الاثنين، 4 يوليو، 2016

ثلاثة مراكز دولية تدعم تأييد الانفصالية في اليمن

إخواني وأعزائي القراء في صحفتي في الفيسبوك وبريدي الإلكتروني ومدونتي (في جوجل) أحببت أن أقدم لكم مقالاً بعنوان (ثلاثة مراكز دولية تدعم تأييد الانفصالية في اليمن) للأستاذ/ عبدالرحيم محسن والمنشور في الصفحات (23 – 37) من مجلة الحكمة يمانية –والتي كانت تصدر في عدن ويرأسها المرحوم الأديب الأستاذ/ عمر الجاوي – العدد (164) سبتمبر 1989م، أي قبل تحقيق الوحدة اليمنية ببضع أشهر... فإلى هذه الصفحات:-

إعداد: محمد محمد عبدالله العرشي


ثلاثة مراكز دولية تدعم تأييد الانفصالية في اليمن

مدخل:
لخص عالم من علماء بلاد اليمن مركز اليمن الإقليمي والدولي بجملة قصيرة عميقة الدلالة بقوله: "إن اليمن واقعة تحت هيمنة (كارتيل دولي بتمويل عربي)".
"... ومنذ سماعي لهذه الجملة الخطيرة، اجتهدت لمعرفة خلفيات وأبعاد هذا القول الرصين، النابع من عمق الشخصية الوطنية اليمنية ذات الارتباط بالمستقبل الزاهر لليمن".
وعرفت بادئ ذي بدء أن "الكارتيل الدولي" المقصود، هو التحالف السياسي الممكن بين دول مختلفة الأنظمة أو متعارضة السياسات أو العكس للهيمنة على هذا الجزء من اليابسة المكتوب عليه اسم "اليمن" و"الكارتيل" السياسي هو أخطر من "الكارتيل" الاقتصادي المعروف في أدب الاقتصاد السياسي.
ثم أدركت أن اليمن تعمق انفصالها بوعي ودقة وفقاً لمشيئة أعضاء "الكارتيل" الدولي وأضحت سلطاتها السياسية تابعة، وفقدت استقلالها السياسي والاقتصادي، وأن اليمن، أضحت ضحية أجهزة "الكارتيل"، ويعمل هذا التحالف غير المكتوب على تدعيم تأييد الانفصال إلى أن يفتح لليمن طريق الاستقلال الفعلي وتخرج من دائرة التبعية الشاملة.
تاريخ الصراع الدولي الحديث على اليمن

والصراع الدولي للسيطرة على اليمن قديم، إذ نجح الاستعماريون الإنجليز في السيطرة على الجنوب والأتراك على الشمال في القرن التاسع عشر، وفي النصف الأول من القرن العشرين رحل الأتراك بعد هزيمتهم في الحرب الأوروبية الأولى، واستمر الإنكليز في الجنوب.
وبعد الحرب الأوروبية الأولى تجدد الصراع للسيطرة على اليمن. فقد نصب الإيطاليون الأدارسة كحكام على جزء من الأرض اليمنية، وأصحب لليمن ثلاث سلطات:-
-      سلطة الأدارسة في عسير وشمال تهامة 1907 – 1034م.
-      سلطة آل حميد الدين في الأراضي التي وقعت تحت الاحتلال التركي 18 – 1962م.
-      سلطة الاستعمار الإنكليزي على الجزء الجنوبي من الأراضي اليمنية 1838 – 1967م.
وتفاقم الصراع الدولي للسيطرة على اليمن في ما بين الحرب الأوروبية الأولى والثانية، حيث سارعت إيطاليا إلى إبرام معاهدة مع ملك اليمن في سبتمبر 1926م وجددتها في أكتوبر 1937م وتابعت ألمانيا مهام بعثاتها الاستطلاعية في الأراضي اليمنية، وبنفس الاتجاه قام الفرنسيون بإرسال بعثاتهم الهندسية والطبية إلى بلاط الإمام في محاولة للحصول على امتيازات في اليمن.. وخطا السوفيات خطوات أبعد من الألمان والفرنسيين حينما عقدوا معاهدة تجارية مع ملك اليمن عام 1928م، واستطاع البريطانيون عام 1934م عقد معاهدة لصالحهم مع ملك اليمن بعد الحرب التي خسرتها مع العائلة السعودية التي تحكم شمال شبه الجزيرة العربية بالدعم من البريطانيين والتي قضت على حكم الأدارسة واستولت على أجزاء من الأرض اليمنية.
أما الأميركيون فقد أجروا اتصالاً باليمن سنة 1930م "عندما زاره المستر شارلس كرين – المليونير الأمريكي الذي طاف بكثير من دول الشرق العربي – ومهندس المناجم المستر كارل تويتشل، الذي طاف باليمن بحثاً عن موارده المعدنية وخاصة البترول.
ومند 1934م حتى بداية الحرب الأوروبية الثانية 1939م برزت إيطاليا وبريطانيا كمتنافسين رئيسيين على اليمن إذ أن نجم إيطاليا في شرق أفريقيا كان أكثر لمعاناً بعد امتلاكها أثيوبيا عام 1936م الأمر الذي أخاف بريطانيا من تطور الأحداث في اليمن، فسارعوا إلى تهدئة "الغول" الإيطالي وأبرموا معه اتفاقاً لتسوية الخلافات فيما بينهما عام 1938م.
وقد اهتمت اتفاقية إبريل 1938م لوضع اليمن إذ "أختص ملحق هذه الاتفاقية الثالث باليمن والمملكة السعودية، وجاء فيه أن الحكومتين توافقان على ألا تعقد أي اتفاق كما لا تقومان بأي عمل من شأنه أن يمس بأي شكل من الأشكال استقلال وسلامة المملكة العربية السعودية أو اليمن، وألا تسعى أي منهما للحصول على مركز ممتاز ذي صفة سياسية في هاتين الدولتين، وقد ذكرنا كذلك أن من مصلحتهما ألا تسبط أي دولة أخرى أي نفوذ خاص أو فرض مركز ممتاز لأي هاتين الدولتين وقد اتفقتا أيضاً على أن من مصلحتهما أن يسود السلام بين المملكة العربية السعودية واليمن، وألا تتدخل أي دولة في حالة وقوع نزاع بين الدولتين المذكورتين وقد حرصت الدولتان كذلك على الاتفاق فيما بينهما على أوضاع جنوب الجزيرة العربية (أي المحميات وحضرموت) وعلى مصالحهما فيها.
فتعهدت بريطاني بألا تقوم بإنشاء تحصينات أو أعمال عسكرية ذات صبغة هجومية، وأن لا تجمد الأهالي إلا للمحافظة على النظام والدفاع المحلي، وتتعهد أيضاً بأن تحتفظ بالاستقلال الذاتي للزعماء العرب الذين تحت حمايتها.
واستمرت الدول الكبرى تراقب نتائج الصراع التنافسي بين إيطاليا وبريطانيا مقتنعةً أن دورها هو الاستكشاف والمغازلة، وقد وضعت الحرب الأوروبية الثانية مقاييس جديدة للتنافس الدولي على اليمن.
فقد انهزمت إيطاليا وألمانيا واليابان هزيمة قاسية وأخرجت من اللعبة مؤقتاً وأصبحت عبارة عن أذرع الأخطبوط الأمريكي. وبدأت شمس الإمبراطورية البريطانية تميل إلى الغروب ونكست فرنسا أعلامها أمام الأعلام الكبيرة الأخرى وبدأت تشرق شمس الإمبراطورية الأمريكية. وارتفعت أعلام السوفيت في كثير من المناطق الأوروبية وآسيا وخرجت من الطوق والعزلة إلى رحاب النطاق العالمي.
وكانت اتفاقية "يالطا" هو تتويجاً للزواج الرباعي بين الاتحاد السوفيتي وأمريكا وبريطانيا وفرنسا والذي سجل لبداية مرحلة جديدة من التنافس الدولي لبسط النفوذ على النطاق الدولي.
وكانت اليمن إحدى مناطق الصراع الدولي الأكثر أهمية وميداناً لتنافس المصالح المتشابكة لدول "الكارتيل" الدولي الجديد.
لقد اهتمت أمريكا باليمن عقب الحرب في سنة 1946م حينما أرسلت أول بعثة أمريكية رسمية في إبريل 1946م برئاسة الكولونيل وليم دي، وعقدت هذه البعثة مع ملك اليمن معاهدة تجارة وصداقة. وقد تبع هذه الزيارة إقامة علاقات دبلوماسية منظمة بين ملك اليمن وبين الولايات المتحدة في 11 مايو 1946م ووقعت أمريكا اتفاقاً ثنائياً مع ملك اليمن في 9 إبريل 1960م.. والذي بموجبه حصلت "النقطة الرابعة" على موطئ قدم في اليمن تحت تغطية إنجاز طريق المخا – تعز – صنعاء، ومشروع جر مياه الشرب إلى مدينة تعز.
وقد انتكست العلاقة مع أمريكا بعد أزمة "النقطة الرابعة" في مدينة تعز والتي ضبطت متلبسة في محاولة لقلب نظام الحكم الجمهوري الجديد، ثم عادت هذه العلاقة مع أمريكا في 1973م.
أما السوفيت الذين تجمدت علاقاتهم السياسية بملك اليمن فقد عادوا من جديد في سنة 1955م حينما عقدوا اتفاقية جديدة وقدموا من خلالها المساعدات متعددة الأغراض، وفي سنة 1964م وقعوا مع النظام الجمهوري معاهدة الصداقة والتعاون.
وأعادت الدول الأوروبية الأخرى إيطاليا، فرنسا، ألمانيا الغربية نشاطها إلى أراضي اليمن تحت قيادة الولايات المتحدة الأمريكية بينما ظلت بريطانيا تحتل الجزء الكبير من وطننا اليمني، أما الجزء الآخر فقد ظل محتلاً من المملكة العربية السعودية بدعم من أمريكا وبريطانيا.
وفي الستينات بلغ الصراع التنافسي بين أعضاء "الكارتيل" السياسي الدولي أشده.. فقد دعم الاتحاد السوفيتي النظام الجمهوري سواءً بصورةٍ مباشرةٍ أو غير مباشرة بل عقد معه معاهدة صداقة وتعاون بينما وقفت أمريكا والدول السائرة في ركابها ضد النظام الجمهوري ودعمت هذه القوى الثورة المضادة المناهضة للثورة اليمنية.. ويمكن القول أن الاتحاد السوفيتي قد حصل على امتيازات ممتازة في اليمن وتقدم خطوات إلى الأمام لبسط نوع من النفوذ السياسي على الأرض اليمنية، وتمسكت أمريكا وبريطانيا بمركزهما الممتاز في اليمن من خلال استمرار الاحتلال البريطاني لأراضي جنوب اليمن.
وفي 30 نوفمبر 1967م أجليت الجيوش البريطانية من اليمن بشرطين رئيسيين:-
الأول: قيام دولة جنوبية قوية على الأراضي التي كانت تحتلها بريطانيا.
الثاني: أن يبقى لبريطانيا مركز ممتاز داخل الدولة الجديدة.
وقامت الدولة الجنوبية الجديدة القوية، واستمر المركز الممتاز لبريطانيا حسب الشروط، وبهذا دخلت اليمن في فترة من أكثر فتراتها التاريخية تعقيداً وتعقد معه صراع الدول الكبرى عليها.
فخلال عقود ثلاثة، السادس والسابع والثامن، من القرن العشرين تمكنت المراكز الثلاثة الدولية، الاتحاد السوفيتي وأمريكا وبريطانيا من بناء قواعد راسخة لها في اليمن على كافة الأصعدة السياسية والاقتصادية والثقافية والعسكرية، وعملت أجهزتها المتعددة القنوات لإحكام السيطرة على اليمن ووضعتها ضمن البلدان التابعة لها وأفقدتها استقلالها السياسي والاقتصادي ومنعت عليها اختيار الطريق الأكثر ملائمة لنموها وتطورها.

النشاط المعاصر للمراكز الثلاثة في اليمن

ودارت بين هذه المراكز الثلاثة صراعات ملتهبة علنية ومستترة بهدف الانتشار السريع وتحقيق المركز الممتاز.
فأمريكا عادت إلى اليمن أواخر عام 1973م بشكلٍ رسمي وفتحت لها سفارة في صنعاء وجلبت معها أجهزتها المنفذة لأهدافها في العالم الخارجي وأخطر هذه الأجهزة، جهاز المخابرات المركزية الأمريكية الذي أعاد فتح فرعه النشط في جزء من مبنى السفارة الأمريكية.
وعزز تواجد المركز الأمريكي ما حظى به الأمريكيون من مركزٍ ممتاز وتزايد مصالحهم على الأرض اليمنية حيث اندفعت الشركات والبنوك التجارية لمزاولة نشاطها وفقاً لسياسة الانفتاح السياسي والاقتصادي، وقد توج هذا النشاط بالحصول على امتياز التنقيب على النفط واستخراجه.
ومن المعروف أن شركات النفط الأمريكية لا تقدم على مغامرات في استخراج النفط وتصديره إلا إذا ضمنت الحماية العسكرية الأمريكية، وبهذا الصدد فإن الحكومة الأمريكية تمكنت من تقوية مركزها الأمني والعسكري في المنطقة العربية وخاصةً اليمن، إذ أنشأت إلى جانب فروع المخابرات المركزية الأمريكية درعها الواقي لحماية آبار النفط والدول المنتجة له، قوات الانتشار السريع، التي تمكنها من إخضاع أي دولة تهدد مصالحها في أسرع وقت ممكن.. وبشأن هذه القوى الضاربة تقول التقارير الصحفية ما يلي:-
"ومن أجل تنفيذ فكرة هذه القوى من مرحلة التخطيط إلى مرحلة التكوين فطلبت وزارة الدفاع الأمريكية "البنتاغون" من الكونغرس الأمريكي تخصيص الأموال اللازمة، وفعلاً خصص الكونغرس ملياراً و500 مليون دولار من أجل هذا الغرض.
وفي سنة 1982م ازدادت الميزانية لتصبح 4 مليارات و300 مليون دولار. وهذه القوى تضم (228.900) جندي من القوات المسلحة الأربع الأمريكية: سلاح المشاة، البحرية، سلاح الطيران وقوات المارينز المعروفة. وتقول وزارة الدفاع أن هذه القوة يمكن أن تزداد بإضافة 100 ألف جندي إلى قواتها، عندما يشعر الرئيس الأمريكي بأن هناك ضرورة ملحة لزياتها".
وتدخل ضمن نفوذ هذه القوى البلدان التالية:-
"الهند، باكستان، أفغانستان، إيران، العراق، الخليج العربي، البحرين، قطر، الإمارات العربية المتحدة، عمان، المملكة العربية السعودية، الأردن، اليمن الشمالي، اليمن الجنوبي، مصر، الصومال، أثيوبيا، جيبوتي، كينيا، السودان وليبيا".
"في كانون الثاني (يناير 1980م) قال الرئيس الأمريكي جيمي كارتر في معرض شرحه عن قوات الانتشار السريع" أن أي محاولة من قبل أي عناصر خارجية للسيطرة على منطقة الخليج العربي تعتبر هجوماً على المصالح الخاصة بالولايات المتحدة، وأي أي محاولة ستحبط بالوسائل المطلوبة بما في ذلك القوة العسكرية". لهذا فإن هذه القوة منذ تأسيسها استهدفت منطقتين: جنوب شرق آسيا والخليج العربي، وإذا قورن ما قاله الرئيس الأمريكي السابق في 1980م وما قاله الجنرال شوارزكوف مؤخراً فإن النتيجة واحدة وتصب كلها في وعاء الهيمنة والسيطرة الأمريكية على المنطقة وحرمان الاتحاد السوفيتي من أي إمكانيات للتعامل على قدم المساواة مع دول المنطقة. وبمعنى آخر فإن الولايات المتحدة تريد المنطقة كلها ولا ترغب في أن يكون لدول هذه المنطقة أي استقلالية ويعني هذا انعدام عناصر الحياد الإيجابي".
(إن مناطق اهتمام وهيمنة القيادة المركزية الأمريكية تشمل 19 دولة مختلفة في تركيبتها السياسية والاقتصادية، وفي مركز هذه المنطقة يوجد أكثر من 70% من احتياطي نفط العالم، هذا النفط الذي يدير صناعة واقتصاد الغرب، ففي سنة 1988م صدرت أكثر من (12) مليون برميل من النفط يومياً سواءً بشكلٍ مباشر من الخليج العربي أو من خلال أنابيب النفط المتشعبة والممتدة عبر المملكة العربية السعودية من ينبع حتى البحر الأحمر.. وأن نسبة ما تستورده الولايات المتحدة من نفط من كل المصادر هو 40 بالمئة من ما يستهلك في أمريكا، ويعني ذلك زيادة 5 في المئة عن السنة الماضية وبرميلاً واحداً من كل خمسة براميل من هذا النفط يأتي من منطقة الخليج وتقول تقارير وزارة الطاقة الأمريكية أن النفط المستورد يصل إلى 50 بالمئة من ما تستهلكه أمريكا في سنة 1994م.. ولهذا وبناءً على ازدياد اعتماد الولايات المتحدة على النفط المستورد فإن أمريكا ستبدأ باستهلاك المزيد من نفط منطقة الخليج وحسب التقديرات فإن قدرة إنتاج أمريكا للنفط سيطرأ عليها انخفاض قد يصل إلى 20 في المئة مع نهاية هذا القرن ما قد يسبب المزيد من الاعتماد على احتياطي نفط المنطقة العربية. وتقول التخمينات الأخرى أن آبار النفط الأمريكية ستجف في الـ40 سنة المقبلة بينما ستبقى منطقة الخليج العربي غنية في النفط لمدة 100 سنة مقبلة..".
وتشترك في تنفيذ السياسة الأمريكية في اليمن مجموعة من الدول الأوروبية والعربية التابعة للولايات المتحدة الأمريكية وعلى رأس هذه الدول ألمانيا الغربية والمملكة العربية السعودية.
وبخصوص مركز بريطانيا في اليمن فإن البريطانيين نشاطهم السري الهام، رغم أن أمريكا استطاعت أن ترث بريطانيا وتزيحها من الطريق في بلدان كثيرة، ويكون معلوماً لدينا أن بريطانية قد احتلت الأراضي اليمنية لـ129 سنة وما تزال حتى الآن لها قواعدها الضاربة فمركز مخابراتها في اليمن لم يضرب أبداً واستمرت شركاتها تحصل على الامتيازات لتنفيذ كثير من المشاريع الإنمائية والخدمية بل إنها فتحت فروعها لبنوكها التجارية في المدن اليمنية، ولها ممثليات دبلوماسية في كلٍ من عدن وصنعاء.
وتعتبر القوات البريطانية المرابطة في عُمان والخليج العربي والمحيط الهندي التعبيرات العسكرية والأمنية لاستمرار وجود المركز البريطاني القوي في المنطقة.
وتخوض فروع المركز البريطاني بالتنسيق مع المركز الأمريكي صراعاً تنافسياً لاستمرار وجودها السياسي والاقتصادي في اليمن سواءً ضد حليفتها أمريكا أو ضد عدوها الاتحاد السوفيتي.
أما المركز السوفيتي فقد ازداد قوةً في اليمن بعد أن حصل على مركز سياسي واقتصادي وعسكري وثقافي في بلاط السلطة في الجنوب إضافةً إلى محافظته على مركزه التقليدي في بلاط السلطة في الشمال، ويعتبر مركز المخابرات السوفيتية من أقوى المراكز الاستخبارية في اليمن إلى جانب مركز المخابرات الأمريكية وهو يساوي من حيث الكم والنوع والفاعلية المراكز الاستخبارية مجتمعةً.
وللمركز السوفيتي مركز عسكري ممتاز في مياه البحر الأحمر وبحر العرب في الثغر الجنوبي من اليمن إضافةً إلى خبرائه العسكريين في المؤسستين العسكريتين التابعتين للسلطتين السياسيتين... وتعمل فروع المركز السوفيتي بشكلٍ علني ليس فقط لتعزيز مركزها السياسي والاقتصادي والعسكري في اليمن بل ومن أجل تحجيم وضرب المراكز المنافسة الأخرى، المركز الأمريكي والمركز البريطاني.
والمهم في الأمر أن هذه المراكز الثلاثة لا تعمل بمعزل عن شبكاتها اليمنية، فلكل من هذه المراكز الثلاثة القوية عملاء ينفذون كل التعليمات الصادرة إليهم لكي تكون العملية ذات صبغة يمنية.

الصراع التنافسي بين المراكز الثلاثة وإعادة تحقيق الوحدة اليمنية

في بحر ثلاثة عقود من الزمن ومن الصراع التنافسي بين المراكز الدولية الثلاثة وفروعهم بقت اليمن فيما بينهم مدهوشة للمد والجزر، للكر والفر، للهجوم والانسحاب، للحرب والهدنة، والمساومات التي تجري فيما بينهم أيضاً سواءً على أرض المعركة التي يدور الصراع فيها أو من المراكز الرئيسية التي توجهها.. وكانت قضية إعادة تحقيق الوحدة اليمنية أهم ميدان من ميادين الصراع التنافسي هذا، فهنالك تصريحات وتلميحات من المصادر الرسمية العليا في إمكانية أن تحقق الوحدة اليمنية غير أن الأجهزة المنفذة كانت تخطط لغير ذلك، فهي قد دعمت هذا التيار وذاك الطرف لشن هجوم إعلامي أو عسكري ضد التيار أو الطرف الآخر، وهي في نفس الوقت دعمت إسكات هذا الهجوم في الوقت المناسب.
وكانت الإشكالية أن بريطانيا بدعم من أمريكا قد وقفت عائقاً أساسياً لتحقيق الوحدة اليمنية حين لاح ذلك أواخر 1967م إذا اشترطت لجلاء جيوشها من اليمن قيام دولة ثانية في الجنوب وهذا ما أشارت إليه وثائق محادثات جنيف 22- 29 نوفمبر 1967م ودعمت هذا الإجراء تدعيماً كبيراً في سرعة إجلائها بوقت غير متوقع وغير معلن من قبل وفي ظروف صعبة كانت اليمن تمر بها.
وكان السوفيت حينها مهتمين في تعزيز نفوذهم في الشمال بعد أن رحل الجيش المصري وترك اليمنيين يواجهون أضخم حملة عسكرية وإعلامية ضد النظام الجمهوري.
ومن سياق تطور السلطتين السياسيتين القائمتين في اليمن نكتشف أن الميل الرئيسي الذي يجمع دول "الكارتيل" هو تعزيز الأمر الواقع الذي ظهر بعد نوفمبر 1967م، وقد تجلى ذلك في إجراءات تعزيز أركان السلطتين سياسياً وعسكرياً، حيث كان للمهاترات الإعلامية والمنازلات العسكرية دوراً كبيراً في تعميق الميل الانفصالي للسلطتين، وقد خدم هذا التوتر القائم أهداف دول "الكارتيل" ومكنها من التغلغل داخل أجهزة السلطتين.
ودون شك أن المنازلات العسكرية وتمييع الاتفاقات الوحدوية كان يخدم بشكل مباشر وغير مباشر الدول الثلاثة ويساعدها على الانتشار والتدخل في الشؤون الداخلية لليمن.
كان ذلك في مرحلة سياسية "موازين القوى" التي اعتمدت على سباق التسلح وإثارة المشاكل الإقليمية والتدخلات العسكرية في شؤون البلدان الأخرى وتأزيم الحياة الدولية وقيادتها إلى كارثة نووية دولية، وفي المرحلة الجديدة حيث انتصرت سياسة "توازن المصالح" أخذ الصراع التنافسي الدولي يأخذ طابع الاتفاقات المساوماتية حول مناطق النفوذ في بلدان الأطراف وإقرار سياسة الأمر الواقع وتهدئة بؤر التوتر الإقليمي والاعتراف أن الحياة بحاجة إلى نظرة جديدة تتسم بالتعقل.
وقد ورثت اليمن وضعاً انفصالياً خطيراً دعمته سياسة موازين القوى بين القوى الدولية المتصارعة، وهي اليوم تخضع لمعايير السياسة الجديدة في توازن المصالح.
وبالنسبة لليمن ووضعها المحزن فإن القوى المتصارعة قد اتفقت على عدم تغيير الخارطة الانفصالية فيها بل يجرى الإعداد لتدعيم تأييدها.
فقد اتخذت اليمن موقعاً في ميدان إنتاج النفط وتبشر الدراسات العلمية والعملية أن احتياطي النفط فيها سوف يتعاظم ووضعت اليمن ضمن الأهداف الإستراتيجية لأطراف الصراع الدولي حيث دعمت الحكومة الأمريكية شركة "هنت" التي تنقب عن البترول في البلاد بعد أن أوشكت على الإفلاس وليس هذا فحسب بل أن هذا الدعم قد أتى بصورة مباشرة حينما حضر نائب الرئيس الأمريكي جورج بوش، الرئيس الحالي للولايات المتحدة، افتتاح أول عملية ضخ للنفط من حقل "صافر" ودون شك أن الشركة الذي أنقذتها أموال المخابرات المركزية الأمريكية تحظى اليوم بحماية قوات الأمن الأمريكية في اليمن أو قوات الانتشار السريع في المنطقة المجاورة.
وبنفس الاتجاه أكد الاتحاد السوفيتي أن اليمن أصبحت ضمن أهدافه الإستراتيجية حينما أعلن هو الآخر عن اكتشاف النفط في منطقة شبوة، ودون شك أن الشركة السوفيتية هي الأخرى بحاجة إلى الحماية الأمنية والعسكرية الأمر الذي سيجعل من الوجود العسكري والأمني الإضافي للاتحاد السوفيتي وحلفائه حقيقة ثابتة.
وتتضمن سياسة توازن المصالح لأطراف الصراع الدولي أن تبقى الأوضاع القائمة في اليمن كما هي الآن وهو ما يعني تغييب حق الشعب اليمني ووضع هذا الحق في مائدة المفاوضات والمساومات الدولية بين أمريكا والاتحاد السوفيتي.
وتتخلق في هذه الظروف جملة من الامتيازات لحفنة من اليمنيين الذين يقولون عن السيطرة على السلطتين وهم دون ريب قد تحولوا إلى أداة بيد أطراف الصراع وليس من المتوقع أن يقدموا في سبيل إعادة الوحدة اليمنية أي خطوات جوهرية.
فالانفصال يروق لهم ويضخم من مكانهم الاقتصادي والاجتماعي ويحركهم نحو الغنى الفاحش والبذخ الزائد السفيه.
والحقبة النفطية اليمنية سوف تلعب دوراً أساسياً في تغيير بنية المجتمع اليمني وسوف تجد السلطات مبررات كثيرة للحفاظ على الوضع الانفصالي، بل ومحاولة تأييده دعماً لأهداف الكارتيل السياسي الدولي.
ففي فبراير 1988م كادت الأوضاع أن تنفجر بين السلطتين بسبب الاختلاف حول امتيازات شركة "هنت" و"الشركة السوفيتية" في منطقة شبوة ومأرب، غير أن مصالح الشركتين والدولتين أمريكا والأتحاد السوفيتي، كانت تقضي بلجم هذه الأوضاع بسرعة حيث تحركت قوى هذه الشركات بوضع الحلول الوسطية بشأن قطعة أرض رملية – كود البعير – لتضمن استمرارية نشاطها بعيداً عن المنازعات العسكرية، وأثبتت المفاوضات والمساومات بين الأطراف الدولية أنها قد تمكنت فعلاً من السيطرة على قرار الحرب أو السلم في اليمن.
نخلص إلى القول أن اليمن قد وقعت فريسة للتبعية الشاملة أو بمعنى آخر فريسة للاستعمار الجديد، وأن فرصة إعادة تحقيق الوحدة اليمنية، في الوقت الراهن، قد دفنت تحت عباءة هذه التبعية أو هذا الاستعمار الخبيث.
بدت هذه الصورة قاتمة وهي تشير إلى فقدان اليمن استقلاله السياسي والاقتصادي بسبب تقاسم أعضاء الكارتيل السياسي الدولي لهذه المنطقة، غير أن هناك ممكنات واقعية لانتزاع استقلال اليمن من جديد وإعادة تحقيق الوحدة اليمنية، هذه الممكنات تتركز بما يلي:-
أولاً: ضرورة أن يستوعب التيار الوطني الشعبي وأبناء الشعب اليمني ممن يقلقهم الوضع القائم في اليمن الأبعاد المختلفة لأهداف الكارتيل السياسي الدولي في اليمن.. الأبعاد السياسية والاقتصادية والعسكرية والثقافية والعلنية والمستترة، وأن يستوعب الصورة الجديدة لموازين القوى العالمية وخلفيات وعوامل سياسة توازن المصالح وكل المتغيرات الإقليمية والدولية، وأن يقوم بدراسات جادة موضوعية لأبعاد الصراع الدولي على اليمن وخاصةً قضية التبعية الشاملة.
ثانياً: ضرورة الارتقاء بالتنظيم الوطني الشعبي إلى مصاف المعرفة العميقة بضرورة الفعل والتأثير في الأحداث الجارية في اليمن، وتمكين هذا التنظيم من تصنيف القوى الاجتماعية والسياسية الرئيسية والثانوية، وأن يمتلك القدرة على تنظيم صفوف الشعب والزج به في أتون الدفاع عن استقلاله وتحميله مسؤولية تاريخية في تحقيق الوحدة اليمنية والتصدي لقوى الانفصال اليمنية وغير اليمنية.
ثالثاً: التصدي للأوضاع المتردية في اليمن من حيث استمرار اللهث وراء القروض المجملة والمستخدمة استخداماً سيئاً والذيلية للدول الأجنبية وتقديم كشف حساب لعمق التبعية الشاملة في اليمن ليتبصر الشعب اليمن إلى مركزه الضعيف بين الأمم والشعوب الأخرى والتصدي للإرهاب وأشكال حصار العمل الديمقراطي ومن ضمن هذا الحصار محاولة تغييب الشعب والإنابة عنه في أهم قضاياه الوطنية الرئيسية.
ويترتب على تطبيق هذه الممكنات الرئيسية في الفترة اللاحقة تحديد السقف الممكن للعلاقات مع الدول العربية والأجنبية مما يجعلهم يقفون إجلالاً للشخصية اليمنية المستقلة واستقلال وسيادة الوطن اليمني، وتحقيق المزيد من المكاسب الديمقراطية والعدالة لصالح الحقوق الأساسية والمكتسبة للإنسان اليمني، والتقدم خطوات جبارة لإلغاء مشاريع الانفصال الدائم الذي تلوح في أفق برامج السلطات السياسية أو التنظيمات والتجمعات الانفصالية وخاصةً تلك التي نصبت من نفسها معارضة للسلطة في الشمال من بطن السلطة في الجنوب أو من بطن السلطة في الشمال والدول المجاورة لمعارضة السلطة في الجنوب.
هذه التجمعات والتنظيمات هي احتياطي نشط للمراكز الدولية الثلاثة وإلغاء ما في طريق إعادة تحقيق الوحدة اليمنية.

-----
المراجع والمصادر التي رجع إليها الكاتب: (تكوين اليمن الحديث/ د. سيد مصطفى سالم – التخلف الاقتصادي والاجتماعي في اليمن/ د. محمد سعيد العطار – مجلة الموقف العربي).

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق