الأربعاء، 7 يناير 2015

الصفوة من العلماء والأتقياء والزهاد من كتاب طبقات الخواص للشرجي، وغيره من كتب التراث

بسم الله الرحمن الرحيم
الصفوة من العلماء والأتقياء والزهاد
من كتاب طبقات الخواص للشرجي، وغيره من كتب التراث

إعداد/محمد محمد عبدالله العرشي
المقدمة:
تناولنا في الحلقات السابقة من صحيفة الثورة الغراء.. عدد من الحلقات عن الثروات والكنوز الحضارية في اليمن، وفي هذا العدد نتناول تراجم لعدد من العلماء والزهاد والأتقياء في اليمن، وبما أن اليمن كانت ولا زالت: (بلدة طيبة وربٌ غفور) كما وصفها الله تعالى في الآية 15 من سورة سبأ وأرض الإيمان والحكمة كما وصفها النبي صلى الله عليه وسلم، ومن المعلوم أن الدولة لا تتكون إلا من الأرض والسكان والسلطة.
وفي حلقات سابقة أوضحنا للقارئ حجم الكنوز الحضارية وخصوبة أرض اليمن وتعدد ثرواتها المختلفة، وفي هذه الحلقة نُعرّف القارئ الكريم بالعديد من الأعلام العلماء والأتقياء والزهاد اليمنيين، وسيتضح أن اليمن عبر تاريخها الطويل مليئة بالكثير من الشخصيات العلمية التي يسجد لها التاريخ، ولكننا نحن اليمنيون مقصرين في التعريف بعلمائنا، وأهم الأسباب التي ساهمت في هذا التقصير هي المذهبية والطائفية، والحسد، جعلتنا نهمش بعضنا البعض، ولا نعترف بفضائل وحسنات وعلم علمائنا، لأننا لا نراهم إلا من خلال المذهبية أو الحزبية أو المناطقية الضيقة. وسيتضح لك أخي القارئ العديد من العلماء في هذا المقال، وقد اخترنا بعض هؤلاء العلماء من بعض المحافظات.
كتاب طبقات الخواص
كتاب طبقات الخواص قدمه وترجم لمؤلفه العلامة الباحث والمحقق/ عبدالله محمد الحبشي، وقد ذكر أن العلامة شمس الدين السخاوي المتوفى 902هـ، أنه أحد أعيان الحنفية وذكر أنه ولد في سنة 811هـ وقد صحح العلامة حمزة الناشري أنه ولد سنة 812هـ،  وذكر المشائخ الذي أخذ عنهم أحمد بن أحمد بن عبداللطيف الشرجي الزبيدي وذكر منهم؛ الشيخ أحمد بن أبي بكر الرداد، وعلي بن الجزري، والزين البرشكي عام وصوله إلى اليمن مع ابن الجزري 829هـ، وذكر العلوم التي تلقاها عنهم منها الموطأ والعمدة، وقد ذكر المحقق الأستاذ عبدالله الحبشي حسب ما رواه العلامة سليمان العلوي وابن الخياط أن وفاته يوم السبت عاشر ربيع الثاني سنة 893هـ الموافق 1487هـ، وقد أورد العلامة الحبشي أن من مؤلفات الشرجي؛ جمع شعر ابن المقري، طبقات الخواص، مختصر صحيح البخاري، المختار من مطالع الأنوار.
وكتاب (طبقات الخواص..) يشمل على ما يزيد من (305)علماً من علماء وأتقياء وزهاد الجمهورية اليمنية من جميع محافظاتها.
وقد تعرض كتاب (قرة العيون بأخبار اليمن الميمون)، وكتاب (البدر الطالع ..) لبعض الأعلام من علماء اليمن، ومن هذه الكتب جميعها حاولت في هذا المقال أن أذكر بعضاً منهم، وبعض الكتب التي ذكرت تراجم العديد من العلماء..
 (محافظة مأرب)
1-   أويس القرني: هو أويس بن عامر بن جزء بن مالك بن عمرو بن سعد بن عصوان، من مراد. أفضل التابعين بشهادة النبي صلى الله عليه وسلم، فعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه قَالَ إِنِّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ «إِنَّ خَيْرَ التَّابِعِينَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ أُوَيْسٌ وَلَهُ وَالِدَةٌ وَكَانَ بِهِ بَيَاضٌ فَمُرُوهُ فَلْيَسْتَغْفِرْ لَكُمْ.  وعن أسير بن جابر قال : لما أقبل أهل اليمن جعل عمر رضي الله عنه يستقري الرفاق فيقول : هل فيكم أحد من قرن حتى أتى عليه قرن فقال : من أنتم قالوا قرن فرفع عمر بزمام أو زمام أويس فناوله عمر فعرفه بالنعت فقال له عمر : ما اسمك قال : أنا أويس قال : هل كان لك والدة قال : نعم قال : هل بك من البياض قال : نعم دعوت الله تعالى فأذهبه عني إلا موضع الدرهم من سرتي لأذكر به ربي فقال له عمر : استغفر لي قال أنت أحق أن تستغفر لي أنت صاحب رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال عمر : إني سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : إن خير التابعين يقال له أويس القرني و له والدة و كان به بياض فدعا ربه فأذهبه عنه إلا موضع الدرهم في سرته قال : فاستغفر له قال ثم دخل في أغمار الناس فلم يدر أين وقع. وعن الحسن قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : يدخل الجنة بشفاعة رجل من أمتي أكثر من ربيعة و مضر ، قال هشام : فأخبرني حوشب عن الحسن أنه أويس القرني قال أبو بكر بن عياش : فقلت لرجل من قومه أويس بأي شيء بلغ هذا قال : فضل الله يؤتيه من يشاء. مات رحمه الله سنة 37هـ.
 (محافظةالحديدة)
1-   أبو العباس أحمد بن موسى بن علي بن عمر بن عجيل:  الإمام العالم الكبير والقطب العارف الشهير، المجمع على ولايته وفضله وجلالته وانفراده عن أقرانه وتميزه على أهل زمانه (وهو من أبناء تهامة من محافظة الحديدة)، كان رحمه الله تعالى إماماً من أئمة المسلمين المنتفع بهم علماً وعملاً، وكان اشتغاله بالعلم على عمه الفقيه إبراهيم وعلى غيره، واستفاض بين الناس أنه لم يشتغل في صغره بشيء من اللعب كما يعتاده الصبيان، وأنه ظهر عليه أثر الصلاح وهو صبي، ومن غريب ما يحكى عنه، أنه كان في أيام بدايته يخرج من البيت قبل الفجر وما يدخله إلا بعد العشاء، من كثرة الاشتغال والعلم والعبادة والصيام وغير ذلك، حتى أنه دخل في بعض الأيام البيت بالنهار فلم يعرفه بعض أهل البيت لأنهم لا يرونه إلا بالليل. ويحكى أن الملك المظفر أرسل إلى الفقيه أحمد المذكور وإلى الفقيه إسماعيل الحضرمي وإلى الفقيه محمد الهرمل يطلبهم، وكان غرضه أن يولي أحدهم قاضي القضاة فلما وصل إليهم الطلب، أتى الفقيه إسماعيل وأبو الهرمل ومرا على الفقيه أحمد، ليعزم معهما إلى السلطان، فقال لهما: قد عزمتما على الذهاب إليه؟ قالا: نعم، فقال: كان رأيي أن لا تفعلا، وإذا فعلتما فلا تذكراني، وإذا ذكرني فقولا له: هو في عش البادية، إن تركته وإلا ذهب إلى أرض الحبشة. وكانت له كرامات كثيرة تظهر عليه من غير قصد، وكان أشد الناس كتماناً لذلك. ولم يزل على قدمه المبارك من التدريس ونشر العلم مع كمال العبادة والورع والزهد والتقلل من الدنيا إلى حد الغاية، حتى توفي رحمه الله تعالى ونفع به، يوم الثلاثاء خامس وعشرين من شهر ربيع الأول من سنة تسعين وستمائة.
2-   أبو الحسن علي بن إبراهيم بن الفقيه الكبير محمد بن حسين البجلي (محافظة الحديدة): كان فقيهاً عالماً عاملاً كاملاً زاهداً ورعاً، أخذ عن جماعة من الأعيان، كالفقيه أحمد بن موسى بن عجيل وغيره، وكان يحفظ المهذب عن ظهر الغيب، حفظاً يميز فيه بين الفاء والواو، وتخرج به جماعة نحو مائة مدرس، ولم يكن أحد من الفقهاء أكثر أصحاباً منه، ولزم طريق الزهد والورع، وشهر بالعلم والصلاح، وفعل المعروف حتى قصده الناس من كل مكان، وسكن معه في قرية شجينة خلق كثير، حتى صارت قرية كبيرة، وهي بضم الشين المعجمة وفتح الجيم وسكون المثناة من تحت. قال الجندي: أخبرني الفقيه عبدالله بن محمد الأحمر، أحد المدرسين بمدينة زبيد قال: صحبت الفقيه علياً المذكور عشرين سنة، ما أعلم أن سائلاً سأله فاعتذر منه، قال: وأخبرني الفقيه محمد بن علي الحضرمي فقيه مدينة زبيد في عصره قال: لما جئت الفقيه علياً بن إبراهيم أريد أن أقرأ عليه وأنا مشتغل القلب، متفرق الخاطر، وأنا أحب أن أجمع قلبي على طلب العلم، فبأول درسة قرأتها عليه، قمت وأنا بخلاف ما كنت عليه من اضطراب الخاطر، وكان في نفسي عدة مسائل قد أشكلت عليَّ فزال عني جميع ذلك الإشكال، فعرفت أن ذلك ببركته، ثم ما زلت أجد الزيادة في فهمي بعد ذلك، وكان الفقيه علي كثير الحج، بلغت حجاته نيفاً وثلاثين حجة، و كان كثير البر، وفعل المعروف، إن أقام في بيته أطعم الوافدين والطلبة المنقطعين وغيرهم، وإن سافر للحج أنفق في الطريق وفي مكة وغيرها ما يجاوز الحد عكاء، موقن بالخلف، وكانت له مع ذلك كرامات ظاهرة.
 (محافظة صنعاء)
2-   أبو مسلم الـخولانى: هو عبد بن ثوب الخولانى، من خولان ببلاد اليمن، دعاه الأسود العنسى إلى أن يشهد أنه رسول الله، وقال له أتشهد أنى رسول الله؟ فقال: لا أسمع. أشهد أن محمداً رسول، الله فأجج له ناراً وألقاه فيها، فلم تضره، وأنجاه الله منها، فكان يشبَّه بإبراهيم الخليل، ثم هاجر فوجد رسول الله صلى الله عليه وسلم قد مات، فقدم على الصديق، فأجلسه بينه وبين عمر، وقال له عمر: الحمد لله الذى لم يمتنى حتى أرى فى أمة محمد من فعل به كما فعل بإبراهيم الخليل وقبله بين عينيه.  وعن يزيد بن جابر قال: كان أبو مسلم الخولاني يكثر أن يرفع صوته بالتكبير حتى مع الصبيان، وكان يقول اذكروا الله حتى يرى الجاهل أنكم مجانين. وعن ابن هبيرة أن كعباً كان يقول: إن حكيم هذه الأمة أبو مسلم الخولاني. وعن علقمة بن مرثد قال انتهى الزهد إلى ثمانية من التابعين منهم أبو مسلم الخولاني. قال أبو مسلم الخولاني : العلماء ثلاثة فرجل عاش في علمه وعاش معه الناس فيه، ورجل عاش في علمه ولم يعش معه فيه أحد، ورجل عاش الناس في علمه وكان وبالاً عليه. مات رحمه الله سنة 60هـ.
 (محافظة المحويت)
3-   أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الملحاني: كان فقيهاً عالماً صالحاً، كثير الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مجاب الدعوة، مسكنه الدوم من جهة ملحان (من محافظة المحويت)، وهو جبل عظيم شرقي المهجم، يشتمل على قرى كثيرة ومزارع وغير ذلك، خرج من هذه الناحية جماعة من أهل العلم والصلاح، وهو بكسر الميم وسكون اللام وبعدها حاء مهملة وألف ونون. كان الفقيه إبراهيم المذكور من قوم يعرفون ببني إدريس في تلك الناحية، وكان فيهم جماعة يتظاهرون بشرب الخمر فنهاهم الفقيه عن ذلك فلم ينتهوا فدعا عليهم فسلط الله عليهم الجذام ثم بعده الفناء، وكان أهل القرية لا يورثون النساء شيئاًً فأخبرهم الفقيه عن فريضة الله تعالى في ذلك حتى رجعوا إلى الحق ببركته، ولم يزل محمود السيرة إلى أن توفي رحمه الله تعالى وخلف ولدين، هما عبدالله وعلي اشتغلا بالفقه وكانا صالحين رحمهم الله تعالى أجمعين أمين.
(محافظة أبين)
4-   أبو العباس أحمد بن الجعد الأبيني: كان المذكور من كبار مشايخ الطريقة ومشاهير رجال الحقيقة، صاحب سيرة محمودة وآثار موجودة، صحب الشيخ سالم بن محمد، وتخرج به، ولما توفي قصد الشيخ علياً الأهدل، وصحبه وانتفع به، ثم رجع إلى بلده أبين، وقد ظهرت عليه إمارات القبول، واشتهر أمره وانتشر ذكره، وصحبه جمع كثير عظيم، وانتفعوا به، وله في تلك النواحي ربط كثيرة وأتباع ينسبون إليه ممن شهر وذكر، وكان في بدايته شديد المجاهدة لنفسه. وكان للشيخ أحمد رحمه الله تعالى شعر وكلام منثور في التصوف وهو مدون. وكانت وفاته لبضع وتسعين وستمائة...
(محافظة صنعاء)
5-   أبو العباس أحمد بن محمد بن أبي بكر اليماني ( من أهل حراز): بفتح الحاء المهملة وتقديم الراء على الزاي بينهما ألف، وهو موضع متسع شرقي الوادي سهام، خرج منه جماعة من العلماء والأولياء، كان المذكور فقيهاً عالماً صالحاً ورعاً زاهداً جواداً كريماً معروفاُ بالجود، وإكرام الوافدين، وصلة الواردين، صبوراً على السعي في قضاء حوائج المسلمين، ولو إلى الأماكن البعيدة، ويتحمل في ذلك المشقة وكان وجيهاً عند الناس مقبول القول مسموع الكلمة ببركة صدقه في ذلك، ولم يزل على الحال المرضي حتى توفي سنة ست وعشرين وسبعمائة رحمه الله تعالى آمين.
(محافظة تعز)
6-   أبو أسامة زيد بن عبدالله بن جعفر بن إبراهيم اليافعي: نسبة إلى قرية يقال لها يفاعة، بفتح المثناة من تحت والفاء وبعد الألف عين مهملة ثم هاء تأنيث، قريبة من مدينة الجند، كان المذكور إماماً كبيراً عالماً ورعاً زاهداً، تفقه بمدينة الجند ثم ارتحل إلى مكة المشرفة وأخذ بها عن جماعة من أهلها، ثم رجع إلى الجند ونشر العلم هنالك، وانتفع به الناس وارتحلوا إليه من نواح شتى وارتفع صيته، قال الجندي: بلغ أصحابه نحو ثلاثمائة متفقه، وكان يقوم بغالبهم قوتاً وكسوة وغير ذلك، ثم رجع إلى مكة المشرفة وأقام بها مدة عاكفاً على التدريس والفتوى هنالك، ثم رجع إلى الجند واستقر بها وانتشر عنه العلم انتشاراً كلياً، وقصد من كل ناحية وتخرج به جماعة من المدرسين المفتين، وكان غالب أحواله في آخر عمره إنما يدرس في بيته إثاراً للخمول وعدم الشهرة، وكان متورعاً عن صحبة الملوك ومخالطة الولاة كثير العبادة وظهرت له كرامات كثيرة. وكانت وفاته سنة أربع عشرة وخمسمائة، وقبره بالمقبرة القريبة من مدينة الجند.
(محافظة عدن)
7-   أبو مروان الحكم بن أبان العدني (من محافظة عدن):  هو الحكم بن أبان بن عثمان بن عفان رضي الله عنه، كان أحد فقهاء التابعين، وكان كثير الاجتهاد في العبادة. وكان مشهوراً بالعفاف وكرم النفس، والمسجد المعروف في مدينة عدن بمسجد أبان منسوب إلى والده، وهو من مساجدها المشهورة، وفيه أقام الإمام أحمد بن حنبل حين قدم للأخذ عن ولده إبراهيم بن الحكم، وكان إبراهيم فقيهاً فاضلاً محدثاً ويكفيه فضيلة ارتحال الإمام أحمد بن حنبل إليه، ولما وصل الإمام أحمد إلى عدن وجده قد توفي، وكانت وفاة الحكم المذكور سنة أربع وخمسين ومائة.
(محافظة إب)
8-   أبو التقي دحمل بن عبدالله الصهباني: كان شيخاً صالحاً ناسكاً متعبداً مشهوراً بالولاية. ومن كراماته أنه لما عزم السلطان طغتكين بن أيوب على شراء أرض أهل اليمن وأراد أن يجعلها ملكاً للديوان، ضج الناس من ذلك وشق عليهم، فاجتمع هذا الشيخ دحمل هو وجماعة من الصالحين في بعض المساجد، واعتكفوا فيه ثلاثة أيام على صيام النهار وقيام الليل، فلما كان آخر الليل من الليلة الثالثة خرج الشيخ دحمل من المسجد وجعل ينادي رافعاً صوته على سبيب الوله: يا سلطان السماء اكفِ المسلمين حال سلطان الأرض، فقال له أصحابه: أسكت، فقال قضيت الحاجة وحق المعبود وسمعت قارئاً يقرأ قضي الأمر الذي فيه تستفتيان. ويقال أنه قال: رأيت السلطان وهو بارز وسهام تأتيه من كل ناحية حتى وقع ميتاً، فلما كان ظهر ذلك اليوم توفي السلطان المذكور وكفى الله الناس شره ببركة هؤلاء القوم، نفع الله بهم، وكانت وفاة الشيخ دحمل بعد الستمائة تقريباً، وهو بفتح الدال وسكون الحاء المهملتين وفتح الميم وآخره لام، والصهباني منسوب إلى صهبان بضم الصاد المهملة وسكون الهاء وقبل الألف باء موحدة وبعده نون، وهي جهة متسعة مما يلي مدينة جبلة، خرج منها جماعة من العلماء والصالحين نفع الله بهم أجمعين. 
(أمانة العاصمة)
9-   أبو عبدالرحمن طاووس بن كيسان اليماني التابعي(صنعاء – أمانة العاصمة): أصله من الفرس وأمه مولاة لقوم من حمير، كان مسكنه مدينة الجند ويترددمع ذلك إلى صنعاء، وربما أقام بها مدة وهو من كبار التابعين، أدرك خمسين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبهم وأخذ عنهم، منهم علي وابن عباس وابن عمر ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت وأبو هريرة وغيرهم رضي الله عنهم أجمعين. قيل لعبدالله بن أبي زيد: مع من كنت تدخل على ابن عباس؟ قال: مع عطاء والعامة. قيل له فطاووس قال: هيهات كان يدخل مع الخواص، وكان ابن عباس رضي الله عنهما إذا ذكره قال: ذاك عالم اليمن، وعنه أخذ جماعة من التابعين كمجاهد وعطاء وعمرو بن دينار وابن المنكدر والزهري وغيرهم ممن لا يحصون كثرة، وكان ابن دينار يقول: ما رأيت مثله. يحكى أنه اجتمع هو وجماعة من العلماء كالحسن البصري ومكحول والضحاك وغيرهم، بمسجد الخيف بمنى، فتذاكروا في القدر حتى علت أصواتهم، فقام طاووس، وكان فيهم رئيساً فقال: انصتوا فاخبركم بما سمعت فأنصتوا فقال: سمعت أبا الدرداء يخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن الله افترض عليكم فرائض فلا تضيعوها، وحدَّ لكم حدوداً فلا تعتدوها، ونهاكم عن أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء فلا تتكلفوها، ونحن نقول ما قال ربنا عز وجل، ونبينا صلى الله عليه وسلم: الأمور كلها بيد الله تعالى، من عند الله تعالى مصدرها وإليه مرجعها ليس للعبد فيها تعرض ولا مشيئة، فقام القوم وهم كلهم راضون بكلامه. ويروى عن معمر أنه قال: قال لي أيوب السختياني: إن كنت راحلاً إلى أحدٍ فعليك باب طاووس. ولما مات أبوه وكان عليه دين، فباع من ماله ما قيمته ألف بخمسمائة وأعطاه الغرماء، فقيل له: لو استنظرتهم فقال: كيف استنظرهم وأبو عبدالرحمن محبوس عن منزله والله أعلم. كان كثير الحج إلى بيت الله تعالى، يقال أنه حج أربعين حجة. وكانت وفاته بمكة يوم التروية سنة ست ومائة، وقد بلغ عمره بضعاً وتسعين سنة.
 (محافظة حضرموت)
10-  أبو عبدالله عمرو بن ميمون الأودي  (حضرموت): بفتح الهمزة وسكون الواو ثم دال مهملة وآخره ياء نسب، كان المذكور من كبار التابعين، أدرك جماعة من كبار الصحابة رضي الله عنهم كعمر وعلي وابن مسعود وأبي هريرة وابن عباس وابن عمر وغيرهم، وروى عنهم، وكان عابداً زاهداً معدوداً في الأولياء، ذكره أبو نعيم في كتاب حلية الأولياء وابن الجوزي في كتاب صفوة الصفوة، وقالا: حج مائة مرة ما بين حجة وعمرة، وكان يقول: ما يسرني أن أمري يوم القيامة إلى أبوي، كان أصله من حضرموت ونسبه في مذحج، وكان ممن إذا رؤي ذكر الله، وكانت وفاته بالكوفة سنة خمس وسبعين من الهجرة على صاحبها أفضل الصلاة والتسليم.
ومن المراجع التي رجعنا إليها عند إعداد هذا المقال:  (طبقات الخواص/للمرحوم العلامة أحمد بن أحمد بن عبداللطيف الشرجي الزبيدي/ من منشورات الدار اليمنية للنشر والتوزيع الطبعة الأولى (1406هـ – 1986م)، (برهان البرهان الرائض في الجبر والحساب والخطأين والأقدار والفرائض/ تأليف الشيخ الإمام العلامة برهان الدين إبراهيم بن عمر البجلي/ تحقيق الاستاذ/محمد محمد عبدالله العرشي/ من مطبوعات المكتبة العصرية بلبنان 2013م). (قرة العيون بأخبار اليمن الميمون/ تأليف المرحوم العلامة عبدالرحمن بن علي الديبع/ تحقيق المرحوم القاضي محمد بن علي الأكوع الحوالي/ دار المطبعة السلفية – القاهرة )، (البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع/ للقاضي العلامة محمد بن علي الشوكاني/ جمعه محمد محمد يحيى زباره/وضع حواشيه خليل المنصور)، (السلوك في طبقات العلماء والملوك/ تأليف القاضي أبي عبدالله بهاء الدين الجندي/ تحقيق القاضي المرحوم/محمد علي الأكوع/ من مطبوعات وزارة الإعلام والثقافة/ الطبعة الأولى 1983م).



كتاب المكافأة وحسن العقبى... من التراث العربي والإسلامي في العصر العباسي في القرن الرابع الهجري

من التراث العربي والإسلامي في العصر العباسي في القرن الرابع الهجري
(كتاب المكافأة وحسن العقبى)
تأليف ابن الداية أحمد يوسف الكاتب المتوفى 340هـ
حققه

وشرحه وصححه/محمود محمد شاكر
إعداد/محمد محمد عبدالله العرشي
المقدمة:
أخي القارئ الكريم.. ما أحوجنا في هذه الأيام في اليمن والعالم العربي والإسلامي أن نرجع إلى تراثنا التاريخي والأدبي والأخلاقي الذي استلهم منه أجدادنا أحداثاً وشخصيات استطاعوا من خلالها أن يُكونوا الحضارة العربية والإسلامية التي أشرق نورها على العالم، واستلهمتها الحضارة الأوروبية فتقدمت، وتركناها فتأخرنا.
وستجد أخي القارئ الكريم في هذه القصص – التي اخترتها من هذا الكتاب – العبر والمواعظ لعلنا أن نتأسى بها وبأعلام هذه القصص المستوحاة من الواقع الاجتماعي في العصر العباسي.
مؤلف الكتاب (ابن الداية) هو أبو جعفر، أحمد بن يوسف بن إبراهيم، وردت له تراجم عديدة في العديد من كتب التراجم.. وقد ذكر محقق كتاب المكافأة ترجمة مطولة لمؤلف هذا الكتاب، حيث ذكر أن مولده يكون ما بين سنة 235 وسنة 245هـ في مصر، نشأ في كنف أبيه فأخذ عنه ولعه بالكتابة والحساب والهيئة، وتوفي (ابن الداية) سنة 340هـ. ومن يريد المزيد عن ابن الداية فسيجدها في كتاب (المكافأة وحسن العقبى).
يعتبر محقق هذا الكتاب العلامة الأديب الكبير/محمود محمد شاكر؛ ثالث ثلاثة من الأدباء الكبار في مصـر إلى جانب العقاد، طه حسين. وهو من أسرة أبي علياء الحسينية في جرجا بصعيد مصر، وكنيته أبو فهر. ولد في الإسكندرية في ليلة العاشر من محرم سنة 1327هـ/ 1فبراير عام 1909م، وتوفي عام 1997م.
له الكثير من المؤلفات منها: (المتنبي ـ عدد خاص من المقتطف سنة 1936م، القوس العذراء ـ نشرت أول مرة في مجلة الكتاب 1371 هـ/1952م)، (أباطيل وأسمار)،  (برنامج طبقات فحول الشعراء)، (نمط صعب ونمط مخيف "وهو سبع مقالات نشرت في مجلة «المجلة» سنة 1969، 1970م")، (قضية الشعر الجاهلي في كتاب ابن سلام)، (رسالة في الطريق إلى ثقافتنا صُدّر بها كتابُ المتنبي في طبعته الثالثة 1407 هـ ـ 1987م).

وقد حقق المرحوم العلامة الأديب الكبير/محمود محمد شاكر العديد من المؤلفات منها: (فضل العطاء على العسر لأبي هلال العسكري)، (إمتاع الأسماع بما للرسول من الأبناء والأموال والحفدة والمتاع لتقي الدين المقريزي)، (المكافأة وحسن العقبى لأحمد بن يوسف بن الداية الكاتب)، (تفسير الطبري – الأول والثاني – دار المعارف 1954م، الثالث والرابع دار المعارف 1955م، السادس والسابع والثامن دار المعارف 1956م، من التاسع إلى الثاني عشر دار المعارف 1957م، الثالث عشر والرابع عشر دار المعارف 1958م، الخامس عشر دار المعارف 1960م، السادس عشر دار المعارف 1969م). والسيرة الذاتية للمحقق كبيرة وغنية بالمعلومات ولكن المقال لا يتسع لذكرها.

وقد اخترت هذه القصص، وهي على النحو التالي:
القصة الأولى: مؤلف وأعراب من القيسية
ولما استفحل أمر ابن الخليج، انحاز عنه جيش مصر إلى الإسكندرية وخلَا الفُسطاط منهم، وكنتُ بمدينة أهْناس (بلدة بالصعيد من عمل البهنسا)، واضطربت النواحي، واحتجت إلى مُشاهدة الفسطاط. فتخفَّرت بأربعة نفرٍ من القيسية، دَفَعت إليهم عشرين ديناراً وخرجت معهم، فأحسنوا العِشرة، وأجملوا الصُّحبة. وكنَّا لا نجتاز بحيٍّ ولا جماعة إلاّ كَفَونا مَؤُونةَ كلامهم، وصَرفوا عنَّا بأسهم. ولم يَزل كذلك دَأْبُنا حتى بلغنا قصر الجيزة، فأقبلت رَعْلة من الأعراب(الرعلة: القطعة من الخيل قدر عشرين)– قدَّرتُها برأيِ العين خمسين فارساً – كانت من غير حيِّهم، فصمَّمَت نحوَنا برِمَاحها، وعَمِلت على نهبنا وقَتْلِنا، ورأيت الموت في أسنتهم. وأحسنَ الأربعة – الدين تخفرنا بهم -  لقاءها والتضرُّع إليهم، وناشدوهم أَلّا يُخفروا ذِمَّتَهم،  وأجمَلوا التأتِّي (تأتى للشيء: ترفق له وأتاه من وجهه) حتى انصرفوا.
وجددنا في السَّير حتى انتهينا إلى حَيِّ المُخفِّرين لنا، فقال المخفِّرُون :"قد بلغتَ إلى من تأمنه، فحط رحلك، فما تستقل (تحتمل) دوابُّك الزيادة على هذا السَّير". فنزلت وتقدَّمتُ إلى الغلمان في إطعامهم، و لم أجد للطعام مساغاً من فرط ما لحقني من الروع.
وعملت في المخفرين هذه الأبيات:
جزى الله خيراً معـشراً حقنوا دمي



وقد شُرِعَتْ نحوي المُثقّفة السُّمر

دراهِمهم مبذولة لضعيفهم



وأعراضهم من دونها الغفر والستر

إذا ما أغاروا واستباحوا غنيمةً



أغار عليهم في رِحالهم الشكر

وإن نزلوا قُطراً من الأرض شاسعاً



فَمَا ضَرَّهُ ألّا يكونَ بها قَطرُ

فلحظني واحد منهم وأنا أكتبهم، فظنَّ أني أكتب إلى السلطان فاشتكى ما كان من الفرسان الذين لقونا بقصر الجيزة، فقال: "قد سلمك الله من أولئك القوم، وقد أحسنوا إلينا في حُسن الإجابة لنا،  فلا تكتب فيهم بشيء". فقلت: "والله ما كتبتُ فيهم ولا في غيرهم إلى السلطان بشيء"، فقال لي شيخٌ من المخفرين – وقد قرب منِّي –: "فما تكتب؟"، قلت: "أكتُب أبياتاً مدحتُكم فيها"، فقال: "وإنك لَتَقْرِضُ الشِّعر؟"، قلت: "نعم!"، قال: "أنشِدني على اسم الله"، فأنشدته إياها، فقال: "بَرَّك الله ووَصَلَك!".
ثم صَاح بالثلاثة، فلما اجتمعوا أنشدهم إياها، فما خَرَم – شَهِدَ الله – حرفاً واحداً، فعجبت من حفظه لها ولم أُعِد عليه حرفاً منها، وتبيَّنت الفَرَح في سائرهم، وحفِظوها بأجمعهم. ثم صاح بهم الشيخ: "ما تنتظرون؟ ارحضوا (رحض الثوب: غسله من وسخه) السَّوْءَةَ عنكُم". فأدخلوا أيديهم في جيوبهم، وجَمعوا شيئاً أخَذه الشيخُ منهم، ثم قال لي: "قد شكرنا صنيعتك، والله لا نجمع بين شعرك ووَفْرِك!"، ووضع العشرين الدينار بين يَدَيَّ فأكبرت ذلك (أكبرته: أي أعظمته). فقالوا لي: "الصواب ألَّا يعلم بها عشيرتنا، فيرجع عليك منها أكثر مما خِفْتَه ممَّن لقيك بقصر الجيزة". وركبتُ فسرتُ مع جمعٍ كثيرٍ منهم وهم ينشدون تلك الأبيات، فالتمست أن يَقبلُوا منِّي بِرَّا فلم أصِل إلى ذلك، ورَأَوا أن الشِّعْرَ أحسنُ موقعاً ممَّا ملكته.
القصة الثانية: علان بن المغيرة وبعض الفقهاء
وحدثني أحمد بن سقلاب، قال: "كان بمصر رجلٌ من الفقهاء مشهور الاسم، وله حَلْقَةٌ عظيمة بالجامع. فبينما هو في صدرها إذ وَافَى عِلاَّن بن المغيرة، فلما رآه مقبلاً نحوه قام إليه على رجليه، ثم خطا إليه حتى لقيه. فأكثرت الجماعةُ قيام شيخٍ مثله إلى حَدَثٍ (الحدث: الحديث السن الصغير) مثل عِلَّان، وتحفّيه به، وعَرْضِ نفسه عليه، وأنّه لم يدع شيئاً يفعله تابع بمتبوع إلاّ بَذَله، وأسرَرنا الموجدة عليه(الموجدة: الغضب المكتوم).  فلما قام عِلاَّن قال لجماعتنا: "ما أعلمني بما أضمرتم! ولكنّي أريكم عُذري فيما خرجتُ إليه:
"كانت عندي ألفُ دينار وديعةً لرجلٍ بالمغرب قد طال مُقامها، وطالب زوجُ ابنتي بإدخال امرأته عليه، فجلست أمُّها بحَضرتي فقالت لي: "ما الذي تراه فيما قد ألحّ فيه هذا الرجل؟"، فقلت لها: "نستعمِل فيه التجوُّز (التساهل)"، فقالت لي: "لنا حُسّاد نخاف شَماتتهم، ولا بُدَّ من أن تُعينني على التجمُّل"، فقلت: "إنْ كان ما تُريدين في قدرتي لم أبخل به عليكم". قالت: "تمكِّنني من هذه الوديعة، ونحتاط فيما نبتاعه من الجَهاز حتى يصل إلينا ثمنه في أيِّ وقتٍ أردناه، ونُدخِل هذه الصبيَّةَ على زَوْجها. فإن جاء صاحب الوديعة بِعنا ما اشتريناه ولم نُوضَع فيه (أوضع في المال: وكس وغبن وخسر) إلا ما يسهُل علينا غُرْمه"، قلت: "هذا قبيح عند الله وعند خلقه!". فلم تزل تُلِحُّ بي وتحتالُ عليّ، حتى أجبتها. فجّهزتِ ابنتها بجميع المالِ، وأدخلتها على زوجها.
فلم يمضِ بنا بعد ذلك إلاّ شهران حتى وافَى صاحبُ الوديعة يطلبُها، فقلت لها "ما تفعلين؟"، فقالت: "أمضي فأحمِل المَتاع وأبيعُه". فمضت إلى ابنتها ودعت إليَّ، فقالت: "لا تشغَل نفسَك بهذا المتاع، فقد حلَف زوجُها بطلاقِها أنه لا يَخرُج منه شيءٌ عن منزله"، فسُقِط في يَدِي(سقط في يده: إذا زل الرجل وأخطأ فندم على ما فرط منه)، ورأيتُ الفضيحةَ في الدَّارَيْن متصدِّيةً لي: فوُضِع إفطاري بين يدي فلم أطعم، واعتراني ما خفتُ منه على عَقلي، وبتُّ بليلة ما بِتُّ بمثلها، وأنا أتبين سهولة ذلك على زوجتي في جَنب ما أحرَََزَتْه لبنتها. ثم انتبهتُ قبل الفجر بمنازل، فصحتُ بالغلام "أسرِج لي!(أسرج له: أي وضع على الدابة سرجها)"، فقام وأسرج، وقال: "يا سيدي! أين تمضي؟"، فقلت: "ليس لك الاعتراضُ عليّ".
وركبتُ وسِرت بطَوع عِناني، فلم يزل بَغلي يسير حتى دخلت ُ زُقاقَ علان بن المغيرة، فوقفتُ على باب داره، وصَاحَ الغلام بالبَّواب وعَرَّفه بموضعي. فسمعتُ حركة في داره، ثم فُتح الباب وأُذِن لي بالدخول. فدخلتُ عليه، فوجدتُ بين يديه شمعةً وهو يكتب جواباتِ كُتُبِ وُكَلائه. فلمَّا رآني قام إليَّ، وقال لمن حضره من الغلمان، "تَنَحَّوْا!"، وأقبل عليَّ فقال: "والله لو بعثت إليّ لسرت إليك ولم أُجَشِّمْك السعيَ إليّ، فاشرح لي أمرك"، فغَابتني العَبرةُ وحالت بيني وبين الكلام، فما زال يُسكِّنُني حتى نَصَصتُ له إنفاق الوديعة(نص الحديث: رفعه إليه وأظهره)، وهو مغمومٌ بأمري. ثم قال: "فكم هذه الوديعة؟"، فقلت "ألف دينار!"، فضحك، وقال" "فرَّجت والله عَنّي! ما توسَّمتُ أني أملكها(توسم الشيء: توهمه وتخيله)، فكان الفمُّ يقع بها، فأمَّا وهي في القدرة فما أسهلها عليّ، وأخفَّها لديّ!"، ثم قال لغلامه: "جئني بتلك الصِّرار (الصرار: جمع صرة، وهي التي تصر فيها الدراهم) التي وردت علينا نت المغرب هذا الشهر"، فجاء بأربع صِرارٍ فنظرَ فيما عليها وجمعَه وقال: "هذه ألف دينار وخمس مائة دينار، ألفٌ للوديعة، وخمس مائة تصلح بها ما بينك وبين من عندك"، ثم قال لي: "متى أشكر إفرادَك إيّاي – بعد الله عز وجل ذكره – بتأميلي في حادثةٍ حدثت عليك، فأعانني الله على مكافأتك؟". وأضاف إليّ من خَفَرني إلى منزلي".
فقالت الجماعةُ: "قد سمعنا عُذرك، وعلينا عهدُ الله إن لقيناه أبداً إلاَّ قياماً".

القصة الثالثة: سيف بن ذي يزن وملك الحبشة
ومما نقله ابنُ المقفع عن الفُرسِ وتَعالمَهُ العرب: أن ملك الحبَشة لما غلب على مملكةِ سيف بن ذي يَزَن، خرج إلى كسرى مستصرِخاً إليه، ومستجيراً به عليه. وكان ملك الحبشة يُجري على تَرْجُمان كسرى رزقاً مُثيباً (الرزق المثيب:  المصلح للحال بعظيم غنائه) على تحريف دَعْوى المتظلّمين منه. وكان لكسرى يومٌ في كل شهر يركب فيه، ويقرُب من عامَّته، ومن لا يصل إليه ممن انتَجَعه (انتجعه: أتاه يطلب معروفه وخيره)، فتوَخَّى سيف بن ذي يزن ركوبَه في ذلك اليوم، فلما رآه قال: "أسعد الله الملكَ! أنا سيف بن ذي يزن، أغار عليَّ متملِّك الحبشة بفَرط تعَديه وسوء جِوَاره، فأخرجني من مملكة عَمَرتُها أنا وآبائي مُذ أكثر من مائتي سنة. وأنا أسأل الملكَ أن يُنْجِدني عليه (أنجده على فلان: أغاثه وأعانه عليه)، ويردّني بطَوْله إلى مملكتي ومملكة آبائي". فسأل الترجمانَ عن قوله فقال: "يقول: "أنا رجل من جلة العرب(الجلة: جمع جليل، وهو الكبير العظيم)، وقد اختلَّت حالي، واضطرب شملي لشدّة الفاقة، وقد قصدتُ الملك مُستَتِراً به، ومستميراً منه(استمار فهو مستمير: طلب الميرة، وهي الطعام والرزق وما إليهما)"، فأمر له بجائزة. فرأى سيف بن ذي يزن مالا يشبه ما ابتدأه به.
وصبر إلى اليوم الذي يسهُل فيه كلامه وانتَظَره فيه، فلما رآه قال: "أنا أيد الله الملِك لأقتَبِس من عزّه، وأنتصر بقُوَّته"، فسأل الترجمان عما قال، فقال: "يقول أمَرت بما يقصُر عن حاجتي"، فأمر له بجائزةٍ أخرى. فوقف على تحريف الترجمان لكلامه.
فانتظره في اليوم الثالث، فلما رآه قال: أيد الله الملك، إنَّ الغادِرَ" ... فأدَّى إليه هذا الحرفَ، فقال: "الخائن" ... فرأى في وجه الملك الاستفهام، فقال: "الكذاب" ... فأشار إليه الملك بيده من هو؟ فأومَى إلى الترجمان، فأحضر الملك ترجماناً آخر، فقَّص عليه قصَّته، فضرب عنق الترجمان، وأحْسَنَ تَلَقِّيَ سيف بن ذي يزن لما تبيّن منه في التأتِّي لإفهامه(تأتى للشيء: ترفق في إتيانه وإدراكه).
ثم أحضره مجلسه فسأله عن مقدارِ حاجته، وما الذي يُؤْثِرهُ من أصناف الناس؟ فقال له: "أسأل الملك أن يُطلِق لي من محابِسه الكهولَ، فإنهم أصبرُ في المعارك، وأسمحُ في بالنفوس"، فأطلق له جملة من {في} الحبس كهولاً بأسرهم، فحملهم في مَرَاكب، وركب معهم حتى وَافَى مملكته.
فلما نَزَل جميعُهم، أحرق المراكب، واعتمد ذلك سراً منهم. فلما نزروا إلى المراكب وقد أحرقت، قال للرجال: "إنه لا يحسن بكم التَّعذيرُ في القتال فتهلِكُوا(عذر في الأمر تعذيراً: قصر بعد جهد يبلغه العذر في الإخفاق)، ولكن جِدَّوا جِدّ من لا نجاة له في البحر". فجرّد الجيشُ العِنَاية، وصَدَقوا حتى بَرَزوا على من أقامَ بمملكته(برز عليه: فاق عليه وغلبه)، واحتازُوا له طائفةً كبيرةً من أرض الحبشة، وقهر مَلكها واتَّقى جانِبَه.

القصة الرابعة: أبو يوسف القاضي والغنوي
وحدثني أحمد بن أبي عمران، عن مسلم بن أبي عُقبة، عن أبيه عُقبة،– وكان عقبة هذا مصادقاً لأبي يوسف القاضي وتِرباً له –، قال:
"كان أبو يوسف قد انقطع إلى أنحاءِ الفقهِ(أنحاء الفقه: وجوهه وأبوابه ونواحيه)، فأحسنَ القولَ عن أبي حنيفة؛ وكانت زيادته في العلم، بمقدار نقصانه في الرزق. وكان كل من يستعرضُ حاله بالكوفة، يشير عليه {بالرِّحْلةِ} إلى بغداد. ويرى أبو يوسف صوابَ ما يُشار به عليه، فَيُقْعِدُه نقصانُ حاله عن المركب الفارِه(الفاره: النشيط الحادّ القويّ من الدواب)، والّلبسة التي تُشبه من حلَّ محلَّه من العلم، ونُزِع إليه من أقصى النواحي(نزع إليه: قصد من بعد).
"وكان له غلام كان لأبيه، حاذقٌ بعمل الجَوَاشن (الجواشن: جمع جوشن: درع وزرد يلبسه الصدر والحيزوم من العنق) والدُّروع وكثيرٍ مما يحتاج إليه من آلة الحرب، وكان يأتيه في كلّ شهر بما يقوته في حاضرةِ الكُوفة، ولا يُعينه على حَضـرة السلطان. فرغب في الغلام عامل للمهديِّ على الكوفة – قد ذهب عنِّي اسمه –، فطلبَه من أبي يوسف – وهو يومئذ من أصاغِر رَعَاياه –، فباعه منه بتسعين ديناراً.
"وخرج عند ذلك إلى بغداد، فارتاد دابَّةً وثياباً.
"وكان لعبدالله بن القاسم الغَنَوِيّ – أحد أصحاب الأعمش – محلٌ من المهديّ، ولم يكن في المجالسِ التي تنعقد ببغداد في الفِقْه أجل من مجلسه. فدَخَل أبو يوسف مع كافَّة من دخل، مِنْ غير تسليم على عبدالله، ولا مُقَدِّمة لحضور مجلسه. وكان أبو يوسف حَسَنَ الصورة، جميلَ الإشارة، لطيفَ التخلُّص والاحتجاج، فقَبِله قلبُ عبدالله ولم يعرفه.
"وجرت مسائلُ وأجوبةٌ، كان حظُّ القياس فيها مقصِّراً، وكان الاحتجاج على ظاهرِ القول. فتكلم أبو يوسف فيها فأَحسن الاحتجاج وجوَّد، وأعانه على هذا طُولُ لِسانه وحُسنُ بيانه، ثم سألهم فقَّصروا عن الجوابِ، فأبان عنه لهُم برفق. فلما تقضّى المجلس عاتبه عبدالله على تخلُّفه عنه وتعريفِه مكانَه، وسأله أين نَزَل، فأخبره. فرغب له عن الموضع الذي سكنه، ودعاه إلى منزلٍ بالقرب منه، وقرَّر خبره عند أبي عبيدالله كاتب المهدي، فوصله بالمهديّ وأسْنَى رزقه(جعله سنياً أي رفيعاً عظيماً)؛ ثم قَرَنه بالهادي فأقام معه مُدَّة أيامه؛ وبلغ مع الرشيد ما لم يبلغْهُ عالم بعلمه، ولا محبوبٌ بمرتبته.
أخي القارئ الكريم..
لعلك أطلعت على القصة الأولى وستجد فيها تذوق الأعراب للشعر وإيثارهم للأدب بدلاً عن المال، وفي نفس هذه القصة تستطيع أن تستنتج أن القراءة والكتابة كانت منتشرة بين الأعراب في ريف مصر. وفي القصة الثانية تستنتج تقدير العلماء ونجدتهم، واعتراف العلماء بأصحاب مكارم الأخلاق. وفي القصة الثالثة ستستفيد منها معرفة إحدى الروايات التي تروي قصة سيف بن ذي يزن عندما استعان بالفرس، حيث يظهر ذكاء سيف بن ذي يزن في اكتشافه لتلاعب المترجم الذي ترجم الكلام بينه وبين كسرى ملك الفرس. وفي القصة الرابعة نستفيد منها معاناة طالب العلم أثناء طلبه للعلم، وكذا تقدير الملوك للعلماء، حيث صار أبو يوسف من أقرب المقربين للخليفة العباسي الرشيد.



كتاب العطايا السنية والمواهب الهنية في المناقب اليمنية .. من أهم كتب التراث اليمني

بسم الله الرحمن الرحيم 
من أهم كتب التراث اليمني
كتاب العطايا السنية والمواهب الهنية في المناقب اليمنية
من تراث الدولة الرسولية التي حكمت اليمن من عام (626-858هـ/1228-1454م)

إعداد/محمد محمد عبدالله العرشي
مقدمة:
تمتلك اليمن ثروة علمية لا يستهان بها في كافة فروع المعرفة، وقد زخرت جميع المكتبات الوطنية أو مكتبات الأوقاف أو مكتبات الأسر العلمية في اليمن بآلاف المخطوطات النادرة في كافة مجالات المعرفة، بل أن الكثير من المكتبات في العالم العربي والعالم الإسلامي والكثير من المكتبات المنتشرة في العالم توجد فيها المئات من المخطوطات العربية وغالبها من اليمن فإذا كان عدد المكتبات التي فيها المخطوطات العربية هي 454 مكتبة منها في أمريكا وأوروبا 152 مكتبة و122 مكتبة في تركيا، وفي الدول العربية 106 وفي الدول الإسلامية 74 مكتبة، بذا يتضح لقراء مجلة الوعي الإسلامي حجم المخطوطات العربية التي غربت إلى جميع أنحاء العالم، وأن معظم هذه المخطوطات وأندرها هي من اليمن، أو لها صلة بتراث اليمن العلمي.
أخي القارئ الكريم ...
وإذا رجعنا إلى تاريخ اليمن العلمي سنجد أن عهد الدولة الرسولية التي حكمت اليمن 626-858هـ / 1228- 1454م، هي الفترة التي ازدهرت فيها الحركة العلمية ونمت فيها المعارف في كل المجالات لدى الدولة الرسولية للنهضة العلمية متمثلة في سلاطينها، سواء بالتشجيع أو بالمساهمة العلمية في القيام بالتأليف على سبيل المثال فقد ألف الملك المظفر يوسف بن عمر المتوفي عام 697هـ في علم الفروسية كتاب:(درج السياسة في علم الفراسة)، وكتاب (ما يدل على الخيل من ملاحة وقباحة)، وله غيرها من المؤلفات في مجال الفلك والأدب والصناعات.
وللملك الأشرف ممهد الدين عمر بن الملك يوسف كتاب (الاسطرلاب)، والاسطرلاب آلة تستخدم في الملاحة العربية لتقني ارتفاع الأجرام السماوية، وكتاب في مجال الطب اسمه: (الجامع في الطب)، وكتاب (تحفة الاحباب في التواريخ والأنساب)، وغيرها من الكتب في مجالات متعددة في الزراعة والبيطرة والأدوية.
كما ألف الملك المجاهد علي بن داود المتوفى سنة 764هـ كتاب: (الأقوال الكافية والفصول الشافية) في علم البيطرة، وهو مكون من ستة فصول، الفصل الأول فضائل الخيل ومحمودها في الكتاب العزيز والحديث والحث على إكرامها وأول من ركبها. والفصل الثاني في صفات الخيل وأسمائها  ومحمودها ومذمومها.. إلخ. والفصل الثالث في ذكر حملها ونتاجها..إلخ، والفصل الرابع في ذكر أمراضها وأسبابها ومداواتها. الفصل الخامس في ذكر أسماء الخيل المشهورة في الجاهلية والإسلام.
وله كتاب في الزراعة سماه: (الإرشاد في علم الزراعة)، وغير ذلك من المؤلفات.
وله كتاب (العطايا السنية والمواهب الهنية في المناقب اليمنية)، وهو الكتاب الذي نحن بصدد تعريفه في هذا المقال.
شهدت صنعاء حركة ثقافية كبيرة في عام 2004 عندما كانت عاصمة للثقافة العربية، وتم حينها طباعة العشرات من الكتب كان من بينها كتاب (العطايا السنية والمواهب الهنية في المناقب اليمنية)، والذي قام بدراسته وتحقيقه الباحث المجتهد المحب لتراث وطنه وأمته الأستاذ عبد الواحد عبد الله أحمد الخامري، وهو رسالة ماجستير قدمت لجامعة صنعاء كلية الآداب قسم التاريخ، ولقد بذل الباحث جهداً كبيراً في دراسة وتحقيق الكتاب.
والكتاب هو تراجم لمجموعة من العلماء بلغ عددهم تسعمائة واثنان وسبعون علماً، أولهم الخليفة الأول أبو بكر الصديق، وقد تعرض لنسبه وكنيته ومولده وإسلامه وخلافته. وآخرهم أبو المنصور يوسف الملقب بالمظفر بن المنصور، أحد ملوك الدولة الرسولية، وقد تعرض لميلاده وسيرته وتربيته وملكه ومن عارضه، وصفاته وأخلاقه، ومآثره، وأشار إلى انه بنى جامع في ...، وأنه خطب له في...، وأنه ساهم في إعادة بناء الحرم الشريف عند تعرضه للحريق في مدة ولايته، وأنه خطب له على منبر الحرم النبوي عشر سنوات، وقد خطب لله خارج اليمن في الحبشة ودهلك، وأشار إلى وفاته في الثاني عشر من شهر رمضان سنة أربع وتسعين وستمائة 694هـ.
وقد أشار الملك الأفضل رحمه الله أن ابتداء تأليف هذا الكتاب في مستهل ربيع الأول سنة سبعين وسبعمائة، وأشار إلى أنه كان الفراغ من نسخ هذا الكتاب يوم العشرين من سنة سبعين وسبعمائة في السنة المذكورة.
جهود المحقق في تحقيق هذا الكتاب وإخراجه إلى حيز الوجود.
أولاً: وضع له مقدمة أشار فيها إلى الجهد والعناء في البحث عن مخطوطة الكتاب، وأشاد بمن ساعده وشرح أسباب اختياره لهذه المخطوطة، وهي تسعة أسباب، أولها: أن المخطوطة ضمت ما يقرب من تسعمائة واثنين وسبعين ترجمة من ظهور الإسلام حتى آخر عصر المؤلف، وآخرها احتوائه لعدد كبير من الكتب لعدد كثير من العلماء بلغت 249 كتاباً، وقد بلغ عدد المراجع من المخطوطات سبع مخطوطات ومائتين وأحد عشرة مطبوعة.
وقد وضع له أحد عشر فهرساً، وهي: فهرس الآيات القرآنية، وفهرس الأحاديث، وفهرس الأعلام الأصلية (التراجم الأصلية في الكتاب)، وفهرس الأعلام غير الأصليين، وفهرس البلدان والأماكن، وفهرس المدارس، وفهرس الشعوب والقبائل، وفهرس الفرق والمذاهب، فهرس المصطلحات والأمثال والمسميات، فهر الكتب، فهرس محتويات الكتاب.
وقد بذل المحقق جهداً كبيراً رغم الصعوبات المادية وصعوبة المواصلات والاتصال مع الداخل والخارج، وقد تراسل مع المكتبات الوطنية في كل من النمسا وفرنسا وإيطاليا وهولندا، ولكن مراسلته باءت بالفشل، وقد قام بإرشاده إلى نسخة مصورة من المخطوطة لكتاب العطايا السنية، الدكتور الفاضل والعالم المحقق الدكتور الزميل العزيز/ عبدالرحمن عبد الواحد شجاع الدين أحد خريجي جامعة الأزهر. ووجد نسخة من المخطوطة لدى المرحوم المؤرخ العلامة القاضي/ إسماعيل الأكوع، ووجد أيضاً لدى أستاذه الدكتور/ محمد عبده محمد السروري نسخة مصورة بالميكروفيلم، قام المحقق الجاد المجهتد المحب لوطنه وللعلم وللعلماء الأستاذ/ عبد الواحد عبد الله أحمد الخامري، المحقق للكتاب موضوع تعريفنا به تحت عنوان من التراث العلمي في اليمن، بالترجمة له:
الفصل الأول في الفقرة (1) اسمه ونسبه : العباس بن علي بن داد بن يوسف بن رسول، وتطرق تحت هذا العنوان لنسب آل رسول.
وفي الفقرة (2) موطنه ونشاته: وأشار إلى أن المؤرخ الخزرجي وقد استنتج المحق أن نشأة الملف كان في مدينة تعز ، وهي المدينة التي كانت عاصمة للرسوليين، وأنه تم اختياره ملكاً لليمن سنة 764.
وقد أشار المحقق إلى ثقافة ومؤلفات الملك الأفضل مؤلف (كتاب العطايا السنة إلى مؤلفاته إلى إحدى عشرة مؤلف، وهي:
1-              العطايا السنية والمواهب الهنية في المناقب اليمنية.
2-              نزهة العيون في تاريخ طوائف القرون.
3-              نزهة الأبصار في اختصار كنز الأخبار.
4-              مختصر تاريخ ابن خلكان.
5-              نزهة الظرفاء وتحفة الخلفاء.
6-              بغية الفلاحين في الأشجار المثمرة والرياحين.
7-              بغية ذوي الهمم في أنساب العرب والعجم.
8-              رسالة في الأنساب.
9-              الدرر والعقيان.
10-         الوسائل في ألغاز المسائل، ويسمى (الألغاز الفقهية).
11-         دلائل الفضل في علم الرمل.
وتطرق المحقق إلى مكانة المؤلف العلمية.
الفصل الثاني: الحياة السياسية في عصر المؤلف، وقد شملت أولا: التمهيد شملت توطئة لقيام الدولة الرسولية وقدومهم إلى اليمن 569 وظروف تأسيس الدولة الرسولية على يد مؤسسها نور الدين عمر بن رسول الذي تلقب بعد ذلك بالمنصور، وبعد ذلك أشار إلى مقتل مؤسسها الملك المنصور.
واستعرض الصراع السياسي بعد مقتل الملك المنصور من أفراد أسرة آل رسول حتى قيام الملك المظفر الذي استمرت خلافته 46 سنة من 647 إلى 694هـ، الموافق 1250-1295 م .
وفي إطار الفصل الثاني استعرض سلطنة الملك المجاهد من 721- 674هـ/ 1320-1363م.
واستعرض ظروف عزل الملك المجاهد، واضطراب الامور بعد وفاة الملك المؤيد وتولية الملك المجاهد وظروف عزله وظروف عودته إلى العرش.
واستعرض الصراع بين الملك المجاهد وابن عمه الطاهر 722-734هـ/ واستعرض أساليب الملك المجاهد  الانتقامية مع خصومه حتى مع أبنائه، واستعرض اضطراب دولة المجاهد ونهايته 751- 764هـ 1352- 1363م، مؤلف الكتاب، وانتهى بالمحقق المطاف إلى الملك الأفضل.
ثم تحدث في البند ثالثاً: عن سلطة الملك الأفضل العباس مؤلف كتاب العطايا (السنية والمواهب الهنية في المناقب اليمنية) من سنة 764- 788هـ و 1363- 1376م، وقد صدر الكتاب في عام 2004م، عندما كانت صنعاء عاصمة للثقافة العربية، والذي تبنى وزيرها الشاب الأديب الأستاذ/ خالد عبد الله الرويشان طبع ما يقرب من سبعمائة كتاب في كافة المجالات الأدبية والتأريخية.
ثم تناول الفصل الثالث: الحياة العلمية والفكرية والدينية في عصر المؤلف، وقد تناول المحقق تحت عنوان البنود التالية:
أولاً: المدخل إلى عصر المؤلف.
وقد اعتبر الدولة الرسولية من أخصب فترات التاريخ اليمني في التطور العلمي والفكري والديني، وقد ذكر أن هناك أسباب خمسة وهي: زيادة عدد المدارس والمساجد في عصر الدولة الرسولية، الاستقرار السياسي والاجتماعي، احترام ملوك الدولة الرسولية للعلم والعلماء، واختلاف المذاهب والاتجاهات الفكرية، والتنافس العلمي والفكري بين العلماء.
ثم تناول عصر الملك المجاهد 721- 764هـ 1321- 1361م، حيث تناول بناء الملك المجاهد المدرسة المجاهدية في مدينة تعز، ومدرسة دار العدل في ذي عدينة، وأنشأ المدرسة المجاهدية في مكة في عام 740هـ 1340م، وأنشأ جامع ثعبات في مدينة تعز، وغيرها .
ثم تناول في البند ثالثاً في عهد الملك الأفضل العباس 764- 778هـ 1363- 1377م، حيث تناول إنشاء الملك الأفضل المدرسة الأفضلية في مدينة تعز في عام 765هـ - 1364، والمدرسة الأفضلية في مكة.
ثم تناول المحقق الباب الثاني
التعريف بالمخطوط وقيمته العلمية، ومنهج المحقق في التحقيق وضمنه ثلاثة فصول.
الفصل الأول: التعريف بالمخطوطة وقيمته العلمية.
الفصل الثاني التعريف بنسخ المخطوط ونماذج منه.
الفصل الثالث: القيمة العلمية للمخطوط ومنهج المحقق في التحقيق.
وقد شملت الدراسة والتحقيق مائة وثمانية وعشرين صفحة من صفحات من صفحات الكتاب الذي يبلغ ثمان مائة وثمانية وثلاثون صفحة من القطع المتوسط.
وفي الختام لعلي أعطيت القارئ الكريم لمجلة الوعي الإسلامي بدولة الكويت الشقيقة عن أشهر ملوك الدولة الرسولية التي حكمت اليمن خلال قرنين وثلث من الزمن، والتي تعتبر من أزهى عصور اليمن أدباً وعلماً وفكراً، وفقنا الله إلى خدمة الإسلام والمسلمين.
المراجع التي تم الرجوع إليها عند إعداد هذا المقال:
(الإعلان في الفقه عماد الإيمان بترجيعات في العروض والنحو والتصريف والمنطق وتجويد القرأن/ تصنيف العلامة أحمد بن عبدالله السَّلمي الوصابي الشهير بالسَّانة/ تحقيق الأساتذة، محمد بن محمد عبدالله العرشي (كاتب هذا المقال)، علي صالح الجمرة، عبدالخالق حسين المغربي)، (تغريب التراث العربي بين الدبلوماسية والسياسة، للدكتور محمد عيسى صالحية، من منشورات مركز الدراسات والبحوث اليمني، الطبعة الأولى 1985م). (حياة الأدب اليمني في عصر بني رسول، تأليف عبدالله الحبشي، منشورات وزارة الإعلام والثقافة، الطبعة الثانية 1980م).(الدولة الرسولية في اليمن، تأليف المرحوم القاضي إسماعيل بن علي الأكوع، من إصدارات جامعة عدن). (زبيد مساجدها ومدارسها العلمية في التاريخ، تأليف المرحوم عبدالرحمن عبدالله الحضرمي). (السلوك في طبقات العلماء والملوك، تأليف بهاء الدين بن محمد بن يوسف الجندي، تحقيق محمد بن علي الأكوع، من منشورات وزارة الإعلام، الطبعة الأولى عام 1403هـ 1982م). (عنوان الشرف الوافي في علم الفقه والعروض والتاريخ والنحو والقوافي ، للمقري، تحقيق عبدالله إبراهيم الأنصاري، مكتبة الإرشاد). (فهرست مخطوطات مكتبة الجامع الكبير بصنعاء، التابعة لوزارة الأوقاف، الصادر عام 1984م). (مؤلفات حكام اليمن، الملحق بكتاب مصادر الفكر العربي  والإسلامي في اليمن، للأستاذ عبدالله الحبشي، من منشورات مركز الدراسات اليمنية- صنعاء). (المدارس الإسلامية في اليمن، للقاضي المرحوم إسماعيل بن علي الأكوع، من منشورات مؤسسة الرسالة بيروت – لبنان، الطبعة الثانية 1406هـ 1986م). (هجر العلم ومعاقله في اليمن، تأليف المرحوم القاضي إسماعيل بن علي الأكوع، الطبعة الأولى 1416هـ 1995م دار الفكر المعاصر بيروت – لبنان). (البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع، تأليف القاضي العلامة محمد بن علي الشوكاني، منشورات محمد علي بيضون دار الكتب العلمية بيروت – لبنان، ص170، 304).