنسا، وكان يحاضرهم أثناء الدرس عن هذه الدول وعن المستوى الحضاري الذي وصلت إليه.

القاضي علي أبو الرجال أديب ومثقف

والقاضي علي أبو الرجال درس اللغة الإنجليزية لدى الأستاذ المرحوم محمد بن أحمد الحيفي والأخ الساسي الكبير والسفير الأستاذ أحمد ضيف الله – أطال الله عمره –، وعمل على تطوير نفسه بالقراءة، ودرس في علم الحديث لدى القاضي العلامة الجليل محمد بن إسماعيل العمراني – أطال الله عمره – ولازم زميله الشاعر الأديب الكبير عبدالله علي الشرفي – أطال الله عمره – في مقيل المرحوم الأديب والشاعر الكبير عبدالكريم إبراهيم الأمير الذي كان منتدى ومدرسة أدبية، حيث كان عبدالكريم الأمير واسع الثقافة والمعرفة، والقاضي على أبو الرجال له اهتماماته بالعلوم الحديثة والأدب العربي، والآداب العالمية لأنه كثير الاطلاع واسع المعرفة، فإذا ناقشته وجدته بحر علم واسع، ولاسيما في المجال الأدبي والثقافي المعاصر، كأنما دراسته العلمية الفقهية والنحوية واللغوية، وحفظ القرآن غيباً، أعطاه ثروة لغوية وأدبية واجتماعية وافرة، وهو ملم بالتاريخ اليمني والعربي والإسلامي والأحوال الاجتماعية للمجتمع اليمني والعربي والإسلامي.

القاضي علي أبو الرجال خبير عربي في التوثيق

وقد قدم الكثير من الدعم العملي والوثائقي لكثير من الباحثين والدارسين سواءً في الجامعات اليمنية أو العربية أو الأوروبية، وإن الكثير من المستشـرقين المهتمين بتاريخ اليمن وعلومها وحياتها الاجتماعية والسياسية يرجعون إلى القاضي علي أبو الرجال باعتبار أن المركز الوطني للوثائق يحوي الكثير من المعلومات التي يحتاجها المستشرقون، ولاسيما وأن القاضي علي أبو الرجال لديه اطلاع وإلمام بكافة الموضوعات التي يحتفظ بها المركز الوطني للوثائق، وهو أحد الخبراء العرب المتخصصين بالوثائق والتوثيق وبالتالي لا غرابة أن الكثير من فئات المجتمع اليمني يطلقون على القاضي علي أبو الرجال لقب (الوثائقي) وأول من أطلقَ عليه ذلك أستاذه الدكتور سيد مصطفى سالم ولم يكن هذا اللقب نابعاً من فراغ لأنه في بداية التسعينيات من القرن الماضي عندما كانت اليمن لا تملك إرشيفاً مثلها مثل الدول العربية والدول الغربية، استدعاه الرئيس السابق المشير علي عبدالله صالح وكلفه بجمع الوثائق نظراً لمعرفة الجميع عن حياته وحبه للتوثيق والوثائق من قبل ثورة 1962م والذي يحتفظ بأندر وأهم الوثائق كهواية شخصية، ونستطيع أن نقول أن القاضي علي أبو الرجال تماهى في حب الوثائق، حتى أصبحت جزءاً لا يتجزأ من حياته، وإذا كان حب العمل والتفاني فيه شرطاً أساساً في نجاح العمل فكان هو الرجل المناسب في المكان المناسب ليكون مؤسساً ورئيساً للمركز الوطني للوثائق، وبما أن القاضي علي يعرف أوضاع الوثائق وأماكن تواجدها؛ فقد بادر مع فريق العمل الذي يعمل معه إلى جمعها من كافة الجهات الحكومية ووجدها في حالة يرثى لها من الإهمال ومعظمها معرضة للرياح والشمس والغبار والأتربة، وكانت لاتوجد أدنى مواصفات لحفظها، وكانت معظمها مخبأة في شوالات وأكياس وكأنها أكوام لا حياة فيها، وذلك بسبب غياب الوعي بالوثائق وبأهميتها وما تحفظه من معلومات سياسية وعلمية واجتماعية واقتصادية وتاريخية، فبادر مع فريقه في جمعها وكانت معظمها في حالة يرثى لها وواصل مع فريق العمل في فرزها وتبويبها وتصنيفها، وتجنيب ما يحتاج منها إلى صيانة وترميم، وقد جمع ما يقرب من سبعة كيلومتر طولي بل أنه تواصل مع جميع المحافظات والمديريات وجمع مالديهم من وثائق وكذلك تواصل مع الكثير من الفئات الاجتماعية والأسر في اليمن التي يعرف عنها أنها تحتفظ بوثائق هامة تختص بتاريخ اليمن، بل إنه قام بجمع ما يمكن الحصول عليه من الوثائق الخاصة بالشطر الجنوبي من الوطن، ولا سيما وأن تأسيس المركز الوطني للوثائق قد تزامن مع قيام الوحدة اليمنية المباركة، ولما استوفى جميع الوثائق اليمنية في الداخل على أسس علمية وموضوعية حديثة بادر إلى التواصل مع الدول التي كانت لها علاقة مباشرة مع اليمن مثل تركيا وبريطانيا وفرنسا ومصر، والعديد من الدولة العربية والأجنبية، لاسيما وأن القاضي علي تربطه معرفة وعلاقة مباشرة مع مسئولي الإرشيف في هذه الدول، وهو يحظى لديهم بالتقدير والاحترام لعلمه وخبرته، ولعبت اليونسكو دوراً كبيراً في تأسيس المركز.
وقد قام بتأسيس المركز الوطني للوثائق في اليمن على أحدث الأسس العلمية في مجال الأرشفة والتوثيق، وقد أسس العديد من المعامل الخاصة بالصيانة والترميم.

القاضي علي أبو الرجال قائد إداري ناجح

يمتاز القاضي علي بأنه إداري ناجح عرف بالكفاءة والنزاهة وسرعة البديهة، ولقد أسهمت هذه الموهبة الإدارية في نجاحه في إدارة المستشفى الأحمدي قبل ثورة 26 سبتمبر 1962م؛ حيث ارتفع مستوى الخدمات الطبية والتمريضية إلى مستوى عال، ولا سيما وأن الخدمات الطبية في عموم اليمن كانت متدنية وشبه بدائية، إلا أنه وبدعم نائب وزير الصحة في عهد الإمام أحمد القاضي المرحوم عبدالله أحمد الحجري، وهو والد محافظ محافظة إب القاضي أحمد عبدالله الحجري الإداري القدير، وكان القاضي عبدالله يعتبر من أعظم المسئولين الذين عمل معهم القاضي علي، وبواسطة الأطباء الروس والتشيكيين قام المستشفى بعمليات جراحية خطيرة بالنسبة لإمكانيات وتاريخ عصره.
واستطاع القاضي علي أبو الرجال – أطال الله عمره – من خلال نجاحه في إدارة المستشفى أن ينجح وبكفاءة عالية في إدارة المدرسة الصناعية التي أسست في الخمسينيات من القرن الماضي بخبرات مصرية لإنشاء العديد من الصناعات مثل الملابس والأثاث، وغير ذلك من المصنوعات الخفيفة، وقد نال إعجاب وتقدير الحكومة والمسئولين قبل الثورة عن حسن إدارته وتعامله مع العاملين، وتلبيته الطلبات التي تحتاجها أجهزة الدولة في ذلك الوقت، ومن خلال نجاحه في إدارة المستشفى وإدارة مدرسة الصنائع وبعد أن قام المرحوم الإمام أحمد في أواخر حياته بتشكيل الحكومة وإنشاء العديد من الوزارات مثل وزارة الأشغال والصناعة والمعارف والصحة وغيرها، عين القاضي علي سكرتيراً لوزارة الأشغال ووظيفة سكرتير للوزارة توازي مدير عام الوزارة في ذلك الوقت، فأثبت جدارة وكفاءة نالت استحسان وزير الأشغال المرحوم الأمير الحسن بن علي الذي دعم تشكيل الوزارة بشجاعة، وتم الاستفادة من معظم العاملين في إنشاء طريق الحديدة، حتى قامت ثورة 1962م وبعد الثورة مباشرة تعين القاضي علي مديراً عاماً لوزارة الأشغال، وقد بادر إلى متابعة استمرار تنظيم الوزارة على أسس علمية وموضوعية مستعيناً بالخبراء المصريين، ومن حسن الحظ أن أول وزير لها هو الأخ المرحوم المهندس عبدالله الكرشمي، حيث أصبحت الوزارة من خلال مشاريعها التنموية في مجال الإنشاءات والتعمير والطرقات تلبي الطلبات وتحقق النجاحات الملموسة، ولاسيما وأن اليمن في ذلك الوقت كانت تفتقر إلى أبسط مقومات الإنشاءات، وكان القاضي علي وكيلاً لها، وكان اليد اليمنى للوزير الكرشمي، والمرحوم عبدالله الكرشمي هو والد وزير الأشغال العامة والطرق المهندس عمر عبدالله الكرشمي، وقد شهدت اليمن في عهد المرحوم عبدالله الكرشمي والقاضي علي أبو الرجال نهضة كبرى في مجال الإنشاءات والطرقات، ونظراً للنجاح الذي حققه القاضي علي أبو الرجال في وزارة الأشغال؛ عينه المرحوم الشهيد إبراهيم الحمدي محافظاً لمحافظة صنعاء، وكانت محافظة صنعاء في ذلك الوقت تشمل كل من محافظة صنعاء الحالية والأمانة العامة للعاصمة الحالية ومحافظة عمران الحالية ومحافظة ريمة الحالية كذلك، واستطاع القاضي على أن يديرها بكل كفاءة واقتدار بالرغم من تعدد وتنوع مشاكلها القبلية والاجتماعية، وفي نفس الوقت حاول أن ينفذ العديد من المشاريع التنموية بالتعاون والتنسيق مع الوزارات والمصالح والهيئات في العاصمة صنعاء، حيث كان في الوقت نفسه رئيساً لتعاونية العاصمة صنعاء، وبعد ذلك تم تعيينه محافظاً لمحافظة الحديدة لأهمية هذه المحافظة من الناحية الاقتصادية والثقافية والزراعية واستطاع القاضي علي من خلال تعاون الكثير من الشخصيات الاجتماعية والثقافية في محافظة الحديدة ونتيجة لثقة هذه الشخصيات بالقاضي علي وقناعتهم بنزاهته وكفاءته استطاع أن يدير هذه المحافظة ويسهم مع غيره في تنميتها، ويسهم أيضاً في المحافظة على المعالم الثقافية، ويتغلب على كثير من المعوقات وتدخلات الكثير من المتنفذين في العاصمة، ويحافظ في نفس الوقت على استقلال القضاء بالتعاون مع المرحوم القاضي أحمد الوزير رئيس محكمة الاستئناف في لواء الحديدة، وهو والد القانوني والإداري والوزير والسياسي الكبير الأستاذ/إسماعيل بن أحمد الوزير – أطال الله عمره –، وقد حاول القاضي علي دعم القضاء في الحديدة وعدم التدخل في شؤونه.
وعلى ضوء النجاحات المتواصلة للعمل الوظيفي والإداري والقيادي للقاضي علي استدعاه الرئيس السابق المشير علي عبدالله صالح وعينه نائباً لمدير مكتب الرئاسة، وقد استطاع من خلال عمله هذا أن يسهم بأن قدم خبرته في أداء مكتب الرئاسة، ويرفع من مستوى أدائه باعتبار أن المكتب هو الجهاز الذي يقوم بتوجيه سلطات الدولة التشريعية والتنفيذية، وكان القاضي علي هو اليد اليمنى لمدير مكتب الرئاسة السابق الأستاذ علي الآنسي – أطال الله عمره –بتعاون ودعم من رئيس الدولة في ذلك الوقت، ولم يستطع أحد أن يسد مسده بعد أن تم تعيينه بعد ذلك رئيساً للمركز الوطني للتوثيق.

القاضي علي أبو الرجال إنسان وفي يحب مكارم الأخلاق

وأذكر من مكارم أخلاق القاضي علي أبو الرجال أن عمي المرحوم القاضي عبدالكريم عبدالله العرشي نائب رئيس الجمهورية مرض مرضاً شديداً وكان عنده فشل كلوي، وكان في ذلك الوقت يشغل منصب مساعد رئيس الجمهورية في عهد المرحوم إبراهيم الحمدي رئيس مجلس القيادة، فأصر القاضي على أن يصطحب عمي عبدالكريم مع عمي المرحوم القاضي عبدالوهاب العرشي للعلاج في القاهرة في مستشفى المعادي، وظل أكثر من شهرين يقوم مع عمي عبدالوهاب بمسامرته وتمريضه، وهناك الكثير من القصص التي يمكن أن يسجلها الآخرون عن وفاء القاضي علي أبو الرجال، وكرمه ومنها أن القاضي علي أبوالرجال ظل أكثر من خمسين عاماً أو أكثر يعتبر القاضي المرحوم العلامة المجتهد محمد بن أحمد الجرافي أباً له، لأن القاضي على يعتبر القاضي المرحوم محمد الجرافي صاحب الفضل الكبير في رعايته والاهتمام به لأنه لاحظ عليه مخايل النجابة، وظل ملازماً للقاضي العلامة المرحوم محمد بن أحمد الجرافي في مقيل والده القاضي أحمد بن أحمد الجرافي الذي كان يحمل الكثير من التجارب في حياته، وبعد وفاة والده فقد استمر في التردد عليه وأخذ النصائح منه، والقاضي محمد الجرافي هو الذي سعى في تعيين القاضي علي أبو الرجال مسئولاً عن قطع الجوازات للحجيج في مدينة صعدة لعدة مواسم، وكان هذا التعيين بداية لتألق شخصية القاضي علي أبو الرجال كإداري. ولا نستطيع أن نحصـر كل مكارم أخلاق القاضي علي ووفائه للآخرين والكثير من المواقف التي تتجلى فيها حسن مكارم القاضي علي ووفائه.
وقد عرف عن القاضي علي أبو الرجال بعلاقته الواسعة مع كل طبقات المجتمع العليا والوسطى والدنيا، فما من مناسبة اجتماعية كالأعراس والعزاء إلا ويحضـرها، لا يفرق بين غني أو فقير، ولا يعلم بأي محتاج من أصدقائه أو معارفه إلا بادر بمد يد العون له ومساعدته بتقديم العون له والمراجعة له عند أجهزة الدولة، ولم أجد في عصرنا هذا غير القاضي علي أبو الرجال ينطبق عليه قول الشاعر:
ما زال يسبق حتى قال حاسده


له طريق إلى العلياء مختصر

ولمكانة أسرة آل أبي الرجال في التاريخ وتأثيرهم في الحياة العلمية والأدبية والتاريخية والسياسية نلاحظ اهتمام المؤرخين والمترجمين بأعلام هذه الأسرة العريقة، فنجد الحوثي في نفحات العنبر في تراجم رجال القرن الثاني عشر ترجم لمجموعة كبيرة منهم، وجحاف في درر نحور الحور العين في  سيرة الإمام المنصور علي وأعلام دولته الميامين ترجم لمجموعة منهم، وكذلك زبارة في كتابيه نشر العرف لنبلاء اليمن بعد الألف ونيل الوطر في تراجم رجال القرن الثالث عشر ترجم لمجموعة منهم، وكذلك قاطن في إتحاف الأحباب بدمية القصر الناعتة لمحاسن بعض أهل العصر، وكذلك القاضي أبو الرجال في كتابه مطلع البدور ومجمع البحور في تراجم رجال الزيدية.
وفي حفل التكريم الذي أقامته مؤسسة اليمن للثقافة والتنمية السياسية يوم أمس السبت الموافق 21/12/2013م في قاعة نادي ضباط الشرطة، ألقى راعي التكريم، الهامة الوطنية الكبيرة الدكتور/ عبدالكريم بن علي الإرياني – مستشار رئيس الجمهورية، كلمةً أشاد فيها بدور الـمُحتفى به (القاضي علي) في بناء الدولة اليمنية الحديثة، ,أن دوره كان دور أمثاله الرجال العظام الذين بنوا الدولة اليمنية الحديثة سواءً قبل ثورة 1962م أو بعدها أو في عصرنا الحاضر. كما أشار الدكتور الإرياني بدور كلٍ من: الدكتور أبي إسلام جمال سيد مصطفى سالم أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بجامعة صنعاء، والقاضي علي أبو الرجال في إنشاء مركز الدراسات والبحوث اليمني، وكذا اصدار مجلة الحكمة اليمانية التي كان يرأسها آنذاك المرحوم أحمد عبدالوهاب الوريث..
كما ألقى الشاعر الكبير الأستاذ محمد عبدالسلام منصور كلمة أصداقاء القاضي علي أبو الرجال أثارات إعجاب الحاضرين، حيث صاغ من سيرة القاضي علي أدباً ستظل الأجيال تفتخر به في العصور اللاحقة.
فيما ألقى الأستاذ/ مطهر أحمد تقي كلمة أسرة المكرم (القاضي علي)، سرد فيها علاقته بالقاضي علي وأن صقل مواهبه وخبرته الإدارية كانت من تأثره به.
كما ألقت الدكتورة/ أمة الغفور الأمير كلمةً نالت إعجاب الحاضرين تحدثت فيها عن شخصية القاضي علي، وعن علاقتها بكل من أستاذها الدكتور/سيد مصطفى سالم، والقاضي علي أبو الرجال اللذان كان لهما دور كبير في صقل مواهبها التاريخية والعلمية.
وفي ختام هذا المقال لا يسعني إلا أن أقدم الشكر والامتنان لمؤسسة اليمن للثقافة والتنمية السياسية؛ ممثلة برئيسها السياسي والحكيم اليماني الكبير الدكتور عبدالكريم الإرياني – مستشار رئيس الجمهورية، والمؤرخ والسياسي الكبير والوزير والعالم الجليل الدكتور الحسين بن عبدالله العمري رئيس مجلس أمناء المؤسسة، كما أقدم الشكر للداعم الكبير للمؤسسة اللواء/ حسين محمد المسوري، وكذا أمين عام المؤسسة الإداري القدير الأستاذ مطهر تقي .
وقد رجعت عند إعدادي هذا المقال إلى؛ (وثيقة العهد والاتفاق/ من منشورات الثوري/ شعبان 1414هـ الموافق يناير1994م)، (كتاب برهان البرهان الرائض.../ تأليف الشيخ العلامة برهان الدين إبراهيم بن عمر البجلي/ تحقيق محمد محمد عبدالله العرشي)، (سيرة ذاتية بقلم القاضي علي أبو الرجال).




التعريف بكتاب (طبقات فقهاء اليمن)


التعريف بكتاب (طبقات فقهاء اليمن)
تأليف/عُمر بن علي بن سَمرة الجعدي، تحقيق/ فؤاد سيد، دار القلم، بيروت – لبنان
 إعداد/محمد محمد عبدالله العرشي
المقدمة:
أخي القارئ الكريم.. يسعدني أن أقدم لك تعريفاً بكتاب (طبقات فقهاء اليمن) تأليف/عمر بن علي بن سمرة الجعدي المولود 547هـ المتوفي 586هـ، والذي حققه فؤاد السيد عمارة المولود 1334هـ والمتوفي1387هـ.
 يعتبر كتاب طبقات فقهاء اليمن من أقدم كتب التاريخ على مستوى العالم الإسلامي، أي أن عمره ما يقرب من ألف سنة هجرية، ويعتبر من أهم المراجع في الحديث والفقه والمذاهب الإسلامية في فقه التشريع والقضاء، والمطلع على هذا الكتاب بإمعان وتمحيص يجد فيه المعلومات الوفيرة لطبقات فقهاء اليمن من عهد الرسول صلى الله عليه وسلم إلى نهاية حياة مؤلف الكتاب في أواخر القرن السادس.. ومن خلال اطلاعك على مقالي هذا أو عثورك على أصل الكتاب تستطيع أن تستنتج الحقائق التالية:
أولاً: أن اليمن كان المصدر العلمي والفقهي الثاني بعد مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم.
ثانياً: أن معظم المذاهب الإسلامية كان منشأها اليمن.
ثالثاً: أن علم السنة حظي باهتمام خاص من خلال اجتهاد معمر بن راشد البصري الصنعاني مؤسس مدرسة الحديث في العالم الإسلامي مع عبدالرزاق بن همام الصنعاني المقبور في حمراء العلب بسفح جبل نعم من الناحية الجنوبية من صنعاء..
ثالثاً: ورد في هذا الكتاب رواية تقول أن الإمام الشافعي من مواليد اليمن وهذه الرواية بحاجة إلى همة العلماء والباحثين المحايدين وغير المتعصبين للمذهبية والمناطقية لتثبت هذه الرواية أو تدحضها، لكن هذه الرواية سيفتخر بها كل يمني في شماله وجنوبه وشرقه وغربه...
مقدمة المحقق فؤاد السيد:
ذكر المحقق أنه في أواخر ديسمبر 1951م، أي قبل ثلاثة وستون عاماً كان في زيارة لليمن في بعثة علمية لدراسة المخطوطات اليمنية التي اشتهرت بها اليمن من بعد الإسلام ولا سيما وأن اليمن أخرج الكثير من العلماء في كل عصر.
وذكر أن كتاب (طبقات فقهاء اليمن) لأبن سمرة الجعدي، الذي يعتبر من أهم وأقدم كتب الطبقات والتراجم ولقد نازعته نفسه في تحقيقه ونشره، وبعد خمس سنوات التقى بالمرحوم العلامة الوزير القاضي محمد بن عبدالله العمري، المولود في عام 1334هـ المتوفي عام 1380هـ  الذي أسهم بطبع العديد من كتب التراث ونشرها، والجدير بالذكر أنه والد الأستاذ محمد بن محمد العمري وكيل أمانة العاصمة سابقاً، وهو أخو العالم والوزير الكبير الدكتور حسين بن عبدالله العمري، ونجل رئيس وزراء اليمن الشهيد عبدالله العمري في عهد الإمام المرحوم الشهيد يحيى حميد الدين، وقد دار الحديث بين المحقق وبين القاضي محمد العمري حول التراث اليمني ومنها كتاب طبقات فقهاء اليمن، ورغبته في تحقيقه ونشره، وقد رحب القاضي محمد بنشر هذا الكتاب و المسارعة في إنجاز هذه المهمة، وأفاد أن لديه نسخة منه منسوخة حديثة من نسخة توجد في بلاد حضرموت، وأنه مستعد لأن يقدمها للمحقق للاستعانة بها في تحقيق ونشر كتاب (طبقات فقهاء اليمن)، وبما أن كتاب (طبقات فقهاء اليمن) يترجم لمعظم علماء اليمن الأسفل فقد اشترط على المحقق؛ أن يقوم أيضاً بتحقيق طبقات علماء الزيدية للعلامة المرحوم يحيى بن الحسين بن القاسم، المولود سنة1025هـ والمتوفى سنة 1099هـ، وله ما يقرب من مائة وعشرين كتاب ورسالة..
ومن المعروف أن المرحوم يحيى بن الحسين بن القاسم قد استسقى طبقاته من تاريخ أبي مسلم اللحجي، والجدير بالذكر أن العلامة المفكر الإسلامي الكبير زيد بن علي الوزير يقوم الآن بتحقيق طبقات علماء الزيدية ليحيى بن الحسين بن القاسم، واستمر العلامة فؤاد السيد في مقدمته إلتي احتوتها، ذاكراً أنه تم تحقيق الكتاب وأنجز من طبعة عدة ملازم، ألتقى بصديقه العلامة الكبير المرحوم الوزير القاضي حسين بن أحمد السياغي المولود في عام 1909م والمتوفي عام 1987م، والذي كان نائباً لرئيس المجلس الأعلى للقضاء في الثمانينات من القرن العشرين المنصرم، ولم يبين المحقق أين التقى  بصديقه هل في بيروت أو في القاهرة أم في صنعاء والغالب أنه التقى به خارج اليمن ربما يكون في القاهرة.
وقد أشار المحقق أن المرحوم القاضي حسين بن أحمد السياغي الذي كان له اهتمام خاص بكتاب طبقات فقهاء اليمن لابن سمرة الجعدي، وأنه أعد منه نسخة وأرسلها إلى القاهرة، وقد ذكر أن القاضي المرحوم حسين السياغي قد أطلع على بعض المصادر الأخرى، ووضع لها فهارس، أي أنه قد استكمل تحقيق كتاب طبقات فقهاء اليمن لابن سمرة الجعدي بشهادة محقق كتاب (طبقات فقهاء اليمن) فؤاد السيد. واعتقد أن النسخة التي حققها المرحوم القاضي حسين السياغي موجودة لدى صديقي وزميلي المهندس حسين بن حسين السياغي – أطال الله عمره، وأرجو أن تتاح له فرصة لطبعها ونشرها مرة أخرى بتحقيق والده، وسيكون ذلك من باب العمل الصالح الذي ينتفع به الميت بعد وفاته، أو علم ينتفع به بعد موته أو ولد صالح يدعو له، وهذا من باب الدعاء للوالد بعد موته..
واعتقد أن تحقيق المرحوم القاضي حسين السياغي سيكون أوفى وأكمل لأن أهل مكة أخبر بشعابها، وبإمكاني أن أتعاون مع زميلي وصديقي نجل المرحوم حسين بن أحمد السياغي في استعراض ما قام به والده من تحقيق كتاب (طبقات فقهاء اليمن) لابن سمرة الجعدي، كما ذكر ذلك العلامة/ فؤاد السيد، ويقوم زميلي بنشره محققاً من والده، وقد عرف محقق كتاب (طبقات فقهاء اليمن) واعتبره من أقدم كتب الطبقات اليمني، وقد احترز بعبارة إن لم تكن أقدمها، بصفة ابن سمرة الجعدي أن يعرف كل فقيه يمني حال اليمن منذ الرسول صلى الله عليه وسلم إلى وفاته (أي إلى وقت ابن سمرة الجعدي)، وأشار إلى أن الهدف من تأليف كتاب (طبقات فقهاء اليمن) أن يُترجم لكل فقهاء اليمن من حياة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى تاريخ حياة ابن سمرة الجعدي، حيث رسم لنفسه منهجاً تاريخياً بذكر كل من تولى القضاء والإفتاء ودرّس ودرس الفقه خلال هذه الفترة مع إيراد ما أمكنه الحصول عليه من أخباره، وأشار المحقق أن المؤلف شافعي المذهب وذكر كيفية دخول المذهب الشافعي إلى اليمن، ولا سيما في ما يشار إليه باليمن الأسفل وأن أول من نشر المذهب الشافعي في المائة الرابعة من الهجرة النبوية عليه الصلاة والسلام من صنعاء إلى عدن، واستطرد المحقق أن مدينة زبيد في تاريخ حياة المؤلف قد عرفت مذهب الشافعي وأشار إلى أن القاسم بن محمد القرشي (الذي سكن سهفنة وهي قرية قبلي الجند) قد رحل إلى مدينة زبيد وتلقى العلم على شيوخها في ذلك التاريخ بالإضافة إلى أن القاسم بن محمد قد رحل أيضاً إلى مكة ولقي فيها بعض أئمة الشافعية وأشار المحقق إلى الكتب التي كانت مرجعاً للفقهاء والقضاة قبل دخول المصنفات في المذهب الشافعي والتي كانت مصدراً للفقه والتشريع في اليمن قبل دخول مذهب الإمام الشافعي مثل كتاب (جامع السنن) لمعمر بن راشد البصري، وهو أقدم من الموطأ للإمام مالك، وجامع عبدالرزاق الصنعاني، وجامع السنن لأبي قرة موسى بن طارق اللحجي الرعري الذي كان له مؤلفات في الفقه انتزعها من فقه مالك وأبي حنيفة ومعمر بن راشد البصري (الساكن في مدينة صنعاء) والثوري، وأشار المحقق في تعريفه بكتاب طبقات فقهاء اليمن لابن سمرة الجعدي أن كان في اليمن مذهب الإمام مالك ومذهب أبي حنيفة وأنه لم يكن هناك علم السنة مأخوذاً به إلا من كتاب الجامع لمعمر بن راشد البصري وقد تم تأليفه في مدينة صنعاء أي في حياة معمر بن راشد البصري مؤسس مدرسة الحديث في اليمن المقبور في جامع النزيلي الكائن الأن أمام وزارة الثقافة، وبعد ذلك دخلت مصنفات الشافعية إلى اليمن واشتغل علماء اليمن بالتأليف حولها.. والكتاب يتكون من ثلثمائة وستة عشر صفحة.
ونظراً لضيق المساحة المسموح بها للنشر في صحيفة الثورة؛ فإنني لن أتعرض لوصف النسخ التي رجع إليها المؤلف، ولا منهج التحقيق..
مكونات كتاب طبقات الفقهاء في اليمن
ورد في الفصل الأول في ذكر من بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن في حياته، وهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى صنعاء، وخالد بن الوليد وبريدة الأسلمي والبراء بن عازب، وروى عن علي بن أبي طالب أنه قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن قاضياً، فقلت يا رسول الله صلى الله عليه وسلم: اتبعثني وأنا شاب وهم كهول ولا علم لي بالقضاء، فقال: انطلق فإن الله سيهدي قلبك ويثبت لسانك. قال عليٌّ فوالله ما تعاييت في شيء بعد.
وذكر عنوان في ذكر الرواة من أهل اليمن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكر منهم أبا موسى الأشعري، والصحابي الجليل أبيض بن حمّال المأربي، والصحابي الجليل فروة بن مسيك المرادي، ويقال أن باني جامع صنعاء هو إبان بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس، وقيل أن باني جامع صنعاء وبر بن يحنس الأنصاري وهو الأرجح.
ثم ذكر في الفصل الثاني مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد عودته من حجة الوداع، وقد استخلف أبا بكر في الصلاة وكان سبب وفاته كما ذكر ابن سمرة الجعدي السم الذي أكله بخيبر، ومن ما ذكره ابن سمرة الجعدي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أنه قبل وفاته ذكر أنه أوان انقطاع أبهري، وفسر الأبهري بأنه عرق في البدن وأن له في كل عضو من أعضاء الإنسان اسم فهو في اليد اسم الأكحل وفي الرجل الأنحل وفي البطن اسم الوتين وفي الصدر النياط، وقد ذكر ابن سمرة الجعدي أنه قيل أن القلب معلق به وفي العنق الودج والوريد وفي الظهر الأبهر وهو ما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد شمل الكتاب ما يقرب من 312 فصل والعديد من العناوين منها فصل خصصه في خلافة أبي بكر رضي الله عنه وتعرض لذكر عماله على اليمن وفصل خاص في خلافة عمر رضي الله عنه وذكر عماله في على اليمن وفصل خاص بخلافة عثمان رضي الله عنه وذكر عماله على اليمن، وفصل خاص في خلافة علي بن أبي طالب رضي الله عنه وذكر عماله على اليمن، وفصل في تاريخ وفاة المبعوثين إلى اليمن من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم؛ أبو عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل وأبو موسى الأشعري وجرير بن عبدالله البجلي وفصل في خلافة معاوية بن أبي سفيان وذكر عماله على اليمن وفصل في خلافة عبدالله بن الزبير وذكر عماله على اليمن، وفصل في خلافة الوليد بن عبدالملك...
ثم أورد فصل في ذكر فقهاء التابعين في اليمن، هم: طاووس بن كيسان اليماني، ووهب بن منبه، وهمام بن منبه، وذكر أنه كان أكبر من وهب بن منبه، واسترسل في ذكر الكثير من فقهاء التابعين وعددهم أكثر من 31، وذكر عنوان أخر هو الطبقة الثانية من تابعي التابعين ومنهم معمر بن راشد البصري الذي سكن صنعاء، وذكر في فصل أخر طبقة أخرى في المائة الثالثة وذكر منهم أبو موسى بن طارق اللحجي ويقال له الرعري وأشار إلى أنهم من لحج، وذكر أنه نسب أبو قرة، ويقال له الجندي، وكان أبو قرة حافظاً فقيهاً وكان إماماً مشهود له بالفضل، وكان يتردد بين الجند ولحج ومكة وزبيد.
وتعرض في فصل أخر الطبقة الرابعة للقاسم بن محمد بن عبدالله الحجي القرشي ووصفه بأنه إمام الأئمة الشافعية من صنعاء وعدن وذكر أن بنو جُمح بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن عمر بن هصص بن مالك بن النظر بن كنانة.
وتعرض في فصل أخر إلى طبقة أخرى في المائة الخامسة الإمام الزاهد جعفر بن عبدالرحيم المُحابي، وكان موجود في بداية دولة علي بن محمد الصليحي.
ثم أورد فصل ذكر فيه من أعيان علماء اليمن وأشياخ فقهاء الزمن أستاذ الأستاذين وشيخ المصنفين الإمام زيد بن عبدالله بن جعفر بن إبراهيم اليفاعي، واسهب في سيرته..
الإمام الشافعي: أفرد فصل عن الإمام الشافعي، وهو أبو عبدالله، ولا خلاف في اسمه ونسبه، وأنه من بني المطلب، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن بني هاشم وبني المطلب شيء واحد، وشبّك بين أصابعه. وأن اسمه ونسبه: محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عَبْد يزيد بن هاشم بن المطلّب بن عبد مناف، يجتمع مع النبي صلى الله عليه وسلم في عبد مناف، فلا خلاف أنه مطلّبيّ. وكان المطلب جد الشافعي أسنّ من أخيه عبدالمطلب، وكان المطلب جد الشافعي، كفل عبدالمطلب بن هاشم جد النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه ولد في المدينة ومات أبوه، فمضى إليه المطلب وقدم به مكة وهو رديفه، وعليه ثياب رثة، وكان إذا سئل عنه استحيا أن يقول: إنه ابن أخي، فكان يقول عبدٌ لي، فلما وصل منزله ألبسه ثم أخرجه، وقال: هذا ابن أخي، فسمي بذلك عبدالمطلب. وكان يسمى شيبة الحمد، لأنه ولد وفي رأسه شعرة بيضاء، وقيل أن شافعاً لقيَ النبي صلى الله عليه وسلم وهو مراهق للبلوغ، وجدُّ الشافعي العاشر، جد رسول الله صلى الله عليه وسلم الرابع، وكان لعبد مناف خمسة أولاد: هاشم، والمطلب، وعبدشمس، ونوفل، وأبو عمرو. فأما هاشم، فهو جد النبي صلى الله عليه وسلم، وأما المطلب، فهو جد الشافعي، وأما عبد شمس، فهو جدُ بني أمية، وعثمان ومعاوية منهم. وأما نوفل، فهو جد بني نوفل، وجُبير بن مُطْعِم، وأما أبو عمرو فلا عقب له.
وأما مولده فروى أبو نعيم عن الوهبي أنه قال: سمعت الشافعي يقول: ولدتُ باليمن، فخافت أمي على الضيعة فقالت: إلحق بأهلك فتكون مثلهم (فإني أخاف ان تغلب على نسبك) فجهزتني إلى مكة، فقدمتها وأنا ابن عشرٍ أو شبيهاً بذلك، فصرت إلى نسيب لي، فجعلت لذتي في العلم حتى رزقني الله ما رزق. ومما يفهم من رواية ابن سمرة الجعدي أن مولد الإمام الشافعي كان في اليمن ولم يوضح في أي منطقة من اليمن كانت ولادته، ولكن من استقراء تاريخ اليمن أنه ولد في صنعاء فقد كان يطلق عليها في ذلك الوقت صنعاء أم اليمن، ومنها كانت تنطلق التجارة في رحلة الشتاء والصيف.
وروى أيضاً أبو نعيم عن الربيع بن سليمان: أن مولد الشافعي بغزة أو عسقلان.. وهذه الرواية(الثانية) هي الشايعة الآن في ترجمة الإمام الشافعي رضي الله عنه، وبما أن كتاب الطبقات يعتبر من أقدم كتب تراجم طبقات العلماء في اليمن فربما تكون الرواية الأولى هي الصحيحة، والتي تتفق مع مسيرة حياة الإمام الشافعي، وأرجو من الشباب الباحث والطامح أن يتولوا إثبات ذلك بالبحث والتحميص.. ووفاة الإمام الشافعي كما ذكر أبي بكر بن هداية الله الحسيني المتوفي 1014هـ في كتابه (طبقات الشافعية) أنه توفي يوم الجمعة في رجب سنة 204هـ.
وفي رواية: أن الشافعي قال: قَدِمت اليمن، فكنت عند شيخ بها أسمع منه الحديث، فجاء خمسة كهول، فسلموا عليه وقبلوا رأسه، وذكر الخبر.
وفي فصل أخر تعرض لترجمة الإمام يحيى بن أبي الخير العمراني: وهو الإمام أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم بن أسعد بن عبدالله بن محمد بن موسى بن عمران العِمراني،ولد في قريته في مصنعة سَيَر (محافظة إب) التي تقع في شمال شرق الجند سنة 489هـ. وتوفي في بلدة ذي السفال في 16ربيع الأخر عام 558هـ.
مؤلف (طبقات فقهاء اليمن)
ترجم مؤلف كتاب (طبقات فقهاء اليمن) لنفسه ترجمة مطولة، حيث ذكر فيها؛ أنه هو عمر بن علي سمرة بن الهيثم بن العشيرة الجعدي والمولود في سن 547هـ في قرية أنامر وهي عزلتين (من مديرية جبلة الآن) من بلاد العوادر و العوادر هي منطقة شرقي الجند من محافظة تعز، وتفقه بمجموعة من الشيوخ منهم علي بن أحمد اليهاقري (نسبة إلى قرية غربي مديرية الجند) وزيد بن عبدالله بن أحمد الزبراني ومحمد بن موسى العمراني وطاهر بن يحيى بن أبي الخير العمراني وجماعة غيرهم كثيرون، وقد ذكر المؤلف في ترجمته لنفسه حيث ذكر أن والده انتقل بأولاده إلى أكمة زيران سنة 563هـ، وذكر أن والده توفي سنة 574هـ وذكر في ترجمته لنفسه أنه تولى القضاء في أبين سنة 580هـ وذكر أنه دخل مدينة عدن سنة 581هـ وأنه حج إلى مكة عبر البحر، وذكر أنه زار جزيرة كمران في ذهابه وإيابه. وذكر الجندي مؤلف كتاب السلوك أنه يظن وفاته في أبين سنة 586هـ.
محقق كتاب (طبقات فقهاء اليمن)
محقق الكتاب الأستاذ فؤاد سيد – رحمه الله، ولد 1334هـ الموافق 1916م، وتوفي في 1387هـ الموافق 1967م، علم من أعلام دراسة المخطوطات وفهرستها في مصر، وعلم من أعلام دار الكتب المصرية ومعهد المخطوطات العربية. ترجم له في "الأعلام" للزركلي؛ هو فؤاد بن سيد عمارة: بارع في قراءة المخطوطات. مولده ووفاته في القاهرة. تعلم القراءة والكتابة بقليل من الدراسة وكثير من الممارسة. وظهرت مزيته الاولى في سرعة قراءته الخطوط القديمة ارتجالا. فَعُين في دار الكتب المصرية. وكان قبل ذلك في مطبعتها. وأرسل في بعثتين إلى اليمن (1952 م و 1964 م) للتعريف بنوادر المخطوطات في صنعاء وتصويرها. وكلف "بتحقيق" بعض المخطوطات وتصحيح طبعها، فأخرج مجموعة منها. وما زالت عند بنيه مجموعة أخرى مهيأة للطبع. ووضع فهارس لدار الكتب المصرية ولمعهد المخطوطات التابع لجامعة الدول العربية. وكان منصبه في دار الكتب قبيل وفاته: رئيس قسم الارشاد للباحثين عن المخطوطات. وصدرت عن دار المعارف بمصر رسالة باسم "في ذكرى فؤاد سيد" سنة 1972 م.
ومن المراجع التي رجعنا إليها عند إعداد هذا المقال:
(طبقات فقهاء اليمن/لعمر بن علي بن سمرة الجعدي)، (السلوك في طبقات العلماء والملوك/لأبي عبدالله بهاء الدين محمد الجندي/ تحقيق القاضي المرحوم محمد علي الأكوع)، (الإعلان بنعم الله الكريم المنان في الفقه عماد الإيمان بترجيعات في العروض والنحو والتصريف والمنطق وتجويد القرأن/ تصنيف العلامة أحمد بن عبدالله السَّلمي الوصابي الشهير بالسَّانة/ تحقيق الأساتذة، محمد بن محمد عبدالله العرشي، علي صالح الجمرة، عبدالخالق حسين المغربي/المطبعة العصرية لبنان)، (طبقات الشافعية لأبي بكر بن هداية الله الحسيني المتوفي سنة 1014هـ/ حققه وعلق عليه عادل نويهض/ من منشورات دار الأفاق الجديدة بيروت/الطبعة الثالثة 1982م)، (موسوعة الأعلام للزركلي)، (الحياة العلمية في اليمن في القرنين الثالث والرابع للهجرة/ عبدالرحمن عبدالواحد شجاع الدين/ من إصدارات وزارة الثقافة 2004م)،  (موقع ملتقى أهل الحديثhttp://www.ahlalhdeeth.com).

alarachi2012@yahoo.com

التعريف بكتاب (تُحفةُ الوُزراء)... من الفقه الدستوري والسياسي في الإسلام



من الفقه الدستوري والسياسي في الإسلام
التعريف بكتاب  (تُحفةُ الوُزراء)
تأليف/ الثعالبي (350-429هـ /961-1038م)

 إعداد/محمد محمد عبدالله العرشي
المقدمة:
أخي القارئ الكريم.. يسرني أن أقدم لك في هذا العدد من صحيفة الثورة الغراء كتاب (تُحفة الوزراء) تأليف عبدالملك أبو منصور الثعالبي، وأُهدي هذا المقال إلى رجالات السياسة في بلادنا، ولا سيما أصحاب القرار منهم، لعلهم ينتفعون بقراءته أو يرجعون إلى أصل الكتاب ليتعلموا منه الفقه السياسي أو الفقه الدستوري في الإسلام ولا سيما فقه تشكيل الحكومات وواجبات ومهام رئيس الوزراء وعلاقته بالمسئول الأول في الدولة سواءً كان رئيساً للجمهورية أو ملكاً أو سلطاناً أو حزباً، ولا شك أنهم سيجدون فيه الكثير من الوصايا والمقترحات لمعالجة الخلل في أداء الحكومات، وسيجدون في هذا الكتاب الكثير من المهام المتعلقة بإدارة الدولة والحكومات، وقد رأيت أن أقدم هذا الكتاب في هذا العدد من صحيفة الثورة لكثرة الرؤى حول تشكيل الحكومة  في بلادنا، وربما يتم الاستفادة منه في هذه المرحلة..
التعريف بالكتاب
تُحفةُ الوُزراء، تأليف/أبو منصور الثعالبي (350-429هـ /961-1038م)، تحقيق ودراسة الدكتور سعد أبو دية "أستاذ مُشارك، جامعة اليرموك، إربد – الأردن"، والكتاب يتألف من (115صفحة)، ويتكون من خمسة أبواب: الباب الأول في أصل الوزارة، والباب الثاني في فضائلها ومنافعها، والباب الثالث في آدابها وحقوقها ولوازمها،  والباب الرابع في أقسامها ورسومها، والباب الخامس في ذكر كفاتهم ونكت ألفاظهم وعفوهم ومدائحهم.
الباب الأول
بدأ المؤلف في الباب الأول بذكر ما أصل الوزارة ومن أين جاء اشتقاقها، مستشهداً بآيات من القرآن الكريم، وغيرها من كلام العرب وأشعارهم؛ وعلى النحو التالي: قال الله تعالى في محكم كتابه، حاكياً عن نبيه وكليمه موسى عليه السلام: {وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي* هَارُونَ أَخِي* اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي* وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي* كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا* وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا* إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا* قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى*} "طه: 29-36"، ونبي الله هارون عليه السلام هو أول من تَسَمى بهذا الإسم على ما قيل، وكان يُنُوبُ عن أخيه نبي الله موسى عليه السلام في كثير من أمور مُهِمَّات بني إسرائيل، ولذلك استخلفه عليهم حين خرج إلى الميقات.
وذكر الثعالبي أن ملوك الفرس واليونان والهند كانت تتخذُ لدولها الوزراء، ولهم في ذلك أوضاعٌ وقوانينُ، ولهم فيها سماتٌ بلغاتهم.
وفي أصل اشتقاق اسم الوزارة أقوالٌ: أحدُها: أنه من الوِزْر: وهم الثِّقْل، لأن الوزير يحملُ الثِّقْلَ عن الملك (أو الرئيس أو السلطان أو الإمام المُكلِف له) الموزور له، ومنه قول الله تعالى: {وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ} "طه:87"، أي: أثقالاً من أمتعتهم وحُلِيَّهم، وقال تعالى: {حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا} "محمد:4"، أي: سلاحها، وتقديره: حتى يضعَ أهل الحرب سلاحهم، لأن السلاح يحمله المحاربون فيُثقِلُهم حملهُ.
وقد استشهد الثعالبي بقول الأعشى:
وأعددت للحرب أوزارها


رماحاً طوالاً وخيلاً ذُكُورا

ومِن نَسجِ داود يُحدَى بها


على أثَرِ الحيِّ عيراً فَعِيرا

 وقيل: إنه مشتقٌّ من الإعانة، لأن الوزير يُعِينُ الملكَ على ما هو بصدده من أعباء السياسة، ومنه قوله تعالى: { وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي* هَارُونَ أَخِي* اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي*} "طه: 29-31"، أشتَدُّ بمعونته ومساعدته، وقال تعالى: { سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ} "القصص:35". وقوله: { كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ} "الفتح:29"، ومعنى "شطأه" صِغاره التي تنبت حولَ أُصوله، وقوله: "آزره" أعانه بصغاره وفراخه.
وذكر الثعالبي أن الوزارة هي كلمة فارسية معربة وأصلها معربة من الزُّور، والزُّور عندهم اسمٌ للشدة والقوة، فاستُعير وعُرِّب، والمعنى فيه: أنّه يَشُدُّ من صاحب الدولة ويقويه، ويعينه على ما هو بصدده.
والأظهر أنه من المساعدة والإعانة، هذا قد روي عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: " إذا أراد الله بعبدٍ خيراً – أو قال: بالأمير خيراً – جَعَلَ له وزير صِدقٍ، إنْ ذَكَرَ أعانه، وإن نَسِيَ ذَكَّره، وإذا أراد به غيرَ ذلك، جعل له وزيرَ سوءٍ؛ إن نَسِيَ لم يُذَكِّرْه، وإن ذَكَرَ لم يُعِنْه". فأما اتخاذُ الملوكِ والوزراءَ، فلم تزل ملوك الفرس تنتخب الوزراءَ وأهلَ المشورة والتدبير، وقَلَّ ملكٌ من من عظماء ملوكهم، إلا وكان له ثلاثة وزراء وأكثر من سبعة وعشرة، وكذلك ملوكُ الهند يقولون: أقلُّ ما ينبغي أن يكون للملك (أو الرئيس أو الحزب أو...) أربعةُ وزراءَ.
وذكر الثعالبي أن أنو شروان كان يقول: لا يستغني أعلمُ الملوك عن الوزير، ولا أجودُ السيوف عن الصِّقال، ولا أكرمُ الدواب عن السوط، ولا أعقلُ النساء عن الزوج. ولمكانة الوزراء من الأمراء، ومشاركتهم إيّاهم في الأمور، وتصريف أعِنَّةِ التدابير، جرى في المثل السائر على وجه الدهر: لا تَغتَرِرْ بكرامة الأمير، إذا غشّك الوزير.
فصل في الوزير الصالح
ذكر (الثعالبي) مؤلف هذا الكتاب في هذا الفصل ما يجب أن يكون عليه الوزير من صفات، وما يمتلك من أساليب وقدرات تمكنه من القيام بعمله على أكمل وجه.. وذكر ذلك بقوله: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا أراد الله بملكٍ خيراً، قَيَّضَ له وزيراً صالحاً، إن نَسِيَ ذَكَّرَه، وإن نوى خيراً أعانه، وإن أرادَ شرًّا كَفَّه".
واجتمعت الآراءُ على أنه ينبغي أن يكون وزير الملك (أو الرئيس أو السلطان أو الحزب) يجمع بين الأصل والفضل، والقول الفصل، والأدب الجزل، و الرأي الثاقب والتدبير الصائب، ويرجع إلى نفس أمَّارة بالخير، بعيدة عن الشر، مداولةٍ على سُبُل البِرِّ، ويجمع أدوات السيادة، وآلات الرِّياسة، بمحبةٍ يطبق بها قلوب العامة بعد الخاصة، ويرجي أيامه بين نصح يؤثره، وجدٍّ في مصلحة المملكة يستعمله، وجهد في التقرب إلى سلطانه يتحمَّلهُ، ويخلص على النقد والتمييز، فإذا اجتمع الملك الفاضل، والوزير الصالح الناصح، فاعلم بأن المملكة تكون ساكنة هادية، وأحوالها وأعمالها على النظام جارية، والرسوم الجميلة راتبة، وطرق التجارات آمنة، والأسعار  منحطَّة، وثغور الخير مبتسمة، ونفوس الرعايا في ظلال السكون وادعة، وفي رياض الأمن راتعة.
الباب الثاني (في فضائلها ومنافعها)
في هذا الباب أراد الثعالبي أن يظهر فضائل الوزارة ومنافعها للملك أو الرئيس أو ولي الأمر وكذا للرعية في نفس الوقت، فالوزارة إذا صلحت نمت وتثمنت العلاقة بين ولي الأمر والرعية، وكان ناتج هذه العلاقة رخاءً وسؤدداً ونماءاً وتطوراً للوطن وقاطنيه.. فبدأ كلامه: قال الله تعالى: {وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا}"الفرقان:35"، خرج هذا مخرج الامتنان في جواب سؤال موسى عليه السلام: {وَاجْعَل لِّي وَزِيرًامِّنْ أَهْلِي* هَارُونَ أَخِي* اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي* وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي} "طه:29-32"، فالوزير مُعِينُ الملك وظهيرُه، ومدبِّر أمره ومديرُه.
وقد رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا أراد الله بالأمير خيراً، جعل له وزيراً صالحاً"، ويُروى: "وزيرَ صِدقٍ، إن ذَكَر أعانه، وإن نَسِي ذَكَّره، وإن أراد به سوءاً، أو قال غير ذلك جعل له وزيرَ سَوءٍ، إن نسيَ لم يُذَكِّره، وإن ذكر لم يُعِنه".
ومما قرأت في وصايا الفرس، عَهِدَ بعض الملوك إلى ولده، فقال: يا بنيَّ، إنك لن تصل إلى إحكام ما تريدُ من سياسة العباد، وضبط البلاد، إلا بمعونة الوزراء، فأَعِنْهم على طاعتك بحسن مباشرتك، وجميل مكافأتك، وعلى معونتك بمساعدتك لهم بما يُغْنِيهم عن غيرك.
وقال كِسرى قُباذ: الوزير من الملِك (الرئيس أو السلطان) بمنزلة بصره وسمعه وقلبه ولُبِّه، لأنه مغلق الأبواب، مُتَوارٍ عن الأبصار، فيجب أن يكون محفوظاً ملحوظاً، وعليه أن يَحفَظَ مصالح الدولة، وضوابط المملكة، لتبقى على حسن نظامها، وجمال رَوْنَقها، ويدفع عنها الآفات العارضة التي ربما أدَّت إلى فسادها، كالطبيب الحاذق، فإنه يشتغل بحفظ الصحة ثم بمداواة ما يَعرِضُ المجسد من خَلَل.
وقال الفضل بن سهل مثلَ الملك العادل مع الوزير الفاضل، كالنهر العظيم الذي مشارعُه تسهله، ومَثَلِ الملك الصالح مع الوزير الطالح، مصل النهر العذب الطيب الصافي فيه التماسيحُ، لا يَنتفع به المنتفع إلا نادراً على وَجَلٍ، وكذلك الحديقة المُونِقة فيها الأسدُ.
وقال أرسطا طاليس: قد انتخب الإسكندرُ سبعة وزراء يصحبونه في سفره، ويتكلَّفون مصالح أمره، وقال لهم: إن الملك قد أَشرَكَكم في ملكه، فأديموا النعمة عليكم بنُصحه، فارفعوا دعائم الملك، وثبتوا قواعدَه، وحَصِّنوه بالعدل، وزَيِّنوه بالفَضل، وأَصلِحوا الخَلَل قبل أن يُعجِزَكم إصلاحُه، وانتهزوا الفرص قبل فواتها، وكيف ما كان، فأنتم شركاءُ الملك، فإن ربحتموه ربحتُم، وإن خسرتموه خسرتُم، فاعملوا لكم ولغيركم، والله موفِّقُكُم. وبهذا من الكلام الجامع للفوائد الجَمَّة، والنصائح التامة.
الباب الثالث (في آدابها وحقوقها ولوازمها)
أظهر الثعالبي في هذا الباب آداب الوزارة وحقوقها اللازم اتباعها عند اختيار الوزير، فهو يرى أن هناك آداب يجب توفرها في من يُختار لهذا المنصب. فقال تحت عنوان هذا الباب: أن يُختارَ للوزارة من اجتمعت فيه الأخلاقُ الحميدة، والأفعال الرشيدة، وعُرِفَ بالآراء السديدة، وجَودَة التدبير، وصواب الآراء المفيدة، فتكون فيه العدالة والنزاهة والشجاعة والسياسية، وإذا كان زمن الفتن والحروب، يصلحُ أن يكون شجاعاً صارماً، قال بعض الفضلاء: شرائطُ الوزارة خمسة:
الأول: العدل: ليكون منصفاً في حكمه، وتَسْلَم الرعية من ظلم غيره وظلمه.
الثاني: الأمانة: ليفيَ ما عليه: وستوفي ما لَهُ، ولا يختزِنْ لنفسه فتَسِر عُمَّالُه بسيرته.
الثالث: الكفاءة: وهي العلم بالأعمال الدِّيوانية والتصرفات، ووجوه تثمير الأموال والاستخراجات، فيضع الأمور في مواضعها، ويرتب الأعمال على قواعدها.
الرابع: السياسة: فيعرف مداراةَ الجند وتأليفهم، وجمعهم وتفريقهم، ويكون خبيراً بالمكايد الحربية، والخداع، وحِفظ البلاد والثغور والقلاع.
الخامس: أن تجتمعَ فيه الخشونة واللطف، فيخشُن على القوي حتى يُلِينَ عريكتَه، ويَلين للضعيف حتى ينال من الإنصاف بُغْيتَه، ويكون بذلك مِقداماً على المخاوف، جسوراً على الأهوال إن اضطُرَّ إليها، محجماً عن التقريرات إن مَنَعَ الرأيُ السديد عنها.
وقال بعض الحكماء: إذا رأيت الوزير يجمع المال لنفسه، فأَبْعِده، فلا خير فيه، لأن حُبَّ المال يغطي على العقل، ويمنعه عن مشاهدة المصالح، وإذا رأيتَ الوزير الصِّيت والذِّكر لنفسه مع إهمال جانب الملك، فلا خيرَ فيه، فإنه قد كَفَرَ نعمة الملك، وهو السبب فيما نال من ذلك.
فصل في حق (الرئيس) على الوزير وحق الوزير على (الرئيس)
جُملة ما يلتزم الوزراء من الحقوق لملوكهم ثلاثة: الإخلاص في النصيحة، وبَذل الجهد في إقامة صحة المملكة، ودَفع الآفات عنها.
وأما تفصيل ذلك، فهي حقوق متعددة: منها مستحبَّة، ومنها متأكّدة، أولها الإِخلاص في النصيحة والوُدِّ، فلا يُضمِر لع غشاً، ولا يَدَّخِر عنه مالاً ولا نفساً، ولا يداجِي عليه عدواً، ولا يطوي عنه نصيحة يحتاج إلى إِعلامه بها.
ومنها إظهار محاسنِه إِن خَفِيَت، ونسبة أفعال الخير إليه، وستر مساويه إِن ذُكِرت، وتتبع من يخالف ذلك حتى يُزِيلَه عنه، إما بقَمع، أو بإِحسان.
ومنها التواضعُ  له، والإِجلال لقدره في الحضور والغَيْبة.
ومنها تنفيذ أوامره بعد أن يتأمَّلَها، فإن رأى خللاً سَدَّه، أو خاف مكروهاً سعى في إزالته، والأدب في ذلك أن يجيبَ بالسمع والطاعة، ويوقف الإِمضاءَ بنوع من التعاويق، ثم يراجع الملك على خَلوة، فإن تعذَّر، فبمكاتبة، ويوضح ما ظهر له من الرأي وما يخشاه من الخلل، ثم يعمل بما يوافقه عليه ويقرِّرُه معه.
قال أفلاطون: أول أدب الوزير وسياسته: أن يَتأمَّل أخلاق الملك، فإن كانت شديدةً، عامل الناس باللطف ولِينِ الجانب، وإن كانت لَيِّنةً، عاملهم بقوة وصرامة غير مُفرِطَة، ليعتدل التدبير.
ويقال: إن معاوية كتب إلى زياد: ليكن بيني وبينك في سياسة الرعية شعرةٌ ممدودةٌ، إن شددتُ طرفها فأرخِها. وإن أرخيتُ طرفها فاشدُدْها، فإنَّا إن شَدَدْنا جميعاً انقطعت.
وسبب هذه الرسالة: أن بعض أمراء العرب نَقَمَ عليه معاويةُ، فأبعده، فسار إلى زيادٍ فقَبِلَه وأنزله، ثم خاف من إنكار معاوية عليه، فَبَعَثَ يستأذنُه في أمره، فأجابه بذلك الجواب.
ومنها تعجيلُ عطاياه وأوامره، سيَّما إذا علم اعتناءَه به أو تأكيده الوصية في حقِّه، وكذلك يجي تعجيلُ ما يطلق لولاة الثُّغور والحروب والغيوج (الذين يحرسون) والرسل، فإن هذه أمورٌ إن أُخِّرت عن أوقاتها، كَثُرت مضارتها، والملوك تغضبُ لرَدِّ أوامرها، وتوقيف أُعطياتها وهباتها، إلا إذا كان الوزيرُ ممَّن قد فَهِمَ أن مراد الملك التوقُّفُ فليُمْطِل، ولا يُشعِر أحداً أنه رأي الملك، فإنه لؤم لا يُنْسَبِ إليه.
ومنها السعيُ في عمارة البلاد، وإصلاح خَلَلها، وتثمير الأموال والمزروعات وتحصيل آلات العِمارة، والترغيب في ذلك، فإن بالعمارة تَعْزُزُ الأموال، وبالأموال تِشْمَخُ الممالك، وتكثر الأعوان.
فصل في حق الوزراء على (الرؤساء)
وأما ما ينبغي للملك أن يَعتمدَ في حقه، وهي من الحقوق السياسية المصلحةُ على المُلك: فمنها أن يمكِّنَه من التصرف، ويحكمه في التدبير إن كان وزيراً مطلقاً، حتى تنفذ تصرفاته، وتستقيم سياسته.
ومنها أن يَرْفَع من قدره، وينوِّه باسمه، بما يتميَّز عن أبناء جنسه بتشريف في ملبسه ومركبه وموكبه ومجلسه، وفي تلقيبه وتكنيته على ما تجري به عادةُ اصطلاح أبناء الزمان.
منها أن لا يَسمَعَ فيه كلامُ الوُشاة والمتعرضين، فإنه مقصود ومحسود، والحَسود لا يُبقي ولا يَذَرُ، بل يجب بأن يعرض له بما بلغه عنه بما يكرهه أو لا يستصوبُه، فإن كان صحيحاً، اعتذَرَ ولم يَعُدْ، وإن كان كذباً وتمويهاً، بَرْهَنَ عن نفسه ليزول الشك فيه.
وقال بعضُ حكماء الفُرس: على الملك لوزيره أربعةُ حقوق: لا يؤاخذُه بغير حق ثابت، ولا يَطمَع في ماله بغير خيانة، ولا يقدم عليه مَنْ هو دونه بالكفاية، ولا يمكِّنُ منه عدواً. ومنها المَشُورة في الأمور، فهي وإن كانت مشتركةً بين العقلاء، إلا أنها بالوزراء ألزم...
فصل في الخصال التي ينبغي أن تجتمع في هذا الوزير مع ما تقدم وصفُه من الشرائط والآداب
يحتاج أن يَجتمعَ فيه مع الإسلام والبلوغ والعقل شُروط العدالةِ، ويتحاج مع ذلك أن يكون موصوفاً برزانة العقل، وجَوْدة الآراء، والمعرفة بالسياسة، لا تَبْهَرُه الأمور، وإن عَظُمت، ولا تُدهِشُه الآراء والأعمال إذا تكاثرت، وليكن فيه الثباتُ والوَقار والنهضة والتنفيذ والتقرير، كما قال الشاعر:
بَديهتُه وفكرتُه سواءٌ


إذا اشتَبَهَتْ على الناس الأمورُ

وأحزَمُ ما يكونُ الرأيُ منهُ


إذا أعيا المشاورُ والمُشيرُ

ومن حق هذا الوزير أن يُعتَنى بأمره، ولا يُعزل إلا بحادثة تُخِلُّ بالتصرف، أو خيانة تثبت، وإذا ولَّى الإمام والياً على عمل، كان الثابتُ أسبَقَهما، وإن كان الإمام على علم بذلك، ثمَّ وَلَّى، فهو عَزْلٌ لذلك الوالي، وتقليد لمن ولاَّه بعده، وهو المستقر.
وقال بعضُ العلماء، لا ينعزل الأول إلا بتصريحٍ بالعزل. وقال بعضهم: إن كان العملُ مما يحتمل الاشتراك، أُشرِكَ بينهما، وإن لم يحتمل، بقي موقوفاً على صريح العزل أو التقرير.
فصل في كتمان الأسرار وكيفية المشورة
ينبغي للملك إذا استشار في مُهِمٍّ أن يفردَ مع كل مشير على حِدَة، ويسمعَ ما يشير به، ولا يحدِّث به الآخر، فإذا اجتمعت الآراءُ مَحَّصَها اختباراً، ونقَّحها اختياراً، واستخار الله تعالى في أحدها، ثم جمع الجماعة وفاوضهم في جميع ذلك، ولم يعيَّن لهم أصحاب الآراء، ثم فاوضهم فيما تَرَجَّح عنده حتى يتفق معهم عليه، فإن خالفوه استشارَ غيرهم، فإن خالفوه وافقهم، إذِ الجمعُ من العقلاء أبعدُ عن الخطأ من واحد، وإذا عارضهم في رأيه معارِض، فلا يجيبه بالرد أو بمعارضةٍ، بل يستوضح منه ويُمْعِنُ النظر، فإن الفكر والتأنِّي محمود العواقب..
مؤلف الكتاب في سطور
المؤلف أبو منصور الثعالبي (961-1038م/350-429هـ) هو عبدالملك بن محمد بن إسماعيل أبو منصور الثعالبي، وهو من أهالي نيسابور. اشتغل بالأدب والتاريخ، فأصبح من الأئمة في الآداب واللغة، وصنف كثيراً من الكتب ومن كتبه المطبوعة: (يتيمة الدهر 4 أجزاء، اللطائف والظرائف، فقه اللغة، يواقيت المواقيت، سحر البلاغة،.... وغيرها). ومن المخطوطات: (تحفة الوزراء، غرر البلاغة، أحسن المحاسن،....وغيرها).
ومن المراجع التي رجعنا إليها عند إعداد هذا المقال:  (تُحفةُ الوُزراء/ تأليف/أبو منصور الثعالبي، تحقيق ودراسة الدكتور سعد أبو دية "أستاذ مُشارك، جامعة اليرموك، إربد – الأردن"/ الطبعة الأولى1994م/ دار البشير بالأردن)،  (موسوعة الأعلام للزركلي)، (فقه اللغة وأسرار العربية/ تأليف أبو منصور الثعالبي/ شرحه وقدّم له ووضع فهارسه ياسين الأيوبي/ من مطبوعات المكتبة العصرية لبنان/ طبعة2002م).

alarachi2012@yahoo.com