الثلاثاء، 1 مارس 2016

مديرية عتمة (1)



بسم الله الرحمن الرحيم

الثروات والكنوز الحضارية  والمدن التاريخية في محافظة ذمار
مديرية عتمة (الحلقة الأولى)
الفيروز آبادي يُبعث من جديد في شخصية القاضي المرحوم
محمد محمد عبدالجبار السماوي

                                إعداد/ محمد محمد عبدالله العرشي
المقدمة:
أخي القارئ الكريم... يسرني في هذا المقال أنه أقدم لك تعريفاً بعالم يمني بارز من أعلام اليمن خصوصاً والعالم العربي والإسلامي عموماً؛ هو القاضي العلامة المرحوم محمد بن محمد بن عبدالجبار السماوي، مؤلف كتاب (الموسوعة العربية في الألفاظ الضدية والشذرات اللغوية) بإجزاءه التسعة الذي أحتوتها ثلاثة مجلدات، وهو من إصدارات وزارة الثقافة والسياحة، وقد أثنى الدكتور عبدالعزيز المقالح – أطال الله عمره – على هذا الكتاب، وقدم التهنئة للشعب اليمني (الذي يتعرض للعدوان) بصدوره..
في القرن العشرين ظهر نابغة على مستوى العالم العربي والإسلامي، ولا شك أن القاضي المرحوم محمد بن محمد عبدالجبار السماوي هو فيروز آبادي اليمن المعاصر الذي تفوق على نفسه وتفوق على جميع علماء اللغة العربي في عالمنا المعاصر.
وإني أقدم النصيحة لشبابنا أن يسارعوا إلى اقتناء كتاب (الموسوعة العربية في الألفاظ الضدية والشذرات اللغوية) فسيجد موسوعة عربية رائعة..
مديرية عتمة
عتمة: العُتُم بضم العين والتاء، تعني اسم نبات "شجر الزيتون البري"، وعُتمة تعني ظلمة الليل؛ لذلك فاسم عتمة ارتبط بالظلمة وبالزيتون البري، وهما صفتان من صفات منطقة عتمة، فالسحب البركانية وأشجار الزيتون البري أكسب هذه المنطقة صفة الظلمة.
تقع في محافظة ذمار جنوب غرب مدينة ذمار بنحو 52كم، يحدها من الشمال مديريتا المنار وجبل الشرق، ومحافظة ريمة (مديرية السلفية)، ومن الجنوب محافظة إب (مديرية القفر)، ومديرية وصاب العالي، ومن الشرق مديريتا: مغرب عنس والقفر، ومن الغرب محافظة ريمة (مديريتا مزهر والسلفية). تبلغ مساحتها 449كم2، وتتكون من العزل التالية: بروة: (جبل في عتمة غربي مدينة ذمار، يُطِلّ على واديد رماع وبني شيبه، ويشكل في أعماله مركزاً إدارياً)، بني أسد: (قبيلة ومركز إداري في جبل عتمه، غربي ذمار. أفاد الحجري أنهم يرجعون في نسبهم إلى قبائل سفيان. وقد كانت منطقتهم تُعرف باسم "قلعة الحَقَّيبه" وهي قلعة أثرية حصينة، وقمتها مسطحة تتوافر فيها المياه)، بني البحري: (مركز إداري من مديرية عتمة في غربي مدينة ذمار ومن أعمالها. فيه من القرى: التالبي، حصن عاطف، عَريجه، الهجره، الدار، الميهال. ومشائخ بني بحر هم آل السمحي.)، بني بعيث، بني حسين، بني رفيع: (مركز إداري من مديرية عتمة وأعمال ذمار، يشمل من القرى: الزهرة، عدانة، عساق، المعازب، الحُوَف، العباصي، وفيه مزارع وأملاك لبني معوضة.)، بني الزكري، بني سويد، بني عبدالصمد، بني العراس، بني عيوة، بني الغريب، بني غُصين: (بضم ففتح فسكون. مركز إداري من مديرية عتمة. يقع بالقرب من بلدة سماه وبه خامات الفضة.)، بني مرتد، التام، تهيجر: (مركز إداري من مديرية عتمة في غربي ذمار. فيها خرائب أثرية وقرى ومزارع وحصون.)، الثلث: (مركز إداري من مديرية عتمة. وهو في منطقة جبلية ومن بين قراه: الجُبجُب، العَترَه، الصَرحَه.)، جرفة، حلمة وبني أيوب: (حلمه: بفتحات بلدة ومركز إداري من أعمال عتمه. تشتهر بزراعة البن والموز والمنجه. وبنو أيوب: بلدة ومركز إداري من مديرية عتمة. تقع بجوار قرية حلمه في منطقة تشتهر بزراعة البن والموز والمنجه.)، حميرا بزار، الحوادث، حويز، الذراع، الربيعة، ربيعة بني بحر: (مركز إداري من مديرية عتمة. وهو يشمل منطقة واسعة تزرع أنواع الحبوب.)، رصب: (بلدة وقلعة في جبل سماه من مديرية عتمة. وهي مساكن آل الغابري.)، السفل السلف، الشرفي، الشرم السافل، الشرم العالي: (جبل ومركز إداري في عتمة. فيه المشائخ آل معوضة.)، الشعوب، الشقر وظلمان: (ظَلُمان: قريتان في عتمة غربي ذمار، ظلمان العالي والسافل.)، ضورة: (جبل ومركز إداري في  عتمة بالغرب من ذمار. من بلدانه: حَصَب، الشرف، الأشعور، المعاين، السهلة، الحفر. وهو من ذوات الآثار وفيه كرف للماء.)، العقد السافل، العقد العالي، على الشرقي، على الغربي، عمر، الغربي والطفني، الغربي والفجرة، القبل: (بفتحات: مركز إداري من مديرية عتمه. يقع أعلى جبل يُطِل على الوادي المزروع بأشجار البن. ومن ساكنيه آل الصمعدي. كما يعد من الأماكن الأثرية وفيه حصن قديم.)، القحصه: (بفتح فسكون ففتح. مركز إداري من مديرية عتمة. يقع بالقرب من منطقة حمير الوسط. وإليه ينسب آل القحصة المنحدرون من أولاد الحسن ابن الإمام حمزة بن أبي هاشم الحسن بن عبدالرحمن بن يحيى بن عبدالله بن الحسين بن القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب.)، القشب، القعد، كبيرة، اللكمة، المصانع: (جبل ومركز إداري من مديرية عتمة، يضم مجموعة قرى صغيرة منها: يَنَع، أجُله، الصَّافيه، الخَزَجَه، المَحَلّ، المَوكف، الخَطَّابيه، وغيرها.)، المطبابة: (بكسر الميم. جبل ووادٍ في عتمة من أعمال ذمار. بهما العديد من القرى، منها: وَقَاش، العرَّة، حُصن الذاهبي، جبل حبران، سوق الأحد، المرابض، سيلة همدان، المعين، سَبد، دار سِحيم، المصنعه، الحبله، بيت الولي، الدّار، وغير ذلك. وإلى هذه المنطقة يُنسب مشائخ عتمة: آل المِطبَابَه.)، المقنزعة: (مركز إداري من مديرية عتمة. من بين قراه: الأباره، الأجواس، نقيل بن عُباد، مسجف، الأشعاب، جبل الحرازي، القوز، شظوف، سلفه، النياح، المسانيف، كُمَّة فلاح، بيت الحَجَنه، بيت الخمري، المشراح، العارضه، جبل هاشم، جبل مُري، الحربه، وغير ذلك.)، المقرانة: (جبل في عتمه، فيه حروث ومزارع وعدد من القرى التي تشكل في أعمالها مركزاً إدارياً من مديرية عتمة. ومن هذه القرى: الشرف، المحاقرة، المدهونة، يَند، الصُوله، الذَبُوب، قراهد، المعزبه، عرنون، المقواري، وغيرها من المناطق التي لا تخلو من آثار قديمة، وكان الهمداني قد أورد هذا الجبل باسم: وَرَف.)، الناصفة، النوبتين: (بالتثنية. مركز إداري من مديرية عتمة. يشمل جملة قرى منها: عرون، والحُصن، والقصبه، وبيت الفلاحي، وغيرها.)، الهادلة: (مركز إداري من مديرية عتمة. منه قرية اليفاعي وقرية الزيله.)، هجاره: (مركز إداري من مديرية عتمة. فيه قرية تحمل ذات الاسم. وهو بالجنوب الشرقي من مدينة يريم بمسافة 34كم.)، يفاعة: (مركز إداري من مديرية عتمة، في غربي ذمار ومن أعمالها. يشمل من القرى: يفاعه، نوشان، القاهره، الظفير، الكوله، المقداح، الحصن.).
ويبلغ عدد سكان مديرية عتمة 145.284نسمة وذلك بحسب نتائج التعداد العام للسكان والمساكن والمنشأت للعام 2004م..
وتقع مديرية عتمة ضمن الامتداد الطبيعي لسلسلة جبال السراة، وبالتحديد تقع بين خطي طول ( 43,50ْ – 44.50ْ)، وعرض ( 14.21ْ – 14,35ْ)، وتبعد عن مركز المحافظة غرباً حوالي (55كم) تقريباً، وبمسافة جوية حوالي (39كم)، كما تبعد عن العاصمة صنعاء جنوباً حوالي (102كم) مسافة جوية.
وتتكون عتمة من تضاريس مختلفة فنجد الجبال، والأودية، والهضاب وغيرها، فالقسم الغربي من المديرية عبارة عن ارتفاع حاد باتجاه سلسلة المنحدرات الغربية التي تقع ما بين (2600 – 2800م) عن مستوى سطح البحر المطلة على سهل تهامة والبحر الأحمر. وقيعان أودية عتمة ترتفع عن سطح البحر حوالي (920م).
وتعتبر مديرية عتمة من المناطق ذات نسبة عالية لهطول الأمطار، حيث يتراوح الهطول المطري منها ما بين (750-800م) في العام، وتسقط أغلب الأمطار في فترات الربيع والصيف والخريف، وأكثر مياه عتمـة تسيل في رماع، ويمر وادي رمـاع من شمالي عتمة، وينفذ إلى ما بين وصاب وريمة ثم إلى تهامة، ومنها ما يسيل جنوباً إلى قفر حاشد، ويتصل بوادي زبيد. وتتميز مديرية عتمة بمناخ معتدل صيفاً بارد شتاءً، وتتكون السحب الدخانية الكثيفة (الضباب) أثناء فصل الشتاء، وقد تصاحبها زخـات من المطر الخفيف..
وعتمة مديرية كبيرة من مديريات محافظة ذمار. وهي عبارة عن جبال شاهقة تغطيها المدرجات الزراعية والمراعي والغابات، وتتخللها الكثير من الوديان و الهضاب الزراعية ومسيلات المياه التي تصب في وادي رماع ووادي زبيد.
وقد كتب الشاعر الكبير المرحوم سليمان العيسى عن عتمة قائلاً:
يطيب الشعر في عتمه
وأنت تصافح القمة

وتشرد نسمة عذراء
تملأ صدرك النسمه

منازلها وكور النسر
تهوى فوقها النجمه

وتلثمها لتتركها
على أوتارنا نغمة

نعود إليك ذات ضحى
وينسى همنا همه

المعالم التاريخية والأثرية في مديرية عتمة
تعتبر مديرية عتمة أحد المسارح التاريخية التي دارت فيها أحداث منذ فترة ما قبل الإسلام، فقد أشار "الهمداني" في كتابه "صفة جزيرة العرب" إلى: "أن عتمة مخلاف واسع خصب التربة عظيم المنتجات، وقد ألحقه بيحصب العلو"، وذكر أيضاً فيه ورف، وقال إنه جبل فيه حروث ومزارع وقرى مندثرة، ويسمى اليوم المقرانة، وهي من ضمن مخلاف عتمة، وفي ورف آثار حميرية، وفي العصر الإسلامي أشار "عبد الرحمن بن الديبع" في كتابه "قرة العيون بأخبار اليمن الميمون" إلى : "ملوك عتمة بنو العتمي الحميريون والشراحيون ملوك وصاب والذين أزال ملكهم الصليحيون في سنة (455هجرية)، وفـي عصر الدولـة الرسولية تسلم المنصور سـنة (641 هجرية) حصن سماه، وقال: "التاج بن العطار" في ذلك:
مـا سماء الدنيا على بن علي

ببعيـد فكيف حصن سماوه

ملك يومـه لفتــح مبـين

في الأعادي وليلة في تلاوه

وسماوه هنا يعني بها سماه ، وهو الحصن المشهور وهو نفس مخلاف سماه المعروف والمشهور في مديرية عتمة، وإليه ينسب بني السماوي من بيوت العلم باليمن.
تنتشر في مديرية عتمة العديد من المعالم التاريخية والأثرية، ومن أهم هذه المعالم التالي:
1- الحصون التاريخية : وقد تميزت منطقة عتمة بقمم جبالها الشامخة والعالية بل والشاهقة في الارتفاع، وفي هذه القمم يوجد العديد من الحصون التاريخية المشيدة عليها والتي تمثل حماية طبيعية للمنطقة، ويعود تشييد تلك القلاع والحصون إلى فترات تاريخية مختلفة، فبني عدد منها على أنقاض حصون حميريـة قديمـة مثل: حصن يفاعة الذي أنشئ على أنقاض حصن "حميري" قديم استعملت حجارة الحصن القديم المنحوتة في بناء الحصن الجديد، وعدد آخر منها يعود إلى فترة الحملات العثمانية المتعاقبة أو تعود إلى عصر الدويلات الإسلامية في اليمن في صراعها فيما بينها.. كما تتميز هذه الحصون والقلاع بمواقعها المطلة على عدد من القرى الجميلة وعلى سهول تهامة الواسعة. ومن أشهر تلك القلاع والحصون:
- قلعة بني أسد وكانت تعرف بحصن الحقيبة في عزلة بني أسد.
- حصن الشرم لبني معوضة.
- قلعة سماه في عزلة علي الشرقي.
- حصن بومة عزلة بني البحر.
- حصن النبوتين عزلة النبوتين.
- حصن يفاعة في عزلة بني البحر.
- حصن حيدر عزلة بني سويد.
- قلعة الذاهبي عزلة المطبابة.
- حصن الحصين في عزلة الأتام.
- حصن المنظوف عزلة السفل.
- حصن المقنزعة عزلة المقنزعة.
- حصن الصنعة عزلة المطبابة.
- حصن الذهب الناطق عزلة حمير أبزار.
- حصن الحلبة عزلة بني الغريب.
2- المساجد التاريخية: تنتشر العديد من المساجد التاريخية في عزل المديرية ومنها على سبيل المثال "جامع الحقيبة في عزلة بني أسد من مخلاف رازح"، و"جامع الجوقة في عزلة الجوقة من مخلاف بني بحر". وتعتبر غالبية المساجد في مديرية عتمة من المساجد القديمة والتي يعود بناؤها إلى فترات تاريخية قديمة.
3- الأضرحـة: عرفت اليمن الأضرحة الخشبية منذ مطلع (القرن السابع الهجري) ويعتبر ضريح "المطهر محمد الجرموزي" من أهمها إذ أنه يحتوي على تاريخ أقرب إلى الواقع مقارنة بغيره، شُيد الضريح بتاريخ 20 ذي الحجة 1076هـ. وتنتشر العديد من الأضرحة والقباب للأولياء والصالحين، وعلى سبيل المثال  "الحميضة، الشرم السافل، وهجرة المحروم" وغيرها، وهي عبارة عن توابيت خشبية مزدانة بزخارف قوامها أشرطة نباتية وكتابية وأشكال هندسية جميعها منفذة على الخشب بطريقة الحفر الغائر، ولازال عدد من الأضرحة قائماً وبحالة جيدة. ويعتبر ضريح ومسجد الجرموزي من أهم الأضرحة في المديرية في هجرة المحروم من مخلاف سماه، وقد زين الضريح بزخارف كتابية من جوانبه الأربعة تشير إلى تاريخ مولد صاحب الضريح وهو في شهر محرم سنة تسع وألف هجرية، كما دون تاريخ وفاته في عشرين من شهر الحجة سنة ستة وسبعين وألف هجرية، والضريح عبارة عن تابوت خشبي مزدان بزخارف قوامها أشرطة نباتية وكتابية وأشكال هندسية جميعها منفذة على الخشب بطريقة الحفر الغائر، ويغطي الضريح قبة أقام بناءها عبدالرحمن بن مطهر سنة 1090هجرية وهو ابن صاحب الضريح ثم تحول الضريح إلى مسجد أما المسجد القديم الذي يوجد الآن خارج الضريح كان في الأصل مسجد القرية بناه الشيخ مطهر حسبما هو مدون في الألواح الخشبية لسقف المسجد، إبتداء إعماره في العشرة الأولى من شهر شعبان سنة خمسة وستين والف هجرية وهو الأن مسجد للنساء.
من المراجع التي رجعنا إليها في إعدادنا لهذا المقال: (الموسوعة اليمنية)، (الموسوعة السكانية/ للدكتور محمد علي عثمان المخلافي)، (نتائج المسح السياحي)، (نتائج التعداد العام للسكان والمساكن والمنشأت للعام 2004م)، (معالم الآثار اليمنية/ للقاضي المرحوم حسين السياغي)، (مجموع بلدان اليمن وقبائلها/ للمرحوم القاضي محمد أحمد الحجري)، (معجم البلدان والقبائل اليمنية/للباحث الكبير الأستاذ/ إبراهيم بن أحمد المقحفي/ طبعة2011م)، (صفة جزيرة العرب/ للهمداني/ تحقيق القاضي المرحوم محمد علي الأكوع)،(هجر العلم ومعاقله في اليمن/ القاضي إسماعيل بن علي الأكوع)، (اليمن الكبرى/ حسين بن علي الويسي/ الطبعة الثانية 1991م)، (موسوعة للقلاع والحصون في اليمن "تحت الطبع"/ للأستاذ الباحث أحمد الغراسي).
alarachi2012@yahoo.com

جامع الصحابي الجليل فروة بن مسيك

بسم الله الرحمن الرحيم

الثروات والكنوز الحضارية  والمدن التاريخية في اليمن
جامع فروة بن مسيك.. مقارنة بين القرنين الرابع والرابع عشر الهجريين 

                             
إعداد/ محمد محمد عبدالله العرشي
المقدمة:
أخي القارئ الكريم.. ها آنذا أقدم لك موضوعاًً آخر يختلف كلياًً عن المواضيع الأخرى التي اعتدت أن أقدمها لك على صحيفة الثورة الغراء، وهو موضوع عن جامع فروة بن مسيك المرادي، الصحابي الجليل، وهو من الصحابة الذين كان لهم شرف الصحبة مع رسولنا الأعظم، وكان لهم شرف نشر الإسلام وتوطيد دعائمه، ولاسيما في بلادنا في شمال اليمن وجنوبه وشرقه وغربه، وكان له فضل الجهاد، وهو لا يقل فضلاً عن الخلفاء الراشدين وبقية الصحابة رضوان الله عليهم.
وقد يقول القائل ما هي الرسائل التي يريد الأستاذ محمد أن يوصلها إلى القراء؟ وأقولها بكل صراحة وبصوتٍ عالٍ: أريد أن يسمعني أولو الأمر في عاصمتنا الحبيبة وعلى رأسهم معالي الوزير الأستاذ/ عبدالقادر هلال، هل يرضيكم أن يكون وضع المنطقة التي فيها مسجد الصحابي الجليل بهذه الصورة؟، هل يرضيكم يا أهل الإيمان والحكمة أن تكون المنطقة التي فيها مسجد الصحابي الجليل فروة بن مسيك المرادي المذحجي، الذي لا يقل فضله على اليمنيين عن الصحابي الجليل معاذ بن جبل، وجرير بن عبدالله البجلي، وعمرو بن معدي كرب الزبيدي وغيرهم من الصحابة الأجلاء الذين ذكر بعضهم الأديب الكبير المرحوم خالد محمد خالد أن تكون بها الشكل؟، وقد ركزت في مقالي هذا على وضع المنطقة

في العصر والزمان الذي عاش فيه المؤرخ الكبير المرحوم أحمد بن عبدالله الرازي المتوفى سنة 46هـ/1068م، وقد نقلت ما ذكره الرازي بالحرف الواحد من صفحة (90) إلى صفحة (93)، ليتسنى للقارئ الكريم معرفة الفرق الكبير بين نظافة موقع الجبانة والتي يطلق عليها الآن (المشهد) والتي يقع بالقرب منها جامع مسيك وبين الوضع الحالي في الثلث الأول من القرن الحادي والعشرين عصر الأدوات العلمية وعصر الرأسمالية.
وسيقول القارئ الكريم: ما هي الأسباب؟ والسبب واضحٌ جداًً لا يحتاج إلى بحث؛ لأننا انشغلنا بالسياسة وأهملنا معالمنا الروحية والتاريخية..

جامع فروة بن مسيك المرادي من كتاب (تاريخ صنعاء) للرازي

وقد روى المؤرخ أحمد بن عبدالله الرازي في كتابه (تاريخ صنعاء) من الصفحة 90 إلى الصفحة99، حول نظافة منطقة الجبانة، حيث قال الرازي: وكانت جبانة صنعاء ببابٍ واحدٍ وكانت الدور شارعة عن يمين وشمال، باسقة في الهواء عليها مساكن وغرف عالية من أنهاء العمارة وأحسنها صنعة وكانت أجل منازل صنعاء وكانت مساكن ولاة من يرد من العراق وحاشيتهم ممن يفد مع أولئك الولاة مع من  كان يسكنها من التجار والأغنياء وأهل الثروة واليسار، فكان إذا جاء يوم الأضحى أو الفطر أمروا عبيدهم وإماءهم فكنس كل واحدٍ منهم ساحة باب داره ورشوها بالماء فيصير الموضع كله نظيفاً مرشوشاً بالماء، ويبسطون حصر السامان ويجعلون على كل باب وفنائه تلك الحصر المفروشة والزلالي (المفارش) الرومي والطرسوسي والأرمني من الأحمر وغيره، ويطرحون الريحان والأزهار الطيبة والأنوار العبقة ويرشونها بماء الورد الكثير والكافور ويجعلون المقاطر الصفر الكبيرة بين الأفنية ويطرحون عليها من العود الرطب والند المتغالى في ثمنه وصنعته فيبخرون الموضع كله مع المصلى من صلاة الفجر إلى انصراف الإمام والناس من صلاة العيد، ويجعلون على كل باب من تلك الأبواب كيزان الماء الجدد قد برد لشرب الناس وكان ظل المصلي والجبانة ظلاً ممدوداً من تلك الشارعة عن يمين وشمال من علو سمكها وارتفاع بنيانها فكانوا يصلون صلاة العتمة في الجماعة في الجبانة آخر من يصلي في البلد كله وكانوا يأمرون بتأخير صلاة العتمة لأن يتمكن الناس في داخل البلد ويقضي من كان له حاجة من خوف سرعة خروج العاس لئلا يقع في أيديهم أحد مفاجأة، وكانوا قد اتخذوا من الصفر على تمثال صورة ثور مجوف على كل باب من تلك الأبواب حلقة صفر على هذا التمثال إذا ضرب بحلقة منها كان له صوت ودوي شديد فكانوا إذا قضوا صلاتهم أعني صلاة العتمة ضرب كل رجل منهم باب داره ضربة واحدة فسمع أقصى أهل البلد وأدناهم ودخلوا منازلهم، فيسير أهل البلد إلى منازلهم خوفاً من خشية العاس فكانت تلك علامة لأهل البلد كافة، قال: وكانت تسمى جبانة صنعاء جبانة بني جريش بن غزوان من الأبناء وكانوا أغنياء. وروي أن بعض الولاة بصنعاء كان له جارية حظية عنده وكانت من القيان فوجه بها إليه فأشخصت إلى الوالي بزبيد فأكرمت ورفعت منزلتها، فلما كان يوم عيد إما أضحى أو فطر ذكرت ما كانت فيه بصنعاء وذكرت يوم العيد بصنعاء وطيب جبانتها وما كان بها من الحسن والزينة وقالت في ذلك أبياتاً منها:
سقى جبانة لبني جريش

وخندقها أجش من الغمام

لعمرك للسقاية والمصلي

وغزلان به يوم التمام

أحب إلي من شطي زبيد

ومن رمع ومن وادي سهام

إلى هنا انتهى كلام المؤرخ الرازي...
البحث عن موقع مسجد مسيك (فروة بن مسيك) وزيارتي له
وقد قمت يوم الخميس 11 ربيع الثاني 1437هـ الموافق 21 يناير 2016م بزيارة إلى مسجد الصحابي الجليل فروة بن مسيك المرادي، وقد ورد في كتاب (يمانيون في موكب الرسول) ترجمة لفروة بن مسيك المرادي، حيث ذكر أن فروة بن مسيك المرادي هو الصحابي الجليل زعيم مراد ومذحج، وهو فروة بن مسيك بن الحرث بن سلمة بن الحرث بن كُريب بن زيد بن مالك بن مياء بن عُطيف الغطيفي بن عبدالله بن ناجية بن مراد المرادي، ومراد هو مُراد يحابر بن مذحج بن أدد بن زيد بن عمرو عريب بن كهلان بن سبأ. ولقد تزامنت وفادة فروة بن مسيك على رسول الله صلى الله عليه وسلم مع نزول قوله تعالى من سورة سبإ: {لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ} (سبأ:15) ...إلى آخر الآيات من سورة سبأ، فسأل فروة بن مسيك النبي (صلى الله عليه وسلم) عن سبأ من هو؟..
وفروة بن مسيك هو صاحب رسول الله صلى الله وعليه وسلم، وهو الذي عمر الجبانة (مصلى العيد)، وقد ذكر القاضي المرحوم محمد الحجري أن الرازي صاحب كتاب (تاريخ صنعاء) الذي حققه الدكتور حسين بن عبدالله العمري ذكر عن مسجد (فروة بن مسيك) أن ابن الروية  زاد فيه وأصلح. ومن العلماء الذين سكنوا صنعاء العلامة محمد بن إبراهيم الوزير صاحب (العواصم والقواصم..) و(العلم الشامخ في إيثار الحق على الآباء والمشائخ) المولود في مديرية السودة في هجرة الظهراوين في منطقة شظب عام 775هـ، والمتوفى في 27 محرم سنة 840هـ في صنعاء عن عمر بلغ خمسة وستين عاماً، وقُبر بجوار مسجد فروة بن مسيك في الناحية الشمالية من صنعاء، وقد ذكر القاضي المرحوم محمد بن أحمد الحجري في كتابه (مساجد صنعاء عامرها وموفيها) أن قبر السيد العلامة محمد بن إبراهيم الوزير يوجد في الجهة الشمالية  وهو صاحب كتاب (العواصم والقواصم في الذب عن سُنة أبي القاسم)، وأثناء زيارتي لمسجد مسيك في تاريخ 21/1/2016م  الموافق 11 ربيع الثاني1437هـ، ومن خلال سؤالنا عن مكان المسجد لم نجد أي شخص يدلنا على مسجد فروة بن مسيك,وغالب بل ومعظم من سألناهم يجهلون أن في منطقتهم مسجد قام ببنائه صحابي جليل اسمه فروة بن مسيك المرادي، وبعد البحث والتقصي اتضح لنا أن الاسم المعروف لديهم هو مسجد مسيك، ومن المعروف أن مسيك هو والد فروة،  وبعد أن وصلنا إلى مسجد مسيك وجدته مُقاماً، وقد زُبر في مقدمة صرح المسجد أنه تم إصلاحه وترميمه على نفقة الملك فيصل آل سعود، ثم دلفنا إلى المسجد وسألنا: أين يوجد قبر فروة بن مسيك؟؛ فكانت الإجابة عن سؤالنا مختلفة من شخصٍ إلى آخر، وبعد البحث والتقصي رجعنا إلى كتاب (الإصابة في تمييز الصحابة) للإمام الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني المتوفى سنة 852هـ، وقد ذكر (ابن حجر) في صفحة (293) من (كتاب الإصابة) أن فروة بن مسيك سكن في أخر حياته الكوفة.. وسألنا مجموعة من المصلين المتواجدين في المسجد عن قبر محمد بن إبراهيم الوزير فقالوا: إنه خارج سور المسجد وقمت بزيارة القبور المقبور فيها العلامة محمد بن إبراهيم الوزير والسيد العلامة أحمد الكبسي، رئيس علماء عصره، المولود في صنعاء في شهر ربيع الأول سنة 1239هـ والمتوفى في ذي القعدة سنة 1316هـ، والذي ترجم له المرحوم القاضي إسماعيل بن علي الأكوع في كتابه (هجرالعلم ومعاقله في اليمن) في الجزء الرابع منه ص 1792، في موضوع (هجرة الكبس) بقوله: أنه رئيس العلماء في عصره، وهو عالم محقق في علم الحديث معنًى وسنداً، وفقهًا ومنطقًا وأن أهل صنعاء وأعيانها نصبوه للقضاء ولقبوه بشيخ الإسلام، ومن آثاره: كتاب (شمس المقتدي بشرح هداية المبتدي في المنطق).
وأثناء زيارتي للجامع المذكور قمت بتصوير المكان الموجود فيه القبر المذكور، وكان الباب الذي يدخل إلى القبر من خلاله مرتفعاً عن مستوى الأرض التي فيها القبور، وهو ما جعلني أجد صعوبة في النزول إلى هناك للوصول إلى جانب القبور لزيارتها والتبرك بزيارة قبر العلامة محمد بن إبراهيم الوزير، وقد نصحني زميلاي أنه يوجد صعوبة في النزول والصعود لا سيما أن القاعة التي فيها القبور أصبحت منخفضة جداً قد تتجاوز مسافة المتر، إلا أنني أصررت على النزول وذلك لسببين: الأول زيارة قبر المرحوم محمد بن إبراهيم الوزير والتبرك في قراءة الفاتحة له، والسبب الثاني كسب الأجر والثواب من الله سبحانه وتعالى، وبالفعل نزلت بمساعدة الأخوين المساعدين لي، وقد التقط الولد/ محمد سبل عددًا من الصور لي أنا والولد وليد الذعواني بجوار القبرين، وعند الانتهاء من ذلك بدأت صعوبة الصعود والخروج، فقام الولد/ وليد الذعواني برفعي من مكان القبور التي زرناها..
وقد وجدت القبور تقع في منطقة منسية يصعب على غير الباحث الوصول إليها لأنها تحتاج إلى عناءٍ ومشقة. ثم خرجنا إلى تجمعٍ شعبي كبير يسمى سوق فروة وهو معروف ومشهور في تلك المنطقة التي تعج بالكثافة السكانية، والتي تتوفر فيها المطاعم والصيدليات والدكاكين، والحركة الكبيرة في البيع والشراء، حتى أننا واجهنا ونحن على سيارتنا صعوبة في تجاوز ذلك الازدحام والسيول البشرية والكم الكبير من السيارات أثناء مرورنا من هذا السوق ونحن على السيارة، وقلت في نفسي: ما أحوج اليمن إلى دراسة معمقة للمجتمع الصنعاني وإحيائه والهجرة إليه من كل محافظات اليمن الموحد، لله درك ياصنعاء، إذا كان الحسن بن أحمد الهمداني في كتابه (صفة جزيرة العرب) قبل ألف ومائتي سنة ذكر أن صنعاء هي أم اليمن، وإذا تمعن الباحث سيجد هذه الحقيقة في عصرنا الحاضر وفي القرن الواحد والعشرين الميلادي، وفي الثلث الأول منه تحديداً، و في نفس الوقت ستتضح معالم التركيبة السكانية والعلاقة التي تحكم بينها سواء كانت في طبقات المجتمع الدنيا أو الوسطى أو العليا بأنها روابط متينة، وما أجهل الدول المعتدية على بلادنا خلال عام 2015م بالمجتمع اليمني عموماً والمجتمع الصنعاني خصوصاً وأن اليمنيين لديهم روابط قوية ومتينة، وأهم هذه الروابط إيمانهم بالله وثقتهم به، كما تجمعهم روابط النسب القوية بين كافة محافظات اليمن، فترى صاحب محافظة المهرة متزوجًا من صنعاء والعكس، وكذلك أبناء محافظة عدن متزوجين من صنعاء والعكس، ولا يسعني إلا أن أستشهد بقول المرحوم الأستاذ محمد محمود الزبيري:
ليت الصواريخ تعطيهم تجاربها

فإنها درست أضعاف مادرسوا

إلا أني لاحظت أن هناك إهمالاً كبيرًا  للنظافة، فمعظم الشوارع غير نظيفة وتتراكم القمامة فيها، لكن حركة  السكان وتنقلاتهم كانت قوية في البيع والشراء وتخزين البضائع..
والزيارة كانت تحتاج إلى تحقيق صحفي بارز يتناول كافة الأنشطة الاقتصادية والصحية بجميع جوانبها.
وقد التقطنا عددًا من الصور لمسجد الصحابي فروة بن مسيك المرادي وقبر العلامة محمد بن إبراهيم الوزير وقبر العلامة أحمد الكبسي، وصورًا لمنبر المسجد ومقدمته, وصورًا لأحد الأحجار المنحوت فيها بعض الكتابات ولكن صعب علينا قراءتها وهي موجودة أعلى الباب الموصل إلى قبة مسجد الصحابي فروة بن مسيك، وصورًا لأحد أعمدة المسجد ويوجد فيه حجر منحوتٌ عليه كلمتان لم نستطع قراءتهما، وصورة لشاهد قبر المرحوم العلامة محمد بن إبراهيم الوزير نحت فيها: سورة الفاتحة، هذا ضريح الإمام محمد بن إبراهيم الوزير بن علي بن المرتضى بن المفضل بن.... (ويتواصل سرد نسبه في الشاهد إلى:) بن الإمام علي بن أبي طالب صلوات الله عليهم أجمعين وعلى اللهم المطهرين إلى يوم الدين، وهو صاحب كتاب (العواصم والقواصم..) و(إيثار الحق على الخلق ..) وقد طمست بعض الكلمات في هذه الحجر نتيجة أعمال الترميم والتجديد للقبر من أعلى هذه الحجر المنقوش، والمتبقي من الكلام المنحوت في أعلاها (هو الحي الباقي)، وصورة أمامية لقبر العلامة أحمد بن محمد الكبسي، وصورة للقبر المجاور لقبر العلامة أحمد بن محمد الكبسي، ولم يتسنَّ لي معرفة صاحبه، وصورًا عدة تجمعني بالولد وليد الذعواني أمام قبر العلامة محمد بن إبراهيم الوزير يتوسطنا مشهد القبر (الحجر المنقوش عليه نسب المرحوم الوزير وسورة الفاتحة)، وهناك صورتان لجدار الغرفة الموجود فيها القبر. وبالإشارة إلى حديثنا حول ضرورة الاهتمام بنظافة المكان الذي لو كان قبر فروة بن مسيك في غير اليمن لوجد العناية التامة والشاملة للمكان والمنطقة كاملة..
من المراجع التي رجعنا إليها في إعدادنا لهذا المقال: (تاريخ مدينة صنعاء للرازي/ تحقيق حسين بن عبدالله العمري/ الطبعة الثانية 1981م)، المكتبة التوفيقية – القاهرة)، (الإصابة في تمييز الصحابة/ للإمام الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني/ تحقيق خيري سعيد/ (تاريخ صنعاء لإسحاق بن يحيى ين جرير الطبري الصنعاني/ تحقيق عبدالله محمد الحبشي/ مكتبة السنحاني – صنعاء)، (مساجد صنعاء عامرها وموفيها/ جمعه القاضي العلامة المرحوم محمد بن أحمد الحجري/ الطبعة الثانية1389هـ دار إحياء التراث العربي – بيروت)، (من بواكير حركة التنوير في اليمن، المجموعة الأدبية والصحفية للقاضي أحمد محمد مُداعس/جمع وتحقيق وتقديم الأستاذ محمد محمد عبدالله العرشي/ شارك في الإعداد القاضي العلامة محمد إسماعيل العمراني/الطبعة الثانية من مطبوعات تريم عاصمة الثقافة الإسلامية 2011م، وزارة الثقافة)، (صفة جزيرة العرب/ للهمداني/ تحقيق القاضي المرحوم محمد علي الأكوع)...
alarachi2012@yahoo.com

مديرية مغرب عنس

بسم الله الرحمن الرحيم

الثروات والكنوز الحضارية  والمدن التاريخية في محافظة ذمار
مديرية مغرب عنس
محدث اليمن.. الإمام المرحوم عبدالرزاق الصنعاني

                             
إعداد/ محمد محمد عبدالله العرشي
المقدمة:
أخي القارئ الكريم... يسرني في هذا العدد من صحيفة الثورة الغراء أن أقدم لك نبذة عن إحدى مديريات محافظة ذمار، وهي مديرية مغرب عنس والتي جمعت بين نقيضين؛ فيقال أنها مسقط رأس (الأسود العنسي) وفي نفس الوقت هي هجرة ذرية الإمام المرحوم عبدالرزاق بن هَمَّام الصنعاني الحميري (126هـ-  211هـ): العالم الجليل، والحافظ الكبير، والمحدث الثقة، والمفسر والمؤرخ، الصنعاني نسبةً إلى مدينة صنعاء التي سكنها ونشأ بها واشتهر فيها. وقد ذكر القاضي المرحوم محمد علي الأكوع أن من المغيثيين الحافظ عبدالرزاق بن همام الصنعاني.. والمغيثيون ينسبون إلى مقري بن الحارث بن زيد بن الغوث، وقد نسب الأستاذ محمد لطف عبدالرزاق في كتاب (محدث اليمن الإمام المرحوم عبدالرزاق بن هَمَّام الصنعاني الحميري) إلى القاضي العلامة يحيى بن أحمد الصديق أن "مقري هي قرية تابعة لمغرب عنذس".. وقد ارتحل إلى الإمام عبدالرزاق الكثير من علماء وفقهاء عصره، وقد ورد عن ابن خلكّان عن السمعاني أنه قال: ما رحل الناس إلى أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم مثلما رحلوا إلى عبدالرزاق، وله كتاب (المصنف) وهو موسوعة عظيمة في الحديث، طبع في أحد عشر مجلداً اشتملت على (21033) حديثا مرتبة على أبواب الفقه، وعُني بتحقيقه الشيخ العلامة عبدالرحمن الأعظمي الباكستاني وهو من منشورات المجلس العلمي الباكستاني، وقد روى له الإمام أحمد في مسنده (1646) حديثاً، وروى له البخاري في صحيحه (120) حديثاً، وروى له مسلم في صحيحه (399) حديثاً، وروى له أبو داود في سننه (172) حديثاً، وروى له الترمذي في سننه (131) حديثاً، وروى له النسائي في سننه (99) حديثاً، وروى له ابن ماجه في سننه (76) حديثاً. وله تفسير للقرآن، قام بتحقيقه الدكتور محمود محمد عبده في ثلاثة مجلدات وقد طبع في الهند، والجامع، وكتاب الآمال في آثار الصحابة، وكتاب الصلاة، وله كتاب المغازي. توفي عن 85 عاماً. وقد أورد الأستاذ محمد لطف عبدالرزاق في كتاب (محدث اليمن ...) أبياتاً من شعره؛ هي:
كن موسراً إن شئت أو معسرا

لا بد في الدنيا من الهم

وكلما زادك من نعمة

زاد الذي زادك من غم

والجدير بالذكر أن مديرية مغرب عنس قد انتسب إليها العديد من العلماء والأدباء والشعراء، ومن أشهر العلماء المؤرخ الأديب المرحوم محمد بن حسن بن علي بن أحمد الشجني المتوفى سنة 1286هـ صاحب كتاب (حياة الإمام الشوكاني المسمى كتاب التقصار في جيد زمان علامة الأقاليم والأمصار شيخ الإسلام محمد بن علي الشوكاني)..
مديرية مغرب عنس
تنسب عنس إلى "عنس بن سدد بن زرعة بن سبأ الأصغر"، وعنس منطقة تاريخية أثرية تنتشر فيها العديد من المواقع الأثرية الحميرية والسبئية والإسلامية، ويُذكر أن قرى عنس تنتشر فيها العديد من الأطلال لمباني تاريخية وأثرية والتي تدل على دقة إبداع الحضارة اليمنية في العصور التي بنيت فيها هذه المباني.
تقع مديرية مغرب عنس في الجزء الجنوبي من محافظة ذمار يحدها من الشمال مديريتي المنار ومدينة ذمار، ومن الجنوب محافظة إب (مديرية القفر)، ومن الشرق مديرية عنس، ومحافظة إب (مديرية يريم)، ومن الغرب مديريتي عتمة والقفر. وتضم العزل التالية: أكمة الفتوح، نجاح، بني جبر، بني دهيم، بني طيبة، بني عفيرة، بيت الجبري، بيت الحجي، بيت نصر، الجنبين السافل، الجنبين العالي، حصمان، شجن، الشعيبة، قرظان، الكراية، معبرة، موشك، وتيح، وثن. وتبلغ مساحتها 247كم2، ويبلغ عدد مساكنها 7.917مسكن، وعدد الأسر 7.388أسرة، وعدد السكان 53.261نسمة.
وتشمل مديرية مغرب عنس المراكز الإدارية التالية: بنو طيبه: قبيلة ومركز إداري من مغرب عنس وأعمال ذمار، ورؤساؤهم بنو الورد"، مَوشِك: (لقب طائفة من آل يحيى بن يحيى بن الناصر ابن الحسن بن عبدالله بن محمد بن الإمام القاسم ابن الناصر أحمد بن الهادي يحيى بن الحُسين الرَّسِّي. وقد جاءت تسميتهم بالموشكي نسبةً إلى منطقة موشك في "مغرب عنس" من بلاد ذمار. ومن مشاهيرهم: العلامة والشاعر المرحوم زيد بن علي الموشكي الذي لقى ربه شهيداً عقب إخفاق الثورة الدستورية عام 1948م. ثم نجله العلامة محمد بن زيد الموشكي والذي تولى سكرتارية مجلس مجلس القضاء الأعلى. وكذا العلامة عبدالرحمن بن حسين الموشكي المتوفى سنة 14178هـ.)، حصن نجاح: (مركز إداري من مديرية مغرب عنس وأعمال ذمار. يضم القرى التالية: بيت الشتا، حصن نجاح، الفجور، الذِّراع، حمدين.)، بني عفيره: (بضم ففتح فسكون. مركز إداري من مديرية مغرب عنس وأعمال ذمار. سمي نسبةً إلى عفير بن الناسك بن زرعة بن حمير الأصغر وإليه ينسب آل العفيري أهل ذمار وإب.)، معبره: (بفتح فسكون ففتح. قرية كبيرة من مديرية مغرب عنس، تضم المحلات التالية: بيت إسكندر، الناحية، بني عُبيد، الهِجره، بيت سيلان، بيت الملوي، أكمة حسين، محل الريمي.
شجن: بكسر فسكون. مركز إداري من مديرية مغرب عنس. وممن نسب إليه: المرحوم القاضي حسين بن علي بن محمد الشجني (ت1211هـ) تقلد القضاء في ذمار زمناً وكان له اشتغال بالتدريس وله شعر. المرحوم المؤرخ الأديب محمد بن حسن بن علي بن أحمد الشجني المتوفى سنة 1286هـ صاحب كتاب (حياة الإمام الشوكاني المسمى كتاب التقصار في جيد زمان علامة الأقاليم والأمصار شيخ الإسلام محمد بن علي الشوكاني). المرحوم الشاعر والدبلوماسي أحمد محمد الشجني المتوفى سنة 1410هـ.)،قرظان: (بفتحات. مركز إداري من مديرية مغرب عنس وأعمال ذمار. وينسب إليها "آل القرضاني")،وتيح: (بفتح فكسر فسكون. جبل يُشَكِّل في أعماله مركزاً إدارياً من مديرية مغرب عنس. يبعد عن مدينة ذمار غرباً بمسافة 45كم. وهو من ذوات الآثار وخاصةً في قرية مشرعه وقرية الجَبّ. كما أن به حصنين قديمين هما: الحصن العالي "ويحتوي على أسوار وبوابات وكروف ومقابر أثريه" والحصن السافل "الذي يتميز بمظاهر جمالية رائعة، وقد صار الأهالي يستخدمونه للسكن".)، الكرابه: (مركز إداري من مديرية مغرب عنس وأعمال ذمار. من قراه "كَنْون" وقرية "خَرَاشَه" التي يُنسب إليها آل الخَرَاشي.)،بني دُهَيم: ،وَثَن:(بفتحتين. مركز إداري من مديرية مغرب عنس وأعمال ذمار. تسكنه فخائذ من قبائل مذحج. ومن حصونه: القاهر والمنار.)، بيت نَصر: مركز إداري من مديرية مغرب عنس في غربي مدينة ذمار بمسافة نحو 40كم. من محلاته قرية ضُبه وفي أعلاها حصن، ثم خرابة الذبياني، وقرية الخرشف، وقرية حرف القضاة.)، بين الحجي، أكمة الفتوح،حصمان،الجنبين العالي والسافل..
ويتراوح إرتفاع مديرية مغرب عنس عن مستوى سطح البحر مابين1300إلى2800متر، والمديرية تتكون من المرتفعات مثل: جبل شمر الذي يقع في عزلة الكرابة العليا، وجبل الشوانف الذي يقع في عزلة نجاح، وجبل كمبه، وجبل الحصه، وجبل المناره الواقع في عزلة الجنبين العالي، وجبل أكمة الفتوح، وجبل موشك، وجبل ريمة الذي يقع في عزلة موشك، وجبل قفع في عزلة قرضان، وجبل الهجرة، وجبل ينعة في عزلة شجن.
أودية مغرب عنس
كما تشتهر المديرية بوجود الجبال وبطبيعتها الجبلية، فتشتهر أيضاً  بكثرة الأودية، ومن هذه الأودية: وادي خزة، وادي المحل، وادي الخنضع في عزلة قرضان، وادي هردة في عزلة وثن، وادي الجور في عزلة بني دهيم، وادي جهز في عزلة الجنبين السافل، وادي السبلي عزلة نجاح، وادي خميس، وادي القناوص، وادي بني محمد، وادي الصافية جميعها في عزلة شجن، وسائلة مرو في عزلة موشك، وسائلة الحائط في عزلة بيت الحجي ومن الوديان المائية وادي حمض،وادي الكنونة، وادي الروضة في عزلة قرضان، وادي الرحيبة في عزلة الشعيبة. كما توجد عدد من الغيول في كل كمن عزلة بيت الحجي،وبيت الجبري،حصمان،بني جبر، يعتمد أغلب العزل على مياة تلك الغيول والتي لا تفي باحتياجاتهم من المياه نظراً لأنها تجف في أغلب أشهر السنة وتزداد معاناة السكان بسبب ذلك، حيث أن الأمطار تسقط في فصل الصيف، والحرارة معتدلة في الصيف وباردة في الشتاء.
هجر العلم ومعاقله في مديرية مغرب عنس
- شجن: قرية وعزلة في المغرب العالي من مغرب عنس وأعمال ذمار، وتقع بحوار بني عفير والجنبيين من مغرب عنس، ومخلاف سماه من عتمة. ينسب إليها العلماء بنو الشجني، وكانوا يسكنون قرية الصفا ثم سكنوا قرية الحمومة في طرف العزلة من جهة الغرب. وقد ترجم القاضي المرحوم/ إسماعيل بن علي الأكوع في كتابه (هجر العلم ومعاقله في اليمن) لعدد من أعلام هذه الهجرة منهم:
1- أحمد بن محمد بن صالح الشجني: وزير الإمام القاسم بن حسين، من أعلام المئة الثانية عشر للهجرة. عالم محقق في الأصول والفروع، جمع خزانة كبيرة من الكتب النفيسة، ونُكِبَ فيما بعد وأُخذ الكثير من أمواله، وذلك لأن الإمام القاسم بن حسين كافه بأخذ زكاة العلماء والأمراء والأعيان التي كانوا يصرفونها بنظرهم، فأجمع هؤلاء أمرهم على التمرد على الإمام، وعصيان أوامره، وخرجوا عن طاعته، فندم الإمام على إصراره على تنفيذ رغبته.
2- علي بن أحمد بن ناصر الشجني: عالم محقق في الفروع، له مشاركة في علوم العربية، تصدر للتدريس في المدرسة الشمسية في ذمار، وقال صاحبُ مطلع الأقمار: وكل الشيوخ الآن عالةٌ عليه؛ فما منهم أحدٌ إلا وهو قرأ عليه في شرح الأزهار والبيان والبحر. وكان مسموع الكلمة، مقبول الشفاعة. مولده سنة 1123هـ, ووفاته في ذمار سنة 1201هـ.
3- الحسين بن علي بن محمد بن صالح الشجني: عالم محقق في الفقه، شاعر، تولى القضاء في ذمار بالتراضي. توفي بذمار في 20 رمضان سنة 1211هـ.
4- الحسن بن علي بن أحمد بن ناصر الشجني: عالم محقق في الفقه، شاعر أديب، حافظ لأكثر شعر المتنبي والمعري، رحل إلى صنعاء، وتصدر للتدريس في مسجد نُصير، ثم عاد إلى ذمار، وانقطع للتدريس في (المدرسة الشمسية). من شعره:
من أخمل النفس أحياها وروَّجها

ولم يبت طاوياً منها على ضجر

إن الرياح إذا اشتدت عواصفها

فليس ترمي سوى العالي من الشجر

مولده في 5 ذي الحجة سنة 1153هـ، ووفاته بذمار سنة 1233هـ.
5- محمد بن حسن بن علي بن أحمد بن ناصر الشجني: عالم محقق في علوم كثيرة، ولاسيما علوم الحديث، مؤرخ شاعر انتفع بشيخه شيخ الإسلام الشوكاني فأخذ عنه في صحيح الإمام البخاري وغيره، وأجازه إجازةً عامةً في رجب سنة 1239هـ. اعتقله الإمام المرحوم الناصر عبدالله بن الحسن ابن المتوكل أحمد. مولده سنة 1200هـ، ووفاته 1286هـ.
6- عبدالله بن علي بن محمد بن علي الشجني: عالم في الفقه وعلوم العربية، أديب شاعر، اشتغل بعض الوقت في التدريس ثم انقطع عنه. كان ينقم على ظلم الإمام يحيى وظلم عماله فأمر الإمام باعتقاله في حبس ذمار حتى يتعهد أن لا يخوض في ما لا يعنيه فكتب القاضي عبدالله بن محمد العيزري تعهداً عليه هذا لفظه: أتعهد على القاضي عبدالله الشجني أن لا يأمر بمعروف، ولا ينهى عن منكر، ولو رأى كفراً بواحاً، أو فسقاً صُراحاً، فلما قرأ الإمام هذا التعهد أمر بإطلاقه من دون قيد ولا شرط. تولى صاحب الترجمة بعض الأعمال الحكومية في العهد الجمهوري، ثم تخلى عنها، وزاول مهنة المحاماة الشرعية. مولده في ذمار سنة 1337هـ، ووفاته فيها في جمادى الآخرة سنة 1401هـ.
- حرف عباس: ويسمى (حرف القضاة): قرية عامرة تقع هي وقرية ظبة وحصن ظبة في سطح جبل صغير مستطيل، فالحرفُ في حرف هذا الجبل من الشمال ويليه مباشرة قرية ظُبة ثم حصنها الذي يقع في الطرف الجنوبي من هذا الجبل، وهو أرفع مكاناً في القريتين. من عزلة بيت نصر من ناحية مغرب عنس، من أعمال ذمار، وتبعد عن مدينة ذمار بنحو أربعين كم من جهة الغرب. يسكنها القضاة بنو عبدالرزاق بن علي، وهم يقولون: إن نسبهم يتصل بالإمام عبدالرزاق بن همام الصنعاني: وقد يكون صحيحاً، ذلك لأن الإمام عبدالرزاق كان مولى للمغيثيين، وهم قوم كانوا يسكنون ذروان من مخلاف ذمار في مغرب عنس. وأول من عُرف من هؤلاء القضاة هو عبدالرزاق بن علي بن حفظ الله، كما ذكرهم المرحوم القاضي إسماعيل بن علي الأكوع في كتابه (هجر العلم ومعاقله في اليمن) على النحو التالي:
1- إسماعيل بن عبدالله بن يحيى بن عبدالرزاق بن علي بن حفظ الدين: عالم محقق في علم الفقه والفرائض، له مشاركة في علوم العربية. تولى القضاء في حيس، ثم في المخاء سنة 1187هـ وخلال بقائه حاكماً فيها قام بحفر آبار هناك لا ستخراج المياه العذبة للشرب فانتفع بها سكان المخاء، وما تزال تلك الآبار تعرف بآبار القاضي. وقد خلَّف ثروة من المال والكاب. توفي في المخاء في جمادى الآخرة سنة 1205هـ.
2- حسن بن علي بن أحمد بن محسن عبدالرزاق: عالم في الفقه، مولده في 29 ربيع الأول سنة 1214هـ، ووفاته في ذي الحجة سنة 1279هـ.
3- علي بن أحمد بن محمد بن علي عبدالرزاق: عالم في الفقه، عمل في القضاء.
4- حسن بن محمد بن علي عبدالرزاق: فقيه عارف، مولده في شوال سنة 1260هـ.
5- أحمد بن علي بن يحيى بن عبدالله عبدالرزاق: فقيه عارف، كان ثرياً فوقف أكثر أمواله في سبيل البر والخير، ومنها أوقاف العلماء والمتعلمين في مغرب عنس وذمار. كانت وفاته سنة 1320هـ.
6- محمد بن يحيى بن حميد بن حسين عبدالرزاق: له معرفة بعلم الفلك، واهتمام بكتابة وتدوين الوقائع. اشتغل بالتدريس في هجرة خُراشة وفي ظُبة حتى سنة 1374هـ. مولده في جمادى الأولى سنة 1348هـ.
7- أحمد مسعد بن سعيد بن علي بن حسن الأحصب: عالم في الفقه والفرائض. كانت دراسته في ذمار، ونسخ لنفسه كتاب (شرح الأزهار) وغيره من كتب الطَّلب، وكتب بالأجر للقاضي المرحوم إسماعيل بن علي الأكوع (عُدة الحصن الحصين في أدعية سيد المرسلين). تولى القضاء في العهد الجمهوري في مغرب عنس لمدة خمس وعشرين سنة ثم عين عضواً في المحكمة الاستئنافية في ذمار. مولده في قرية الأحصب في 12 محرم سنة 1328هـ، ووفاته بذمار يوم الإثنين 15 جمادى الأولى سنة 1408هـ..
من قصص العرب التي ذكرت فيها عنس
وردت في كتاب (قصص العرب) قصة بعنوان (أجاره من الموت)، وقد أحببت أن أوردها في هذه الأسطر التالية خاصة وأنه ذكر فيها منطقة عنس وهي التي ينتمي إليها الأسود العنسي (وهو عبهالة بن كعب بن غوث، خرج بعد حجة الوداع في عامة مذحج، وادعى النبوة وكان كاهناً قتله فيروز وداذويه وقيس غيلة)، والقصة على النحو التالي: " أتى الأعشى الأسود العنسي وقد امتدحه فاستيطأ جائزته. فقال الأسود: ليس عندنا عين، ولكن تعطيك عرضاً، فأعطاه بخمسمائة مثقال دُهناً، وبخمسمائة حُلَلاً وعَنبراً. فما مر ببلاد بني عامر خافهم على ما معه، فأتى علقمة بن عُلاثة فقال له: أجِرني؛ فقال: قد أجَرتُك. قال: من الجن والإنس؟ قال: نعم! قال: ومن الموت؟ قال: لا!. فأتى عامر بن الطفيل، فقال: أجرني، قال: قد أجرتك. قال: من الجن والإنس؟ قال: نعم! قال: ومن الموت؟ قال: نعم! قال: وكيف تجيرني من الموت! قال: إن متَّ وأنت في جِواري بعثتُ إلى أهلك الدِّية. فقال: الآن علمتُ أنك أجرتني من الموت. ثم مدح عامراً وهجا علقمة؛ فقال علقمة: لو علمتُ الذي أراد كنت أعطيتُه إياه!"..
من المراجع التي رجعنا إليها في إعدادنا لهذا المقال: (الإعلان بنعم الله الكريم المنان في الفقه عماد الإيمان بترجيعات في العروض والنحو والتصريف والمنطق وتجويد القرأن/ تصنيف العلامة أحمد بن عبدالله السَّلمي الوصابي الشهير بالسَّانة/ تحقيق الأساتذة، محمد بن محمد عبدالله العرشي، علي صالح الجمرة، عبدالخالق حسين المغربي/المطبعة العصرية لبنان)،  (الموسوعة اليمنية/ تحت إشراف مؤسسة العفيف الثقافية)، (معجم البلدان والقبائل اليمنية/للباحث الكبير الأستاذ/ إبراهيم بن أحمد المقحفي/ طبعة2011م)،(هجر العلم ومعاقله في اليمن/ القاضي إسماعيل بن علي الأكوع)، (الموسوعة السكانية/ للدكتور محمد علي عثمان المخلافي)، (نتائج المسح السياحي)، (نتائج التعداد العام للسكان والمساكن والمنشأت للعام 2004م)، (معالم الآثار اليمنية/ للقاضي المرحوم حسين السياغي)، (مجموع بلدان اليمن وقبائلها/ للمرحوم القاضي محمد أحمد الحجري)، (صفة جزيرة العرب/ للهمداني/ تحقيق القاضي المرحوم محمد علي الأكوع)، (اليمن الكبرى/ حسين بن علي الويسي/ الطبعة الثانية 1991م)، (موسوعة للقلاع والحصون في اليمن "تحت الطبع"/ للأستاذ الباحث أحمد الغراسي)، خريطة المديرية المرفقة من إعداد م. أحمد غالب عبدالكريم المصباحي...
alarachi2012@yahoo.com


مديرية الحداء (4)

بسم الله الرحمن الرحيم

الثروات والكنوز الحضارية  والمدن التاريخية في محافظة ذمار
مديرية الحداء (الحلقة الرابعة)
مسقط رأس شاعر اليمن الكبير المرحوم عبدالله البردوني

                                إعداد/ محمد محمد عبدالله العرشي
المقدمة:
أخي القارئ الكريم... يسرني في هذا المقال على صحيفة الثورة الغراء الذي خصصته عن بعض أشهر أعلام مديرية الحداء، ومن أشهرهم الشاعر الكبير المرحوم عبدالله صالح البردوني الذي كان لي الشرف أن أدرس عنده قبل ثورة سبتمبر 1962م وقد تأثرت به كثيراً، وعند وفاته رحمه الله حاولت أن أرثيه ببعض الكلمات والأسطر التي كانت تعبر عن مشاعري وحبي له، وقد سبق أن نُشرت في صحيفة صنعاء اليمن في العدد (29) بتاريخ 5سبتمبر 2006م، وأوردها هنا:
(الأقلام تكسرت والأحبار جفت وتمزقت الصحف على النجم الذي غاب عن سماء أرض سبأ أرض الجنتين في مدينة أزال في باحة قصر غمدان الشهير الشاعر اليماني المولود في قرية البردون من بلاد الحدا واليها ينتسب كان يرى بقلبه لا بعينيه.. حروف الهجاء ناحت حزناً على الحكيم اليماني الذي شع علمه وأدبه على الناطقين بلغة القرآن والبيان والحديث والحكمة. لقد صاغ من علوم القرآن أدباًً انتشر عبقه إلى كل محافل الفكر والأدب. سل عنه منتدى أبي تمام سل عنه بغداد والقاهرة ودمشق ومطابع بيروت ستقول لك أنه كان ركناً من أركان الفكر والشعر في بلاد العرب. كان زاهداً متواضعاً يكره الظلم والاستبداد والنفاق وكان يردد أن الناس متكافئون فيما بينهم إلا بما يحملونه من علم أو يحسنونه من عمل نافع للناس في حياتهم.. كان يرى بقلبه كل ألوان الطيف وخبايا الضلوع والنفوس من خلال تحليل الكلمات والنصوص وتكاد أن تكون أشعاره ناراً ونوراً على الظالمين تحرق افئدتهم وعلى البائسين تخفف عنهم معاناتهم.. عرفه كل حاملي لواء الشعر والفكر  في كوكبنا الكبير وترجمت أشعاره إلى كل اللغات الحية. عرفه أدباء العالم ورجال الثقافة شجرة عطرة من ارض بلقيس وأختلف النقاد حول تصنيفه هل هو شاعر أم فيلسوف أم حكيم. استوعب حياة مجتمعه والمجتمعات الإنسانية وأستوعب البيئة وحياة الإنسان عبر العصور.. جبل نقم أهتزت أركانه وزلزلت أوتاده لموت الشاعر الحكيم. مكة والمدينة في شمال الجزيرة توشحتا بالسواد على رحيل فارس الكلمة في جنوبها والنيل ودجلة والفرات توقفت أنهارها حزناً على من تغنى بشعره أبناء الشام والعراق ومصر. فاس وشنقيط والزيتونة فقدت بغيابه بهجة لغة الضاد وسيبويه والزبيدي من جديد.. نعت اليونسكو باسم العالم رحيل الإنسان المتواضع المجاهد ضد الظلم والحرمان والفقر في كل أرجاء المعمورة. صنعاء حزينة أنها يتيمة بموت من كان جزءاً من نسيجها الاجتماعي ومنارة من مناراتها وفنونها وعماراتها الجميلة.. اليمن بسهولها وجبالها وبحارها فقدت من عاش لقضاياها وهمومها ومن ناضل في سبيل وحدتها وكتب للشجر والحجر والبحر والمطر للزرع للثمر كتب عن الفنون والحداء والغناء والزامل ومواسم الأمطار والزواج وهجرة الطيور والرجال..لكن يا وطني لا تيأس فلا تزال في ساحتك نجوم أخرى تدور في فلك سمائك تشع بعلمها وفكرها على كل سهولك وجبالك ياوطني.)
هجر العلم في مديرية الحداء
- العمارية: هجرة من هجر العلم في بلاد الحداء شرقي محافظة ذمار، ينسب إليها الفقهاء والعلماء(آل العمري)، أصلهم من مراد، ومنهم بها بقية. وكان من أشهرهم العلامة الفقيه محمد بن أسعد المرادي المذحجي أحد الدعاة أيام الإمام المنصور عبدالله بن حمزة (ت614هـ/1217م)، توجه إلى عجم العراق والجيل والديلم (فارس) وكان ممن أحضر معه كتب المعتزلة إلى اليمن. وفي العصر الحديث كان الفقيه القاضي علي بن محمد العمري (ت1182هـ /1770م) جد (آل العمري) بصنعاء وقد انتقل من هجرته واستقر بالعاصمة وعمل وزيراً للمهدي عباس وبها توفي. وقد أورد القاضي المرحوم إسماعيل الأكوع هجرة العمارية ضمن كتابه (هجر العلم ومعاقله في اليمن) بأنها قرية عامرة من مخلاف العابسية من ناحية الحداء. في الجنوب الشرقي من صنعاء. وقد ترجم القاضي المرحوم إسماعيل بن علي الأكوع في (هجر العلم ومعاقله في اليمن) لـ (16) علماً من أعلامها..
من أشهر أعلام مديرية الحداء
1- الشاعر الكبير عبدالله البردوني: (1348-9/5/1420هـ /1929-30/8/1999م) عبدالله بن صالح بن عبدالله بن حسين هو شاعر اليمن الكبير في أواخر القرن العشرين صنفه الكثير من النقاد بأنه أحد القمم الشعرية العربية في أواخر القرن العشرين، وقد وصفته مجلة الكويت في عددها رقم (277) الصادر في سبتمبر 2002م بقولها: "وها نحن في هذا العدد نشحذ الحرف ليصل إلى هامة عالية مثل عبدالله البردوني الشاعر اليمني العربي الذي دعا إلى أن قال القائلون: هناك شعر حداثة، وشعر تقليد، وشعر عبدالله البردوني.. هكذا يظل البردوني وهجاً مشعاً أبداً.. ويظل الحاضر الغائب في كل مناسبة." وقد حصل على جائزة الأمم المتحدة (اليونسكو) حيث أصدرت عملة فضية عليها صورته عام 1402هـ،1982م، ولد في قرية "البردون" من قبيلة (بني حسن) في ناحية (الحدأ) شرقي مدينة ذمار، أصيب بمرض الجدري وفقد على إثرها بصره وهو في الخامسة أو السادسة من عمره، أنتقل إلى مدينة ذمار في الثامنة أو التاسعة من عمره، حيث أكمل تعليمه للقرآن الكريم حفظاً وتجويداً، ثم أنتقل إلى دار العلوم (المدرسة الشمسية)، ثم أنتقل وعمره 13 سنة إلى صنعاء ودرس بالجامع الكبير بصنعاء على يدي العالمين الجليلين أحمد الكحلاني وحميد معياد ثم التحق بمدرسة دار العلوم حتى حصل على إجازة من دار العلوم وتعين مدرساً بها، أصدر العديد من الدواوين الشعرية عدد (12ديوان) هي (من أرض بلقيس، في طريق الفجر، في مدينة الغد، لعيني أم بلقيس، السفر إلى الأيام الخضر، وجوه دخانية في مرايا الليل، زمان بلا نوعية، الترجمة الرملية لأعراس الغبار، كائنات الشوق الأخر، روائح المصابيح، جوّاب العصور، رجعة الحكيم بن زايد) وقد أصدر العديد من الدراسات أهمها: رحلة في الشعر اليمني قديمه وحديثه، قضايا يمنية،فنون الأدب الشعبي في اليمن، اليمن الجمهوري، الثقافة الشعبية، تجارب وأقاويل يمنية، الثقافة والثورة، من أول قصيدة إلى أخر طلقة(دراسة في شعر الزبيري وحياته)، أشتات. نال العديد من الجوائز وهي: جائزة أبو تمام بالموصل عام 1391هـ/1971م، جائزة شوقي بالقاهرة عام 1401هـ/1981م، جائزة مهرجان جرش الرابع بالأردن 1404هـ/1984م،جائزة سلطان العويس بالإمارات 1414هـ/1993م. ومن شعره القصيدة الشهيرة (أبو تمام وعروبة اليوم) والذي يصف الوضع العام العربي ونورد منها الأبيات التالية:
ماذا جرى .. يا أبا تمام تسألني؟
عفواً سأروي .. ولا تسأل .. وما السبب

يَدْمَى السؤال حياءً حين نسألهُ
كيف احتفت بالعِدى (حيفا) أو (النَّقبُ)

من ذا يُلبي؟ أما إصرار مُعتصم
كلاَّ وأخزى من (الأفشينِ) ما صلبوا

أليوم عادت علوجُ (الروم) فاتحةً
وموطن العرب المسلوب والسلب

ماذا فعلنا؟ غضبنا كالرجال ولم
نَصدُق..وقد صدق التنجيم والكتب

فأطفأت شُهب (الميراج) أنجمنا
وشمسنا، وتحدت نارها الخُطبُ

وقاتلت دوننا الأبواق صامدة
أما الرجال فماتوا .. ثمَّ أو هربوا
ج
حُكامُنا إن تصدوا للحمى اقتحموا
وإن تصدى له المستعمر انسحبوا

هم يفرشون لجيش الغزو أعينهم
ويدّعونَ وثوباً قبل أن يثبوا

ألحاكمون و"واشنطن" حكومتهم
واللامعون .. وما شعُّوا ولا غربوا

القاتلون نبوغ الشعب ترضية
للمُعتدين وما أجدتهم القرب

2- علي ابن زايد: يذكر المرحوم الشاعر الكبير الأستاذ عبدالله البردوني في مقدمة دراسته عن أقوال علي بن زايد "دراسة ونصوص" من صفحة (5) إلى صفحة (45) الصادرة عن مكتبة الإرشاد أن علي ابن زايد هو أشهر حكماء اليمن الشعبيين، واشتهر بهذا الإسم دون نسبه إلى قبيله أو إلى مكان، وأكثر الناس يرون أنه من أهل قرية منكث بالقرب من ظفار العاصمة الحميرية القديمة، والأدلة على هذا أقوى وأكثر من أدلة نسبته إلى أي مكان آخر، وهو نفسه ذكر في إحدى مقولاته الشعرية أنه من أهل منكث وفيها داره وأهله،كما أن بعض مقولاته تحتوي على عناصر لغوية هي من صميم لهجة هذه المنطقة وما جاورها. أما  عصره فلا يمكن تحديده إلا بأنه عاش بعد ظهور الإسلام، وبعد استقرار اللهجات اليمنية على الحال الذي هي عليه اليوم أو قريباً من ذلك، أما مجيء بعض مظاهر العبادات اليمنية القديمة في بعض مقولاته مثل:
يا غارتش يا الثريا

منازل الصيف زلت

 فليس إلا من قبيل رواسب من الماضي بقيت في عادات الناس، خاصة إذا لا حظنا أن الثريا لا يزال لها دور في حسابات المزارعين الموسمية إلى اليوم، فاستغاثته بها دون الله ليس إلا من هذا القبيل، وفي مقولاته أدلة كثيرة على إسلاميته.
والناس يطلقون على مقولاته الشعرية القصيرة اسم (الأحكام)، أو (أحكام علي بن زايد)، لأنها لديهم بمثابة الفتاوى الصحيحة في كل ما تتناوله من شؤون الحياة.
وأحكامه تتناول الحياة الزراعية وأحوالها، وحساباتها ومواسمها أولاً، كما تتناول بعض القواعد والأعراف الاجتماعية، وتتطرق أحياناً إلى أحوال الحياة وتصاريفها. والغالبية العظمى من مقولاته وأحكامه تأتي على هذا الوزن من بحر المجتث، وقد حكمها ابتداؤه لها كلها بقوله: "يقول علي ولد زايد" فهذا شطر من هذا البحر وما بعده يأتي على منواله.
وتروى له مقولات على أوزان شعرية أخرى قد يكون بعضها صحيحاً، ويبدو على معظمها الصنعة وبُعدها عن روحه وأسلوبه، كما أن بعض ما يأتي على وزنه المفضل (المجتث) قد يكون مما نسب إليه وليس له.
ولابد من الإشارة إلى أن علي بن زايد مجرد رمز لفلسفة الشعب، أو أصل لهذه الفلسفة تفرعت منها فلسفات تجريبية، وعلى هذا فحكميات علي بن زايد تجارب كل الشعب في مختلف فتراته، وإن قلت الفروق بين الفترات، حتى كأن كل هذه الأمثال والحكم تعبرر عن بيئة واحدة على تعاقب الأجيال.. ويمكن الآن الوقوف على فكرياته الحربية....
ومن قصائد الحكيم علي ولد زايد:
خيار الأحكام الإصلاح يدو من الدَّيَن نصفه والنصف لا راح له راح
باب الشريعة مغلَّقْ إن كان لا شي دراهم فالباطل أمضى من الحق
الشرع إذا بات ليله باتت حباله تقوى والحرب إذا بات ليله
باتت حباله تنوا
ذي ما يغارم ويغرم له المنايا تشله وما من الموت مهرب
ذي ما يجيب داعي الصوت يدعي وما حد يجيبه ومن يغيب ساعة الصدق
يغيب وما حد يردِّه
ما عُود وحده يُلِّص إلا بعودين مع عود بين إخوتك مُخطي
ولا وحدك مُصيب
عِزَّ القبيلي بلاده ولو تجرع وباها يسير منها بلا ريش
ولا مِلك ريش جاها
إذا معك جار مؤذي الصبر والله يزيله علي يقول ابن زايد
الجاه خير من المال فغارة المال تبطي وغارة الجاه في الحال
والمال إذا شل شَله كفاك عن التجداى وقال حميد بن منصور
الجاه ماهو على شي فالمال خير من الجاه والجاه ثوب مُصَبَّن
إذا نزل سيا إهجاه
3- الفريق حسن بن حسين العمري: هو قائد عسكري محنك وشجاع، سياسي مناضل مشهور، ولد بمسقط رأس الأسرة (هجرة العمارية) في بلاد الحداء شرقي مدينة ذمار، وبكتابها درس مبادئ الكتابة والقراءة. وفي العاشرة من عمره جاء صنعاء طلباً للعمل، كما هو شأن الكثير من أسلافة وأفراد أسرته القضاة والفقهاء والمقيمين بالعاصمة منذ زمن بعيد، فألحقته أسرته بمدرسة الأيتام التي تخرج منها عدد كبير من زملائه ممن كان لهم دور ريادي في الحركة الوطنية. ثم التحق بالمدرسة الحربية بصنعاء، وتخرج منها، وكان ضمن أول بعثة عسكرية درست في العراق )1354هـ/1935م). عمل بسلاح الإشارة، وكان من الضباط المشاركين في ثورة الدستور عام (1367هـ/1948م)، وبفشلها قُبض عليه فأمضى مع آخرين سبع سنوات في سجن حجة. وبعد خروجه من السجن عمل بوزارة المواصلات، وقام بدور وطني مهم في الإعداد لثورة 26 سبتمبر 1962م التي تعين في أول حكومة لها وزيراً للمواصلات وكان برتبة عميد في ذلك الوقت، ونال رتبة لواء في مطلع عام 1964هـ/1384م. وقد عين في 10 فبراير 1964م رئيساً للمجلس التنفيذي (مجلس الوزراء)، ثم شغل منصب نائب رئيس الجمهورية والقائد العام للقوات المسلحة سنة 1384هـ - 1386هـ/ 1964 – 1966م، وكان أول من حمل رتبة فريق في الجيش اليمني وبها اشتهر. كلف بتشكيل أول حكومة في 6 يناير 1965م، وقام بعد ذلك بتشكيل ورئاسة خمس حكومات أخرها في 23 أغسطس 1971م جمع خلالها بين قيادته للجيش ورئاسته للحكومة وعضويته للمجلس الجمهوري (بعد 5 نوفمبر 1967م). برز دوره كقائد عظيم له دور مشهود في تحقيق النصر فيما عرف (بحصار السبعين يوماً) على فلول القوى المعادية للجمهورية والمحاصرين للعاصمة، وتم ترسيخ النظام الجمهوري. اعتزل السياسة بعد تحقيق السلام، ومنح  أعلى وسام (وسام السبعين من الدرجة الأولى) في ذكرى العيد الفضي للثورة سبتمبر 1962م، ووافته المنية في مارس 1989م في أحد مستشفيات ألمانيا، ونقل جثمان إلى صنعاء حيث شيع في موكب جنائزي رسمي وشعبي كبير، ودفن في مقبرة الشهداء.. وقد كان له دور بارز في تحقيق استقلال القرار السياسيفي عهد دعم القوات المصرية للنظام الجمهوري، وقد تم احتجازه في مصر مع العديد من رجالات اليمن وكان له مواقف مشهودة مع الزعيم المرحوم جمال عبدالناصر والمرحوم المشير عبدالحكيم عامر، ومن أراد التوسع في معرفة الكثير عن هذه المواقف فعليه الرجوع إلى كتاب الأخ العزيز الأستاذ/ محمد الشعيبي (عبدالناصر والفريق العمري وحديث أوجاع نصف قرن 1945- 1995م.. رؤية تاريخية نقدية)..
4- أنور داعر البخيتي: أنور محمد حسين داعر البخيتي من مواليد عام 1984م بقرية الكراع في مديرية الحداء، يعمل في جامعة صنعاء.. حاصل على جائزة رئيس الجمهورية في الشعر عام 2014م،وقد جمعت قصائده في كتاب بعنوان (النَّارُ.. جَنَّةُ مَن عَصَى)، وقد ذكر الدكتور عبدالعزيز المقالح إحدى قصص شاعرنا الشاب أنور البخيتي، وأثنى عليه وعلق أيضاً عليها، نورد منها بعض الأبيات ثم نورد تعليق دكتورنا الأديب عبدالعزيز المقالح عليها:
قال بن داعر أصاب ذا الوقت حمى
والناس ما بين الحقيقة والإنكار

به ناس تغرق في وسطرسطل من ما
وناس تعبرها محيطات وأنهار

وناس ما تقرى ولا هي بعميّ
وناس لا فكره معاها ولا أفكار

وناس لا تنطق ولا هي بعجمى
وناس لا تسمع ولا شي لها أخبار

وناس من شمس العوافي بتحمى
وناس ما تحرق ولو هي على الطار

وناس نعرفها ولكن بلا أسما
وناس تبقى في صدى الوقت تذكار

وناس تسكر بس لا الليل ظلمي
وناس ما تسكر ولو هي في البار

وناس ما تشرب ولا هي بتظمى
وناس لا جنه معاها ولا نار
وقد علق على هذه القصيدة الدكتور المقالح قائلاً: "وهنا من خلال هذه القصيدة البديعة التي تقترب من الفصحى وتتماهى مع مفرداتها، أتوقف لكي أرد على أولئك الذين يخافون على العربية الفصحى من شعر العامية، وهو تخوف لا مبرر له فقد تعايشيت الفصحى والعامية منذ أقدم العصور...."..
من المراجع التي رجعنا إليها في إعدادنا لهذا المقال: (معجم البلدان والقبائل اليمنية/للباحث الكبير الأستاذ/ إبراهيم بن أحمد المقحفي/ طبعة2011م)،(هجر العلم ومعاقله في اليمن/ القاضي إسماعيل بن علي الأكوع)، (عبدالناصر والفريق العمري وحديث أوجاع نصف قرن 1945- 1995م.. رؤية تاريخية نقدية/ محمد الشعيبي/ طبع بمطابع المفضل للأوفست - صنعاء)، (النار جنة من عصى/أنور داعر البخيتي/ الديوان الحاصل جائزة رئيس الجمهورية في الشعر عام 2014م)، (من بواكير حركة التنوير في اليمن.. المجموعة الأدبية والصحفية للقاضي أحمد محمد مداعس/ جمع وتحقيق وتقديم الأستاذ محمد محمد عبدالله العرشي/ ساهم في إعداد المجموعة الأدبية القاضي العلامة محمد إسماعيل العمراني/ مطبوعات تريم عاصمة الثقافة الإسلامية 2010م)، (الموسوعة اليمنية/ تحت إشراف مؤسسة العفيف الثقافية)، (أقوال علي بن زايد/ دراسة بقلم الشاعر الكبير عبدالله البردوني/ مكتبة الإرشاد – صنعاء)، خريطة المديرية المرفقة من إعداد م. أحمد غالب عبدالكريم المصباحي...
alarachi2012@yahoo.com

مديرية الحداء (3)

بسم الله الرحمن الرحيم

الثروات والكنوز الحضارية  والمدن التاريخية في محافظة ذمار
مديرية الحداء (الحلقة الثالثة)
بينون معجزة الإنسان اليمني عبر التاريخ

                                إعداد/ محمد محمد عبدالله العرشي
المقدمة:
أخي القارئ الكريم... يسرني أن أقدم لك على صحيفة الثورة الغراء الحلقة الثالثة عن مديرية الحداء، وقد عودتك أن أقدم لك نبذة مختصرة عن علم من أعلام اليمن، وعلمنا اليوم من مديرية الحداء هو المقرئ المشهور العلامة المرحوم محمد بن حسين عامر، ولي معه ذكريات لا تنسى والذي تربطني به علاقة روحية ومحبة في الله، وأول محطة تعرفت فيها عليه كانت في رحاب الجامع الكبير عندما كنت أدر
س القرأن الكريم في الجامع الكبير عند سيدنا علي الوتري، ومعي زميلي العلامة الأستاذ يحيى الحليلي – أطال الله عمره – وكنا نتدارس القرأن الكريم معاً وفي يوم من الأيام بعد ثورة سبتمبر 1962م حضر إلى الجامع الكبير مجموعة من علماء الأزهر وعلى رأسهم المقرئ المشهور محمود خليل الحُصَّري، وقد تجمع حوله العديد من المقرئين اليمنيين ومنهم المرحوم العلامة محمد حسين عامر وآخرين، وقد استمتعنا جميعاً بقراءة المرحوم الحصري، ولما انتهى من تلاوته قام العلماء من القراء اليمنيين بالتلاوة وأحداً بعد أخر وعندما انتهوا من تلاوتهم قال الشيخ محمود الحصري: هذا الشاب، وهو يشير بأصبعه إلى المرحوم محمد حسين عامر، هو أعلمكم بتلاوة القرأن الكريم.. وهذه شهادة أحببت أن أسجلها للتاريخ، وقد ظلت صداقتي به من ذلك التاريخ إلى أن توفاه الله  عام 1419هـ.. وأذكر أنه عندما توفي والدي القاضي محمد بن عبدالله العرشي ظل لمدة أسبوع يحضر إلى منزلي يجابرني وينشد التوشيحات اليمنية العذبة.. وقد ذكر المرحوم الأستاذ عبدالله البردوني في كتاب (محمد حسين عامر 50 عاماً في ظلال القرأن) أُعد هذا الكتاب في ذكرى تأبين المرحوم المقرئ محمد حسين عامر، ذكر في أسطر كتبها عن مقرئنا من صفحة 85 إلى صفحة 97 نبذة عن أسرة المرحوم محمد بن حسين عامر وأبائه ولا سيما والده الشيخ حسين عامر – أطال الله عمره – واستمر المرحوم الأستاذ البردوني في سرد ذكرياته المشتركة بينه وبين المرحوم محمد بن حسين عامر ولاسيما أنه يجمع بينهما مكان ولادتهما وهي مديرية الحداء، ويجمع بينهما معاناة فقد البصر، ومعاناة صعوبة الحياة، وفي نفس الوقت تجمع بينهما الشهرة وحب الناس لهما.. فلا شك أن الشيخ محمد حسين عامرهو من القراء المبدعين الذين أنجبتهم اليمن في تاريخها المعاصر، وأن الأستاذ عبدالله البردوني هو أيضاً من الأدباء في العالم العربي في القرن العشرين، والذي جعل المرحوم الشاعر الكبير سليمان العيسى أن يقول ما في اليمن إلا مدينة صنعاء القديمة والشاعر الكبير عبدالله البردوني..
من أشهر المعالم والكنوز الحضارية في مديرية الحداء
1- بينون: جبل، نفق، حصن، وقرية.. يمثل نفق بينون الجبلي المائي أحد أهم إنجازات الحضارة اليمنية في عهد الدولة الحميرية مطلع القرن الميلادي الأول. وتقع بينون شمال شرق ذمار مقابلة لكراع حرة كومان في مديرية الحداء وعزلة ثوبان جوار قرية النصلة وعلى مسافة (54كم) من مدينة ذمار. بينون ينسبها المؤرخ المرحوم بامخرمة إلى "بينون بن محمد بن عبد الله البينوني" روى عن "مبارك بن فضالة" وعنه "محمد بن عيسى بن الطباع" وطبقته، ويذكرها المرحوم المؤرخ الكيبر أبو الحسن الهمداني في كتابه (الإكليل): بأنها هجرة عظيمة وكثيرة العجائب وفيها قصر الصبايا وإن الملك الحميري "أبو كرب أسعد الكامل" كان يتخذها واحدة من قواعد حكمه. وبينون حصن من حصون حمير الشهيرة في أعلى جبل مستطيل، وفي ذلك الجبل طريق منقورة في وسطه قد تهدمت وهذا الجبل متوسط بين جبلين تفرق بين كل أرض فيها مزارع، وكان في سفح الجبل الشمالي عين تسمى غيل (نمارة) تسقي الأرض التي بينه وبين بينون، وفي الجبل الجنوبي طريق منقورة في بطنه على طول (مائتي ذراع) تقريبًا يمر منها الجمل بحمله، وهي باقية إلى الآن، وفوق باب الطريق من الجانبين كتابة بالمسند الحميري، ومن هذا الطريق ساقية قديمة قد تهدمت كانت تصل غيل هجرة إسبيل بالأرض الواقعة بين حصن بينون والجبل اليماني أي الجنوبي لتسقي هذه الأرض من غيل الهجرة؛ ولشهرة بينون ومبانيها فقد أتى ذكرها كثيرًا في أخبار حمير وأشعارهم، قال ذو جدن الحميري:
لا تهلكن جزعاً في أثر من ماتا
فإنه لا يرد الدهر من فاتا

أبعد بينون لا عين ولا أثر؟
وبعد سلحين يبني الناس أبياتا

ورغم شهرة هذه المدينة وتردد ذكرها في مسامع أهل اليمن في أوائل العصور الإسلامية وبعدها إلى حين، إلا أن ذكراها انقطعت بعد ذلك، وطمست من أذهان الناس، ولم يعرفها إلا أهلها الذين ظلوا أوفياءاً لتلك المدينة العريقة، ومعهم المهتمون بعلم الآثار والتاريخ تتألف بينون القديمة من واديين يتوسطهما جبل منفرج في وسطه، وأبرز قمم هذا الجبل (النصلة)، ومن أهم معالم بينون بقايا آثار وحجار منقوشة بخط المسند مزينة بزخارف جميلة ولكن أهم آثار بينون العجيبة كما وصفها القاضي المرحوم المؤرخ أبو الحسن الهمداني ثلاثة هي:
• بقايا القصر: تدل آثار القصر على أنه كان مشيدًا بحجارة مستطيلة مهندمة ومتعددة الأنواع والألوان، وكان يمثل أروع مبنى في المدينة، ويقع في قمته حصن منيع يحيط به أكثر من سور، وقد ذكره القاضي المرحوم أبو الحسن الهمداني في كتابه (الإكليل) في أبيات من الشعر تنسب لأسعد تبع:
وبينون منهمة بالحديد
ملازبها الساج والعرعر

وشهران قصر بناه الذي
بنا بينون قد يشهر

• النفقان: يعتبر هذان النفقان أعظم عمل هندسي في مجال الري والزراعة تم تنفيذه بطريقة نحت صخور جبلين، والغرض من النفقين إحكام مجرى تحويل السيول من وادٍ إلى آخر، ويعتبر هذا النفق (القطع في الجبل) من عجائب اليمن التي ليس في بلد مثلها، وتأتى المياه من وراء جبل النقوب عبر النفق إلى وادي الجلاهم لتجري إلى النفق الآخر عبر جبل بينون باتجاه وادي نمارة، وعندما تغادر النفق تجتمع في سد يقع في أعلى وادي نمارة الذي تمتد أراضيه الخصبة مساحات شاسعة. ويذكر الكثير من الباحثين والمتخصصين والمهتمين بآثار مديرية الحداء أن نفق جبل بينون مسدود بسبب انهيار مدخله، أما نفق النقوب فما زال على أحسن حال، ويبلغ طوله (150 متر) وعرضه (3 أمتار) وارتفاعه (4.5 متر)، وفي داخل النفق فتحات جانبية يعتقد أنها عملت لتثبت فيها ألواح أو أحجار لتنظيم سرعة تدفق السيول، وتخفيف اندفاع المياه قبل أن تخرج من النفق إلى ساقية الوادي.
• الكتابات : وقد ذكرها صديقي العزي الباحث الأستاذ محمد الشعيبي – أطال الله عمره – أنه توجد نقوش مكتوبة بخط المسند – بخط غائر – في أعلى مدخل هذا النفق تتضمن أن النفق شق ليسقي وادي نمارة، وفي مدخل النفق نقشان آخران أحدهما مطموس أما الثاني فيمكن قراءة معظمه، ويدل محتواه على أنه دون نذرًا من أحدهم واسمه "لحيعثت بن زعيم" إلى معبوده (عثتر) بمناسبة افتتاح النفق، إلا أن أهم النقوش التي عثر عليها في بينون تذكر اسم "شمر يهرعش" ملك سبأ وذو ريدان وحضرموت ويمنات، وقد جاء في النقش ذكر سنة البناء بالتقويم الحميري المعروف وهي (420)، وتوافق هذه السنة بالتقويم الميلادي حوالي (305 ميلادية)، ويرجح الدارسون أن نهاية المدينة كانت في حوالي عام (525 ميلادية) عندما دخل الأحباش اليمن وأنهوا دولة حمير، ولكن تظل بينون بقصرها وأنفاقها شواهد مادية باقية على روعة إنجاز الإنسان اليمني وعلى هندسته البديعة في إنشاء المعالم الشامخة التي واكبت التطورات الحضارية الحديثة، وهو خير دليل على أن اليمنيين كانوا مقدار التطور والإبداع الذي كان يملكه اليمنيون في عصور قديمة..
2- قرية الحطمة: الحطمة بني حُدَيجة (حُدَيجة بضم الحاء المهملة وفتح الدال المهملة) بلدة في الحداء إلى الشرق من قرية (حاجب) وجنوبًا وادي دهمان وجبل السايلة وشرقها وادي الزيادة وغربًا وادي وجبل غول عينه، ويورد القاضي المرحوم حسين السياغي في كتابه "معالم الآثار اليمنية" أن منطقة بني حُدَيجة غنية بآثارها العظيمة وفي أعلى قرية الحطمة بارتفاع (25 م) تقريبًا عن الوديان المجاورة شُيدت على أنقاض الموقع القديم قرية الحطمة الحديثة ولا يزال الأهالي يستخدمون الأحجار القديمة لغرض بناء منازلهم الحديثة حتى أن بعض البيوت أقيمت فوق أسس أبنية قديمة بأبعادها الأصلية، وفي واجهات بعض بيوت القرية صف من رؤوس الوعول الرمزية تحتها حزاوز عميقة تبدو وكأنها مستطيلات عمودية غائرة داخل أطر مستطيلة أيضًا، كما تنتشر في الموقع كثير من قطع الأحجار المهندمة والشقافات الفخارية مع أعمدة من حجر المرمر، كما يوجد ختم إسطواني لدى أحد أبناء القرية، عليه حروف بخط المسند، وعند أكتاف مرتفع من حجر رمادي اللون الضليعية شرق الموقع هناك كهوف منقورة في الصخر مختلفة المستويات في الارتفاع، ويشاهد في مدخلها نقوش بخط المسند، وفوق مرتفع الضليعية المكون من صخور الحبش يوجد حوض كبير يعرف باسم (بركة الزيادة) مربع الشكل تقريبًا، وفي وسطه عمود ذو أربعة أضلاع استخدم لقياس مناسيب المياه، وعلى واجهته الجنوبية كتابات بخط المسند غير واضحة، وعند أسفل مرتفع الضليعية يوجد نفق كبير منحوت بآلات حادة طوله (260م) يربط بين وادي غربي المرتفع ووادي غول، وعند فتحته الغربية وأمامها في الوادي زيادة تراكمات من أحجار كبيرة وصخور جيرية ربما كانت تشكل حاجزًا لتصريف المياه الفائضة عن استيعاب الوادي عبر النفق المذكور إلى وادي غول لوبار في الجانب الثاني من المرتفع عن طريق منفذين يشكلان الفتحة الشرقية للنفق، وهما مغلقان بأنقاض من الأحجار الكبيرة، والحقيقة أن مثل هذه الأنفاق العملاقة والمقطوعة لمسافات طويلة تحت المرتفعات الصخرية بطريقة النقر تدل على العزم والتصميم لدى اليمنيين القدماء.
3- سد العقم:العقم منطقة في بني زياد في مديرية الحداء، ويوجد فيها آثار سد قديم، وهو سد للماء على أرض متسق قد تهدمت جوانبه وبقي الوسط قائم البنيان حتى الآن وشيدت عمارته وفق تخطيط هندسي محكم وبعناية، وفي المنطقة عدد من الحصون الأثرية المنيعة. شيد السد في وادي ضيق تعرض لتعرية شديدة، وصل عمقها إلى الصخور النارية ذات اللون البني الغامق (15م)، ومتوسط ارتفاعه فوق قاعدة الوادي (14م)، كانت مساحة السد في الأصل (90)، ويستخدم لري الحقول الواقعة على اتجاه مجرى السيل وتصرف من خلال فتحة صغيرة تحت السد، وعلى جانب اتجاه مجرى الوادي في الناحية الجنوبية الغربية واجهتان لمبنى السد الواجهة الأولى شكلت من كتل حجرية كلسية وضعت أفقيًا في صفوف متراصة على شكل خطوط بارزه للأمام – وبطانة جسم السد عبارة عن حشوة من القطع الخشنة الغير متماسكة وهي دبش من الحجارة – أما الواجهة الثانية سمكها (3.5م) وهي ملامسة للاتجاه المضاد لواجهة السد الأمامية، وتبدو أنها إضافة متأخرة مبنية بأحجار ضاربة إلى الحمرة قطعت من جبل يبعد من السد بمساحة قريبة، وهو يوحي بأن السد لم يبق فترة طويلة من الزمن حتى يمتلئ كاملاً حتى أعلاه، ومحتمل ألاَّ يكون قد تعرض لتصدع في مرحلة مبكرة إلى حدٍ ما من تاريخه، وتبين أن مظهر الواجهة الثانية تعود إلى فترة متأخرة أفضل من كونه واجهة ثانوية، وربما كان بناؤها يمثل محاولة لتقوية السد المتداعي للانهيار أو لإعادة حجر الوادي، وفي هذه الحالة استخدم البناء كدعامة، وعمومًا فإن متوسط مساحة المنطقة التي كان السد يرويها تبلغ حوالي (60 - 90 هكتارًا).. وعقم أو عقمة في الأصل من مصطلحات الري والزراعة في اليمن قديمًا وحديثًا، وهي مشتقة من الجذر (عقم) بمعنى (حجز وسد)، ومنها معقم من مصطلحات البناء ويعني (عتبة الباب)، ولا نجدها بالمعاني المشار إليها في تراث اللغة العربية الفصحى، وغالبًا ما يكون في المواضع المعروفة باسم العقم أو العقمة إما سد قديم أو تكون كحاجز على وادٍ تجري فيه السيول في موسم الأمطار، وقد جاء عند العلامة المرحوم "نشوان بن سعيد الحميري" في كتابه "شمس العلوم" أن أهل اليمن يستخدمون في لغتهم (العقم) بمعنى السد، حاجز لحماية قطعة الأرض المزروعة، ولا تزال المصطلحات (عقم ومعقم) تستخدم حتى اليوم بالمعاني المذكورة.
4- قرية الجربتين: وتقع في وادي الجربتين الواقع تحت وادي حيكان من مخلاف بني بخيت التي منها الحكيم علي بن زايد المتداول كلامه عن الزراعة، والذي عاش في القرن السادس للهجرة، ولا توجد حالياً قرية تحت هذا المسمى فقد اندثرت ولم يتبق منها إلا ثلاث خرايب تسمى الأولى: خرابة علي بن زايد، والثانية تسمى خرابة حميد بن منصور، والثالثة تسمى خرابة اليهودي، وإذا كانت قرية الجربتين خالية من السكان اليوم فإنه يوجد الكثير من القرى الواقعة على جوانب وادي الجربتين الممتد من المخلابة ببني بدا إلى بني زيدان.
من أشهر أعلام مديرية الحداء
الشيخ العلامة الشيخ العلامة محمد حسين عامر: مقرئ, حافظ, منشد يعتبر أول مجدد للإنشاد في اليمن، ومن ابرز المؤسسين لجمعية المنشدين اليمنيين، فهو صاحب الصوت الرخيم والعذب والذي ما يهل علينا رمضان إلا وهو أول المبشرين بهذا الشهر الكريم من خلال تلاوته للقرآن وكذلك التسبيح والدعاء والإنشاد. وهو من أشهر أعلام مديرية الحداء قرية (الظواهره)، ولد عام 1938م في قرية (الظواهرة), منطقة (حيد السواد), مديرية (الحدا), في محافظة ذمار، ونشأ فيها، وأصيب بالعمى في عامه الأول, وفي الشهر السادس منه تحديدًا. مكث في قريته 9 سنوات وبدأ من خلالها حفظ القرآن الكريم على يد والده العلامة حسين عامر – أطال الله عمره، ثم اصطحبه أبوه مع أخيه الأكبر (أحمد حسين) - وكان أعمى أيضًا - إلى مدينة صنعاء سنة 1366هـ/1947م، درس علوم القرآن الكريم على يد عدد من العلماء مثل: العلامة المرحوم (حسن شندق), و العلامة المرحوم (عبدالله الطائفي), و العلامة المرحوم (حسين مبارك الغيثي), و العلامة المرحوم العزي الجنداري وهو زوج خالتي المرحومة الفاضلة تقية بنت جدي لأمي المرحوم محمد بن يحيى مُداعس, و العلامة (أحمد بن حسين الخولاني). ثم انتقل إلى مدرسة (دار العلوم)؛ فدرس فيها علم القراءات السبع, ومن شيوخه فيها: الشيخ (حسين الجلال), و الشيخ (محمد علي الأكوع). ثم انتقل بعد ذلك إلى المدرسة العلمية ودرس فيها بعض المتون مثل: متن الأزهار في الفروع ومتن الآجرومية وقطر الندى في النحو، وغيرها من العلوم. وقد حفظ القرآن وهو في العاشرة من عمره خلال سنة وأربعة اشهر. وهو ما شد انتباه مشائخ وعلماء الجامع الكبير في بداية الخمسينات من القرن الماضي، فقد جذبت تلك التلاوة  وذلك الأداء الكثير من هؤلاء العلماء والمشائخ.. وقد جاوز حد الدهشة والتعجب العلامة محمد محمد المنصور – أطال الله عمره – الذي أخرج قلمه من جيبه وكتب إلى المرحوم سيف الإسلام الحسن وقال: "ولدان ضريران صغيران مع والدهما يتدارسان القرآن إذا سمعتهما يذكر أحدهم الأخحر يأخذك بهما سرور وغبطة"؛ فكانت هذه الكلمات هي السبب في دخولهما المدرسة العلمية.. وإذا كانت تلك التلاوة قد جذبت  العلامة محمد المروني والأستاذ أحمد حسين المروني، يطالبا بضرورة ضم هذا الصوت للإذاعة.. ومن إذاعة صنعاء انطلق ذلك الصوت عبر البث المباشر في بداية الخمسينيات من القرن الماضي، وكان أول تسجيل للمقرئ المرحوم محمد حسين عامر في الإذاعة هو سورة الأنعام.. وكان مقرؤنا المرحوم شديد الإعجاب بالسيد أحمد موسى والعزي النعماني رحمهما الله وهما من أبرز المجيدين للتواشيح الدينية في صنعاء فانتقل الإعجاب إلى مرحلة الممارسة للتوشيح فأضاف إلى تسجيل القرأن تسجيل التواشيح؛ فكان أول توشيح سجل للإذاعة بصوته توشيح يقول مطلعه: من مثل أحمد في الكونين نهواه... وفي بداية الستينات أسس مدرسة لتحفيظ القرآن بمسجد النهرين، وتولى إدارتها. استقبل فيها الكثير من الطلاب الذين كانوا يأتون من كل مكان لتعلم القرآن والقراءات السبعية. وكان مقرؤنا من أشد المعجبين والمحبين للطيور، وكان كثيراً ما يشتري عدداً منها ويقوم بتربيتها بنفسه ولا تفارق منزله. بل كان في رحلاته إلى خارج اليمن أول ما مكان يقصده هو حديقة الطيور.. ثم عمل في تدريس القرآن الكريم, وأسس عددًا من مدارس التحفيظ في جامع (النهرين) في مدينة صنعاء وفي غيره من الجوامع والمساجد، وأسس مدرسة لقراءات القرآن السبع خاصة قراءة نافع، وقد تأثر بتلاوة المقرئ (يحيى الحدائي) إمام جامع المظفر بتعز، وحاكاه في التلاوة ونبرات الصوت وتفوق على القرّاء، وتميز بنبرات صوتية غير مسبوقة. تخرج على يديه الكثير من حفظة القرآن من أشهرهم المقرئ (يحيى الحليلي)، والعديد من طلبة العلم والمنشدين. كانت حياته حافلة بالعطاء وخدمة العلم، وقد اشتهر مقرئًا من خلال إذاعة وتلفزيون صنعاء وعدد من الإذاعات اليمنية, وعبر أشرطة الكاسيت التي انتشرت حتى صار من أشهر المقرئين اليمنيين. وفي بداية الستينات بدأت إذاعة صنعاء بالنقل المباشر لصلاة الفجر يومياً من الجامع الكبير بصنعاء كل شهر رمضان، فكان صوته العذب يدوي في مآذن صنعاء ومازال حتى اليوم تسجيلات صوته تتردد في الأفق. أصيب بالمرض, وظل يعاني منه حتى مات رحمه الله تعالى عن ولدين وذلك في مدينة صنعاء يوم السبت 15 من رمضان 1419هـ. وقد رثاه الكثير من رؤوساء الدول منهم الرئيس المرحوم ياسر عرفات رئيس دولة فلسطين.. وهذه نبذة من سيرته العطرة بقلم ابن أخيه الأستاذ/ عبدالعزيز بن أحمد بن حسين عامر – أطال الله عمره – أورده في كتاب (محمد حسين عامر.. 50 عاماً في ظلال القرأن الكريم).
من المراجع التي رجعنا إليها في إعدادنا لهذا المقال: (الإعلان بنعم الله الكريم المنان في الفقه عماد الإيمان بترجيعات في العروض والنحو والتصريف والمنطق وتجويد القرأن/ تصنيف العلامة أحمد بن عبدالله السَّلمي الوصابي الشهير بالسَّانة/ تحقيق الأساتذة، محمد بن محمد عبدالله العرشي، علي صالح الجمرة، عبدالخالق حسين المغربي/المطبعة العصرية لبنان)،  (الموسوعة اليمنية)، (المدارس الإسلامية للقاضي المرحوم إسماعيل بن علي الأكوع)، (الموسوعة السكانية/ للدكتور محمد علي عثمان المخلافي)، (نتائج المسح السياحي)، (ثلاثة مقالات للأستاذ الباحث/ محمد صالح البخيتي نشرت في صحيفة صنعاء اليمن الأعداد "65، 61، 62" في شهر مايو عام 2007م)، (نتائج التعداد العام للسكان والمساكن والمنشأت للعام 2004م)، (معالم الآثار اليمنية/ للقاضي المرحوم حسين السياغي)، (مجموع بلدان اليمن وقبائلها/ للمرحوم القاضي محمد أحمد الحجري)، (معجم البلدان والقبائل اليمنية/للباحث الكبير الأستاذ/ إبراهيم بن أحمد المقحفي/ طبعة2011م)، (صفة جزيرة العرب/ للهمداني/ تحقيق القاضي المرحوم محمد علي الأكوع)،(هجر العلم ومعاقله في اليمن/ القاضي إسماعيل بن علي الأكوع)، (اليمن الكبرى/ حسين بن علي الويسي/ الطبعة الثانية 1991م)، (موسوعة للقلاع والحصون في اليمن "تحت الطبع"/ للأستاذ الباحث أحمد الغراسي)..

مديرية الحداء (2)

بسم الله الرحمن الرحيم

الثروات والكنوز الحضارية والمدن التاريخية في محافظة ذمار 

مديرية الحداء (الحلقة الثانية)
موطن "ذمار علي" وابنه "ثاران يهنعم" مؤسسي الدولة السبئية الحميرية الموحدة


                                إعداد/ محمـد محمـد عبدالله العرشي
المقدمة:
أخي القارئ الكريم.. يسرني أن أقدم لك الحلقة الثانية من مديرية الحداء ولا سيما من أبنائي الشباب الذين قد لا يعرفون الكثير عن الثروات والكنوز الحضارية والمدن التاريخية في اليمن، والتي تعرف عنها مراكز البحوث والدراسات في الغرب أكثر مما تعرفه مراكز البحوث والدراسات في العالم العربي، وأكثر مما نعرفه نحن في اليمن، للأسباب التالية:
أولاً: العزلة التي عاشها شعبنا خلال القرون السابقة، وكثرة الحروب والصراعات القبلية والسياسية، والصراعات بين الفرقاء السياسيين على من يحكم لا كيف يحكم.
ثانياً: قام أعداء اليمن باستغلال هذه التفرقات في تركيبة المجتمع اليمني التي يعرفونها وسارعوا إلى إشعال الحرائق على مستوى اليمن شماله وجنوبه وشرقه وغربه.
ثالثاً: أن ما تشهده اليمن الآن من عدوان أثم والحصار على شعبنا براً وبحراً وجواً هو ثمرة مباشرة للخلل الذي أشرنا إليه في البند ثانياً..
من أهم المعالم الحضارية والأثرية والتاريخية في مديرية الحداء
مديرية الحداء منطقة تاريخية أثرية منذأقدم العصور.. فهي تشتهر بأثارها السبائية والحميرية الضاربة في التاريخ القديم، والنقوش المسندية الأثرية التي اكتشفتها البعثات الأثرية المتتالية التي قامت بالتنقيب عن الآثار في مناطق الحداء الأثرية المتعددة، بل أن هناك آثار لم تكتشفها هذه البعثات أثناء تنقيبها ووجودها في المواقع الأثرية ولكن تم اكتشافها بعد حين أي بعد رحيل هذه البعثات، وقد قام باكتشاف بعض هذه الآثار المواطنين أبناء هذه المناطق.. وهناك الكثير من الحصون والقلاع التي ذكرها المؤرخون والكتاب في مؤلفاتهم وبحوثهم ودراساتهم.. وهنا نورد بعض من هذه القلاع والحصون والنقوش التي اكتشفت في مديرية الحداء، على النحو التالي:
1- النخلة: النخلة الحمراء هي قرية من قرى مديرية الحداء تقع إلى الشرق من ذمار على بعد (35كم)، ويحدها من الشمال قرية الزيلة ووادي وجبال النقيل، ومن الجنوب قرية الحذفة ووادي الجهارنة وجبال الصنمية، ومن الشرق جبال الحيد ووادي الحرورة، ويحدها غربًا قرية رياش ووادي وجبال علان، ومن المعروف أن اسمها القديم كان "يكلى"، يكلى هي مدينة خربة أعلى عزلة الكميم بالحداء، وتعرف الآن باسم (النخلة الحمراء)، وقد عرفها المرحوم العلامة الحسن الهمداني في كتابه "صفة جزيرة العرب" (يكلى) بأنها ضمن مخلاف ذي جره الواقعة الآن معظم أراضيها في مديرية سنحان وبني بهلول ومديرية الحدا، وتنسب إلى "يكلى بن مالك بن الحارث بن مرة بن أدد بن زيد بن عمرو بن عريب بن زيد بن كهلان بن حمير"، وفي حصن (النخلة الحمراء) يوجد بقايا من البناء يدهش الناظرين، وهو بالأحجار العظيمة (البلق) البيضاء المنجورة كأنها قطعة صابون، ويضيف القاضي المرحوم حسين بن أحمد السياغي في كتابه (معالم الأثار اليمنية) أن كل حجرة متداخلة بما فوقها وتحتها لا يقدر أحد ينتزع منه حجرة واحدة، وما كان هذا به إلا بالحريق، ويبدو أن المدينة قد تعرضت للحريق، ويشير د. أحمد فخري في كتابه "اليمن ماضيها وحاضرها" إلى أنه في عامي 1931م و 1932م في موقع النخلة حفر (Rathiens) (راثينس) بأمر ولي العهد آنذاك الأمير"أحمد" ووجد فيه آثارًا كثيرةً، كما يذكر الأستاذ "عبد الله الثور" في كتابه "هذه هي اليمن" أن الإمام المرحوم أحمد يحيى حميد الدين قبل أن يتولى الإمامة اليمن قد وجه في عام (1939م) بالتنقيب عن الآثار في الموقع، واستخرج عدة تماثيل منها التمثالين البرونزيين المعروضين في المتحف الوطني بصنعاء.
2- ومن آثار مديرية الحداء والتي استخرجت من النخلة الحمراء: تمثالا (ذمار علي وابنه ثاران): "ذمار علي" وابنه "ثاران يهنعم" كانا من مؤسسي الدولة السبئية الحميرية الموحدة أو ما عُرف في الموروث العربي واليمني بدولة (التبابعة)، وذلك في (الربع الأول من القرن الرابع الميلادي)، وكان قد سبقهما "شمر يهرعش" الذي حكم اليمن من أدناه إلى أقصاه تحت اسم ملك "سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنات"، وبعده بعدد من السنيين كرس "ذمار علي" ثم ابنه "ثاران يهنعم" ذلك الواقع الذي استمر حتى الغزو الحبشي لليمن عام (525م)؛ ومما يؤيد ذلك أن "ذمار علي" وابنه "ثاران" قد حازا على اللقب الملكي في هذه الفترة المشار إليها سابقاً حيث نقش بالخط المسند على صدري التمثالين عبارة ملكا سبأ وذي ريدان وهما "ذمار علي" وابنه "ثاران" قد أمرا بأن يصاغ لهما هذان التمثالان من البرونز، وقررا أن يقدماهما إلى أنصارهما ورجالهما من أسرة بني ذرانح وعلى رأسهم ثلاثة من كبار هذه الأسر، وهم "بأهل أخضر" و "شرح سميدع" و "ماجد"، وذلك لكي ينصب هذان التمثالان على مدخل المنتدى أو بهو الاستقبال والجلوس والمداولات أي (المسود) الخاص ببني ذرانح التابع لقصرهم المسمى (صنع) القائم في النخلة الحمراء (يكلى) قديمًا في أراضي مديرية الحداء موضع حلقتنا هذه والحلقة السابقة– وقد شرح هذا النقش وعلق عليه الأستاذ "مطهر الإرياني – أطال الله عمره"، وبصورة عامة فإن لهذين التمثالين دلائل حضارية وتاريخية كونهما يمثلان شخصيتين بارزتين في تاريخ اليمن القديم لعبتا دورًا كبيرًا في توحيد اليمن أرضًا وشعبًا، كما يبرزان أيضًا الصلات الثقافية بين حضارة البحر الأبيض المتوسط وجنوب الجزيرة العربية من خلال الكتابة القصيرة بالخط اليوناني الذي ظهر في الركبة اليسرى للتمثال. ومن المعلوم أن التماثيل من أهم الشواهد الأثرية المكتشفة، فهي تعطينا فكرة واضحة عن المعتقدات والطقوس الدينية التي كان يزاولها الإنسان القديم في عصوره السحيقة، كما أنها تطلعنا على نوعية الملابس التي كانوا يرتدونها وكيفية تصفيف شعور رؤوسهم ولحاهم، وإذا نظرنا إلى فن النحت عند اليمنيين القدماء سنجد أن أعمال النحت نفذت على مواد من الرخام والمعادن كالذهب والبرونز كتماثيل لبعض الملوك والسيدات، ومن تلك التماثيل البرونزية منها تمثال معروض في المتحف الوطني يمثل شخصًا نقش عليه اسمه، ويرجح أنه من أقدم التماثيل البرونزية التي عثر عليها حتى الآن. فالتماثيل اليمنية البرونزية (عمومًا) ذات قيمة متميزة، فهي لا تتميز بكثرتها فحسب وإنما بجودة صنعها ودقتها، وأبرز التماثيل التي عثر عليها حتى الآن هما تمثالا (ذمار علي وابنه ثاران يهنعم). عثر على هذين التمثالين عام (1931م) في النخلة الحمراء (يكلى) حيث وجدا مكسورين وقطعهما متناثرة وصادئة، وفي عام (1977م) عقدت اتفاقية بين اليمن وألمانيا الاتحادية لترميمهما ومحاولة صياغتهما كاملين (طبق الأصل)، وقد مرت عملية الترميم بثلاث مراحل أساسية هي معالجة القطع وتشطيفها، والثانية هي إعادة صب التمثالين صياغة جديدة (صورة طبق الأصل)، والمرحلة الثالثة هي إعادة التركيب، وفي أواخر سنة (1983م) أُعيد هذين التمثالين إلى اليمن وهما الآن معروضان في المتحف الوطني بصنعاء.. وقد تعرفت على تمثال ذمار علي قبل ترميمه وإرساله إلى ألمانيا الإتحادية قبل ثورة سبتمبر 1962م، حيث كان مخزوناً في مخزن بجانب دار الضيافة سابقاً المعروف الآن بالمتحف الحربي، وفي تلك الفترة عرفت من خلال اسئلتي لأبائي أن هذه التماثيل يستفاد منها في قراءة تاريخ اليمن وتاريخ ملوكه الذين حكموا اليمن قبل الإسلام، وتسألت كيف اسمه ذمار بن علي وهو من قبل الإسلام،فأفادوني بأنه سمي باسم منطقة في اليمن هي ذمار وأن اسم علي معروف ومتداول من قبل الإسلام.
3- نقوش مسندية: في 6 يوليو سنة 1986م وصلت بعثة أثرية إلى قرية طميح أو ما أسمتها البعثة الأثرية بـ(هجر طميح) وهو ما استنتجته من النقوش الأثرية التي وجدتها في هذه المنطقة، وقد رفعت البعثة الأثرية تقريرها عنها وعن سد خرشفه وأكدت وجود العديد من النقوش وأحجار المعابد في جدران القرية منها نقوش بالخط المسند على حجارة في الدار السوداء. ومن حصون المنطقة التي توجد بها نقوش مسندية قديمة: حصن نونة في قرية نونة وهي قرية قديمة وفي حصنها هذا برك للماء مقضضة وآثار قديمة ونقوش مسندية تبين تاريخ بناء الحصن كما ذكر ذلك الباحث محمد البخيتي.. وحصن ساقتين الواقع في قرية ساقتين قيل أن سبب تسميتها بهذا الإسم يرجع إلى أنه كان بها غيل كبير يسمى (غيل الكيده) ينبع من تحت جبل آثري يسمى قرن أعثم تتفرع من ساقيتين، فسميت القرية ساقتين، وهي قرية قديمة بها حصن أثري سكني مثله مثل حصن بني بدا، يضم الحصن عدة منازل قديمة وبرك وجامع، والحصن الطبيعي غير مسور حيث أنه على شاهق ما عدا مكان البابين الكبيرين الباب الأول وهو القبلي (الشمالي) يدخل منه الجمل محمل، والباب الثاني وهو الشرقي أصغر من الأول قليلاً يتم الصعود إليه عبر درج، وقد توسعت ساقتين فخرج السكان من الحصن ليبنوا منازلهم حوله ولم يعد فيه اليوم غير بيت واحد مسكون. وتوجد في سقف جامع حصن ساقتين كتابات ملونة على ألواح خشبية، وفي بيوت الحصن وجدت عدة نقوش مسندية حيث أفاد الباحث البخيتي أن أحد السكان قال أنه رأى حجرتين منقوشتين الأولى توجد حالياً في حرة جرين يقع تحت الحصن من جهة الغرب، والثانية أصبح مكانها مجهولاً فالمواطنون لا يبالون بهما.
4- بني بدا وآثارها: بنو بداء هي من قبائل الحداء وأهلهم من بني بخيت ولهم مصنعة عجيبة تعرف بمصنعة بني بداء، لها طريق واحدة منحوتة في عرض الجبل، وقد ذكر الأستاذ إبراهيم المقحفي في كتابه (معجم البلدان والقبائل اليمانية) مصنعة بني بداء أنها من حصون مشارف ذمار لبني عمران بن منصور البدائي.. وأورد بعض الباحثين أن في بني بدا أربعة مواقع أثرية: وهي قرية بني بدا العجيبة، والتي لا يوجد لها إلا طريق واحدة منحوتة في عرض الجبل، كما أن لها باب واحد كان يغلق ليلاً، وفي قرية بني بداء العجيبة جامعين الأول في جنوب الحصن في رأس الضاحة ويسمى جامع الكينعي ولعله ينسب إلى إبراهيم الكينعي الصوفي المعروف المولود في مديرية معبر من محافظة ذمار والمقبور في صعدة، وبه بعض الكتابات القديمة (يذكر الأستاذ الباحث محمد صالح البخيتي أنه كان يشاهدها في طفولته) وفي الجامع مرادم كبيرة لا تشبه أحجار الجبل نفسه وهذا يؤدي إلى استنتاج أن هذه الأحجار نقلت إلى الجامع من مكان آخر رغم صعوبة الطريق، وهو ما تسبب في دهشة الباحثين والمهتمين في هذا المجال، أما الجامع الثاني فيقع وسط القرية ويُسمى بجامع الحاج، وبركة (بريك) الجامعين مقضضة ومدرجة، وتتميز بركة جامع الكينعي بوجود ركائز حجرية عمودية من قاعتها. وذكر الباحث البخيتي في مقال له عن حصون وقلاع الحداء أن سكان بني بدا لهم عادة حميدة وغريبة فهم لا يتعاركون في موقع حصنهم هذا خوفاً من السقوط منه، بل يتواعدون للإلتقاء في المخلابة أسفل الحيد.. كما يشير الباحث البخيتي كذلك إلى أن الضيوف لا ينقطعوا عنها في كل يوم بحكم روعتها ووجود أملاك الناس بها حيث يأتوا لطيافة أموالهم.. وإلى جانب مصنعة بني بداء ذات الطريق الواحد والوحيد إليها، هنالك خربة شليل وتقع في أعلى وادي بني بدا (وادي ذنة) وتحتوي على بقايا أبنية مهدمة ومقابر، يوجد على بعض القبور كتابات إسلامية تبين تاريخ الوفاة.  وثالث هذه المواقع حيد قنبه الذي يقع في الناحية الشرقية من قرية المصنعة (بني بداء)، وهو عبارة عن حصن دفاعي شُيد في أعلى ربوة صخرية مرتفعة تطل على وادي حيكان، وللحصن مدخل واحد فقط في الناحية الشرقية، ومن المعالم الأثرية الشاخصة في القمة برك مبنية بالحجارة والقضاض أكبرها (5م) طُولاً ، (4م) عرضًا، (3م) عُمقًا ولها درج تصل إلى باطنها كما ذكر ذلك الأستاذ محمد سعد الغراسي في مشروع موسوعته عن القلاع والحصون في اليمن.. ومن آثار بني بدا خرابة الأهجر فوق بني بدا قال عنها السياغي في كتابه (معالم الآثار اليمنية) تحت عنوان (مخلاف بني بخيت): وآثار الأسواق والسكك باقية بها إلى الآن وفيها من الآثار ماجل منقور في باطن الجبل بصورة متقنة وهندسة دقيقة بحيث يمنع أي ضرر يدخل عليه من السيول التي تجتمع في هذا الماجل، وصنع خصيصاً لجمع ماء الغيول التي يسقي منها الأرض هنالك وتوجد آثار تدل على وجود جسر قديم يربط بين حصن بني بدا والأهجر يشبه جسر شهارة.
5- حصن الجاهلي: ذكر هذا الحصن ياقوت الحموي المتوفي سنة 626هـ في كتابه (معجم البلدان)، فقال: الجاهلي ضد العاقلي من حصون اليمن من مخلاف مشرق جهران.. ولم يذكر العلامة المرحوم الهمداني هذا الحصن في كتابه (صفة جزيرة العرب) ولا في كتابه (الإكليل) بأجزاءه الأربعة، وقد أشار إلى ذلك المرحوم القاضي إسماعيل بن علي الأكوع في كتابه (البلدان اليمانية عند ياقوت الحموي) فقال: فأين يقع هذا الحصن من بلاد الحداء؟ الذي نعرفه أنه في ضواحي زراجة – وزراجة إلى الشرق من جهران – بئر تسمى الجاهلي ومسجد فوقها اسمه مسجد الجاهلي وكانا منفردين الى الشمال من زراجة تحيط بهما المقابر القديمة أما اليوم فقد توسعت زراجة ووصلت إلى خلف مسجد الجاهلي، وهذا يدل على أن حصن الجاهلي في زراجة، وربما أنها لم تكن قد سميت بهذا الإسم في زمن الحموي.  وربما نستطيع القول أن الحصن الذي فوق مسجد وبئر الجاهلي هو حصن الجاهلي الذي أشار إليه ياقوت الحموي..  وذكر الباحث الأستاذ محمد صالح البخيتي أن حصن الجاهلي يسمى اليوم (المردع) وهو مقر حكومة زراجة وواضح أن الإسم جديد (المردع) فمثل هذه الأسماء المردع والرادع والزاجر ونافع كانت تطلق في اليمن على السجون في عهد الأئمة، ويقع الحصن هذا في تبة متوسطة الارتفاع مسورة بسور مرتفع من جميع الجهات يحوي المبنى الرئيسي المكون من ثلاثة أدوار وقد هدم وأعيد بنائه من دورين فقط بعد ثورة 26 سبتمبر 1962م وله ملحقات قديمة مكونة من ديوان المواجهة والنوب وغرف الحرس الفردية والجماعية والسجن، وباب الحصن مدرج ومتجه إلى الجنوب. أما مقر الحكومة القديم فقد كان في جنوب غرب مدينة زراجة القديمة، وهو مكون من ثلاثة أو أربعة أدوار، وقد دمر ليلاً بألغام بعد حرب زراجة التي وقعت في سنة 1966م بعد قيام الثورة ومات فيه عدد من الأطفال والنساء، وموقعه الآن إلى الجنوب من الجامع الكبير الذي جدد وأزيلت صومعته، وقد أقيم في مقر الحكومة حالياً حوانيت لم تكتمل، كما أقيم على حوشه الجنوبي بيت بسيط لأحد جنود الحداء. ويوجد نفق قديم موصل ما بين المردع (حصن الجاهلي) وبئر ومسجد الجاهلي كما يتفرع هذا النفق إلى نفقين أحدهما متجه نحو مدينة زراجة وقد اكتشفت غرف تفتيش نافذة منه إلى سطح الأرض المؤدية إلى رزاجة.
من المراجع التي رجعنا إليها في إعدادنا لهذا المقال: (الإعلان بنعم الله الكريم المنان في الفقه عماد الإيمان بترجيعات في العروض والنحو والتصريف والمنطق وتجويد القرأن/ تصنيف العلامة أحمد بن عبدالله السَّلمي الوصابي الشهير بالسَّانة/ تحقيق الأساتذة، محمد بن محمد عبدالله العرشي، علي صالح الجمرة، عبدالخالق حسين المغربي/المطبعة العصرية لبنان)،  (الموسوعة اليمنية)، (الموسوعة السكانية/ للدكتور محمد علي عثمان المخلافي)، (نتائج المسح السياحي)، (ثلاثة مقالات للأستاذ الباحث/ محمد صالح البخيتي نشرت في صحيفة صنعاء اليمن الأعداد "65، 61، 62" في شهر مايو عام 2007م)، (نتائج التعداد العام للسكان والمساكن والمنشأت للعام 2004م)، (معالم الآثار اليمنية/ للقاضي المرحوم حسين السياغي)، (مجموع بلدان اليمن وقبائلها/ للمرحوم القاضي محمد أحمد الحجري)، (معجم البلدان والقبائل اليمنية/للباحث الكبير الأستاذ/ إبراهيم بن أحمد المقحفي/ طبعة2011م)، (صفة جزيرة العرب/ للهمداني/ تحقيق القاضي المرحوم محمد علي الأكوع)،(هجر العلم ومعاقله في اليمن/ القاضي إسماعيل بن علي الأكوع)، (اليمن الكبرى/ حسين بن علي الويسي/ الطبعة الثانية 1991م)، (موسوعة للقلاع والحصون في اليمن "تحت الطبع"/ للأستاذ الباحث أحمد الغراسي)، (نيل الوطر من تراجم رجال اليمن في القرن الثالث عشر الهجري/ محمد بن محمد زبارة الصنعاني/ مركز الدراسات والبحوث اليمنية)، (نفحات العنبر في أعيان القرن الثاني عشر/ إبراهيم بن عبدالله الحوثي/ مؤسسة الإمام زيد بن علي)..
alarachi2012@yahoo.com

مديرية الحداء (1)

بسم الله الرحمن الرحيم

الثروات والكنوز الحضارية  والمدن التاريخية في محافظة ذمار 

مديرية الحداء (الحلقة الأولى)
قلاع وحصون تعانق السماء وتحاكي قدم التاريخ

                                إعداد/ محمد محمد عبدالله العرشي
المقدمة:
أخي القارئ الكريم... ولاسيما أبنائي من الشباب، لقد عودتك في حلقاتي السابقة أن أقدم لك نبذة مختصرة عن عَلَم من أعلام اليمن الكبار في المنطقة التي أتناولها في صحيفة الثورة الغراء، وعلمُنا في هذه الحلقة من مديرية الحداء هو القاضي الذي جمع بين رئاسة الوزراء والقضاء/ يحيى بن صالح بن يحيى الشجري الصنعاني التي تنتسب أسرته إلى مديرية الحداء من محافظة ذمار المولود في ولد في الرابع والعشرين من ذي الحجة سنة 1134 ال
موافق 5/10/1722مـ في مدينة صنعاء ولقد تولى القضاء الأكبر وعمره سبعة عشر سنة، ولقد استشهد الإمام المرحوم المنصور عندما ولى المترجم له بالآية الشريفة بقوله تعالى (يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً) سورة مريم آية12(، وكان المرحوم الإمام  المنصور الحسين ينشر فضائله ومناقبه ومزاياه في المواقف.. وقد ترجم له المرحوم المؤرخ محمد بن محمد زباره في كتابه (نيل الوطر من تراجم رجال اليمن في القرن الثالث عشر) فقال عنه: كان في الذكاء آية باهرة وفي الحفظ معجرة ظاهرة، متفرساً في الأحوال خابراً للأمور، متوسماً في القضايا، وقد استشهد بقوله:
يدري بما بك قبل تخره به

من ذهنه ويجيب قبل تسائله

واستطرق في ترجمته أنه تحدث بأخباره الركبان، وتناقلت أحواله أبناء الزمان، وتشرفت بذكره المحابر، وخُلدت حوادثه في الدفاتر، نوادره مستظرفه وأحواله محفوظة عن أخل المعرفة، واستشهد بقول الشاعر:
ملأ الزمان رياسة وسياده

وحكومة ووزارة وعلاء

والدليل على علم وفضل ومقدرة المترجم له أنه لما مات لم يسد محله إلا شيخ الإسلام محمد بن علي الشوكاني. وقد ترجم له مؤلف (نفحات العنبر) فقال: أقضى قضاة الزمان، وآجل النبلاء والأعيان، وأعظم الرؤساء، وواسطة عقد الوزراء، جمع أشتات الفضائل، وحوى جميع الكمالات، من العلم والرياسة، وحسن الخلق والكرم، والمروءة وشرف النفس، والنجابة والسيادة، والشجاعة وثبات الجأش، وجودة الرأي، والدهاء والحذق، وحسن النظر في الحكومات وحسن التدبير في فصل الخصومات والواردات الدولية والسياسات والنظر في المصالح العامة والخاصة، وأجرى القوانين الكلية على أفضل أوضاعها، مع ذلاقة لسان، وبلاغة معنى، وفصاحة لفظ، وجزالة قول،..الخ. وقد توفي بصنعاء في يوم الأربعاء غرة رجب 1209هـ الموافق 1794م ودفن بالسعدي جنوبي صنعاء عن عمر 74سنة..
فيا أبنائي الشباب.. إن هذه الشخصية تحتاج منكم إلى دراسة حياته وتأثيره في تاريخ الإدارة والسياسة والقضاء في اليمن..
مديرية الحداء
تقع مديرية الحداء في محافظة ذمار في أقصى شمالها الشرقي، يحدها من الشمال مديريات: الحصن وبني ضبيان وبلاد الروس (محافظة صنعاء)، ومن الجنوب مديرية ميفعة عنس، وكذلك مديريتا: ولد ربيع والقريشية (محافظة البيضاء)، ومن الشرق مديريتا بني ضبيان والقريشية، ومن الغرب مديريتا جهران ومدينة ذمار، ومحافظة صنعاء (مديرية بلاد الروس). وتبلغ مساحة المديرية 1627كم2، وعدد سكانها143.100نسمة. وتعتبر مدينة زراجة هي عاصمة المديرية. تضم المديرية (191) قرية تشكل بمجموعها 29 عزلة هي: أعماس الجبل (الأعماس: منطقة كبيرة في بلاد الحدا، النسبة إليها: عُميسي. وهي تضم من القُرى: هضبة بني عامر، هضبة العبادلة، بيت دريب، بيت الجشوش، رخمه، الشواذب، ضلاع الأعماس، بني مهدي، الحُصن، بني سبأ، سيلة التام، وغير ذلك.)، بني جميل، بني حديجه (بضم فتح فسكون. مركز إداري في بلاد الحدأ. من محلاته: المكحل، بيت هارون، المدقه، الحاجب، وريزه، الحَطَمه. وهي محلات فيها آثار قديمه، ومن ذلك نفق ينفذ إلى بلاد عنس كان يُستعمل لتسيير سيول الأمطار وسقي الأراضي الزراعية.)، بني زيدان، بني عبس، بني عيسى الصهيد، بني فلاح (من قبائل الحدا في شمال مدينة ذمار. وأهم قراهم: المشور – بني عواض – بيت الأشبط.)، بني قوس، بيت أبو عاطف، ثوبان (قرية ومركز إداري من مديرية الحداء وأعمال ذمار. فيها آثار قديمة أشهرها خرائب قصر "بينون" الحميري. كما أن فيها وادي النصله الذي يقع أسفل جبل النقوب.)، الجردة، الرشدة، زراجة (بكسر ففتح. مدينة في الحداء، تبعد عن معبر شرقاً بنحو 13كم. وهر مركز إداري من بلدانه: يِكار ومحضر وساقتين. وهي عاصمة مديرية الحدا. وكانت زراجة قد تهدمت بعض منازلها في أول القرن الرابع عشر عندما كانت ساحة للقتال بين القوات التركية وبين المناهضين لهم من اليمنيين. كما أن زلزال ديسمبر 1982م قد أحدث فيها الكثير من الدمار.)، سلبة بني بخيت (بضم ففتح فسكون. منطقة مشهورة في بلاد الحداء، تبعد عن مدينة ذمار – شمالاً بشرق – بمسافة 50كم. وهي منطقة غنية بالآثار القديمة وإليها ينسب المشائخ "آل البخيتي" نذكر منهم: الشيخ علي بن عامر البخيتي من رجال القرن الثالث عشر الهجري. والشيخ ناصر بن صالح البخيتي من رجال القرن الرابع عشر الهجري.)، السواد، الشبطان، ضلاع الأعماس، طميح، العابسية (مركز إداري في الحداء. من محلاته: العمَّاريه التي ينسب إليها بيت العَمْرِي، وقرية بني شِجْرِه التي ينسب إليها بيت السحولي الشِجري، وينسب إليها القاضي العلامة المرحوم يحيى بن صالح بن يحيى الشجري الصنعاني الذي ترجمنا له في مقدمة مقالنا هذا عن الحداء.)، عبيدة السفلى، عبيدة العليا، كلبة محذرة، الكميم (بضم ففتح فسكون. مركز إداري من مديرية الحدا وأعمال ذمار. يبعد عن مديرية معبر شمالاً بمسافة 17كم. يشمل من القرى: قهلان، الجهارنه، الزيله، شباعه، بيت رياش، بيت الديلمي. وفي الأخيره طائفة من سلالة الإمام أبو الفتح الديلمي. وتشتهر بلاد الكُميم بنها تحتوي على الكثير من الآثار الحميرية، ومن ذلك: النخلة الحمراء أو ما أورده الهمداني باسم يكلا. ومنها سد الكميم الذي ما زالت آثاره باقية إلى اليوم.)، كومان سنامة، كومان المحرق (كومان: بفتح فسكون ففتح. مركزان إداريان من مديرية الحداء وأعمال ذمار، هما: كومان سنامه، وكومان المحرق. قيل أن نسبتهما إلى: كومان بن ثابت من آل ذي حَسَّان ذي الشّعيب. وهما منطقتان غنيتان بالآثار القديمة.)، المغادية (بلدة ومركز إداري من مديرية الحدا، من محلاتها: قاع البُراق، الحظائر الحمراء، غُوَل السوس.)، الملحاء (قرية ومركز إداري من مديرية الحدا في شمال ذمار. من بين قراه: الأوضان، بني بَدا، الهرمه، بني شرهان، دحقه، الخليف، وغيرها.)، النصرة (مركز إداري من مديرية الحدا. من بلدانه: قرية المشاخره، جرشب بني محمد علي، دار الحاجب، جريد، الوتده، الخرابه، وغيرها.)، نيسان (بلدة ومركز إداري من مديرية الحدا. تقع شرقي زراجه. ومن محلات المركز: دار الحجر، المصنعه، دومان، الطلحه، العفاره، الرباط، نجد العليا، وغيرها.)..
والحداء مديرية وقبيلة في الجنوب الشرقي من ذمار بمسافة (31 كم)، ينسبها الإخباريون إلى "الحداء بن مراد بن مالك " وهو "مذحج بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ "، وتقع مديرية الحداء فيما بين سهل جهران غربًا وخولان العالية شمالاً وعنس جنوبًا وناحية الخوبة وبني ضبيان من خولان شرقًا، وبينهما عزلة بني بخيت وعزلة الكميم وعزلة بني قوس وعزلة زراجة وعزلة ثوبان وعزلة كومان وعزلة بني جميل وعزلة عبيدة العليا والسفلى، وكل عزلة تشمل جملة بلدان وقرى ومزارع، ومركز مديرية الحداء في (زراجة)، ومياه الحداء تسيل جميعها في مأرب، والحداء من البلدان الحميرية ذات الآثار.. وفي الحداء حصون ومواقع حميرية أثرية مشهورة منها: بينون في مخلاف ثوبان، والنخلة الحمراء في مخلاف الكميم، وفيها عثر عام 1350هـ 1933م على تمثال "ذمار علي" ملك سبأ وذي ريدان المحفوظ الآن بالمتحف الوطني بصنعاء. وقد وصف بعض مناطقها شاعرها الشعبي المشهور علي بن زايد.. وإلى بردون منها ينسب الشاعر الراحل الكبير الأستاذ عبدالله البردوني. ومن الأخبار – غير المؤكدة – ما ذكره عن الحدا المؤرخ ابن الوزير (1045 – 1090هـ/ 1635 – 1680م) الذي ذكر في طبق الحلوى (حوادث سنة 1046هـ – 1636م) "وفيها خرج  الحدا عن مذهب الشافعية إلى مذهب الزيدية" مضيفاً: "ولتقارب الديار أثر في هذه القضية".
من أهم القلاع والحصون والمعالم والكنوز الحضارية والأثرية والتاريخية في مديرية الحداء
ومن أهم المعالم الأثرية والتاريخية والقلاع والحصون في مديرية الحداء التالي:
1- حصن مفتاح: معلم بارز من معالم الحداء يقع في شمال شرق قرية الملحاء، يبلغ ارتفاعه عن سطح قرية الملحاء الواقعة إلى الغرب منه حوالي 200متر، أما عن عين ماء الحذاة الواقعة إلى الشرق منه فيبلغ ارتفاعه حوالي 300 متر.  وفيه برك صغيرة للماء منحوتة مقضضة ومدرجة إلى أسفلها. ذكر  ذلك الأستاذ/ محمد صالح البخيتي في مشروع كتاب عن (الحداء) لم يطبع بعد.
2- حصن قهلان : حصن يقع في منطقة الكميم مديرية الحداء محافظة ذمار.
3- يفعان : حصن يقع في عزله السوادة من ريمه مديريه الحداء وهي عبارة عن خرائب وقد شيد الحصن في رأس ربوة مرتفعه , ويطل على واديين رئيسيين هما وادي محذره ووادي قاع السوادة الذي يربط بين عنس والحداء لما مات الحسن بن سلامه تغلب عليه بنو الاشبط وفي سنه 402هـ خط أمير الصليحي على الحصن ونزل منه واليه حسن الاشبطي مع ما يملك وطلعه الصليحي وعمره عمارة جيده في سنه 405هـ استولى عليه سيف الإسلام قهراً وولى عليه الملك المسعود على بن رسول سنه 570هـ.
4- دار ثومه: ويقع في جبل الأعماس مديريه الحداء محافظه ذمار وتبعد عها بحوالي 35كم شرقاً ,وهو حصن اثري قديم.
5- قصر الصبايا:وقصر الصبايا يسمى في النقوش مدينة (أبون)، وهو من ملحقات النخلة الحمراء وقريب منها بمسافة لا تزيد عن اثنين كم جنوب غرب، على سفح جبل عرعر الشمالي الشرقي، على ارتفاع حوالي اربعين متر من سطح الأرض الشرقية، وعلى جبل عرعر هذا تقع من الجهة الأخرى قرية يكار الأثرية وكان جدار قصر الصبايا الشمالي قائماً إلى وقت قريب على ارتفاع حوالي خمسة أمتار وكانت بوابته مع سقفها مكونة من قطعة حجر واحدة، ومغلقة الباب حجر لا يقدر على حملها رجلان، أما سبب تسميته فيقال أن صاحبه كان رجلاً ملكاً من ملوك الدولة السبائية في اليمن وكان يتزوج كل يوم بصبية ولذلك سمي "قصر الصبايا" وقد وصفه هو والنخلة الحمراء الأستاذ عبدالله الكميم في كتابه التاريخي، ولا شك أنه أكثر المؤرخين معرفه به وبالنخلة الحمراء لكونه من أبناء المنطقة، إلا أننا نرجح أن القصر سمي بهذا الإسم لأنه كان بالفعل قصر الصبايا، والصبايا قد تكن نساء القصر أي نساء الملك والسبايا والإماء، أي أن تسميته بهذا الإسم لا يعني بالضرورة أن الملك كان يتزوج كل يوم بصبية، ويقال أنه يوجد نفق يمتد منه إلى موقع النخلة الحمراء القريبة منه.
6- الحذفة: والحذفة إلى الجنوب من النخلة الحمراء، قرية صغيرة مسكونة إلى التاريخ بها آثار عظيمة وبها من الآثار الإسلامية مسجدها المتقن البناء والمزخرف سقفه بما يشابه جامع صنعاء..
7- حصن يكار: تقع يكار إلى الجنوب الشرقي من نقيل يسلح كانت تعرف باسم "يكاران" وفيها حصن بالقرب من قرية الزيلة والنخلة الحمراء ومعالمها الأثرية عبارة عن بقايا خرايب ومباني متناثرة. وفيها عثر على نقش مسندي في مسجد يكار القديم، وكسر إلى قسمين نقلاً إلى المسجد الجديد الذي بني سنة 1984م، وهما في الركن الجنوبي الغربي من المسجد الجديد كما أشار الأستاذ مطهر الإرياني إلى ذلك بعد انتقاله إلى مكان النقشين بتاريخ 19/8/1984م، وقال أنه وجد الجزاين في ركن الحامع الجديد، الجزء الأكبر منهما مقلوباً ويتجه ظاهره غرباً والثاني يتجه جنوباً وقدر طول النقش قبل الكسر بحوالي متر، وعدد أسطره ثلاثة سور فقط. وقد ذكر في شبكة الإنترنت التي نستقي بعض معلوماتنا هذه منها قصة الثور الذي تمطروا به في الملحاء ووقع المطر في يكار وقد ذكرناه عندما تحدثنا عن غزوة يكار والحادثة وقعت سنة 1308هـ.
8- حصن الذراع: ويقع في قرية الذراع شمال زراجة، ويعتبر قلعة عسكرية طالما تنافست القوى الحربية عليها في سنة 977هـ وفي سنة 1036هـ أثناء الفتح العثماني الأول، وكذلك في الفتح الثاني، وبه نقوش حجرية قديمة وبرك ماء مقضضة، ومما وجدناه عن الذراع في المراجع التاريخية مايلي:
- في إمامة شرف الدين وصراعه مع الأتراك قال المؤرخ قطب الدين النهراولي "وفي سنة 977هـ ارتحل الوزير مع العسكر السلطاني والجيش المظفر الخاقاني من ذمار فوصل بعد ثالث مرحلة إلى محل يقال له ذراع الكلب وعر صعب في غاية الوعورة والشدة والذعورة وهو (دربند) بين جبلين شاهقين هما مأوى المفسدين وقطاع الطريق من الزيديين فرتب حضرة الوزير هناك مقدمه وساقه وحصل على اليمنيين والشمال من يحفظ السبيل ورستاقه وعين في كل موضع ما يليق ورتب فجاج الطريق كثير من الأحمال وتعب فيه العسكر تعباً شديداً ولاقوا تعباً زايداً عديداً وسمهم الله تعالى وله الحمد على لطفه الذي تواتر وتوالى وتأييده الذي أنزل إليهم امداداً امداده إرسالاً وبعد المرحلة الثالثة من ذراع الكلب وصل حضرة الوزير وجميع العسكر المنصور إلى صنعاء في يوم الإثنين المبارك حادي عشر شهر صفر الخير سنة سبع وسبعين وتسعمائة".
- في زمن خلافة الإمام المؤيد محمد بن القاسم قال المؤرخ الجرافي في المقتطف من تاريخ اليمن: وهو يتحدث عن سنة 1036هـ "ووصلت قبائل خولان إلى نهم وتقدم بهم الحسن بن الإمام الإمام القاسم بن محمد إلى جبل اللوز من بلاد خولان فاستفتح القلعة التي كان بها الأتراك وتوجه إلى محل الأبيض وهو شرقي الذراع قاصداً قطع طريق اليمن إلى صنعاء وحاصر الأمير سنبل ومن معه من عسكر الأتراك في قلعة الذراع" وخرج الأمير سنبل من قرية الذراع إلى ذمار، وفي انتصارات الحسن بن القاسم أنشد السيد محمد بن علي شمس الدين منها ما جاء على الانتصارات في الذراع. فقال:
وسطوت في يوم الذراع فشاهدوا

طول الذراع من المخافة ميلا

شمرت من أرض الذراع فككت من

قد كان في أيدي الخطوب غليلا

- أما الكبسي في اللطائف السنية فيقول: وفي سنة 1036هـ كان الامير صيد قد جهز الأمير سنبل على قبائل الحداء فقتل فيهم وأسر لخلاف جرى منهم فوصلوا إلى الإمام ومعهم جماعة من خولان الطيال يتشكون ما صدر فيهم فقال الإمام أنتم دخلتم في صلح الأتراك وليس لنا أن ننصركم، ثم عزم الأمير سنبل راجعاً إلى ذمار واستولى الحسن على قلعة الذراع وكانت الأتراك محطة في القبتين.
- أما المؤرخ جحاف فيقول: وفي هذه السنة 1223هـ اختل أمر الحداء وانتقص فقتلوا كل مسافر وقتلوا كل تاجر وسار بها خمسة عشر نفراً فقتلوهم عن أخرهم واخذوا ما معاهم وسلبوا قافلة كانت مقبلة عليها أموال جزيلة، وساروا إلى الذراع وقتلوا به الطالع والنازل وكانت تعد قتلاهم في كل يوم اثنى عشر رجلاً ثلاثة عشر أربعة عشر إلى عشرين ورأى أهل ضوران ما صنع أهل الحداء فتشددوا في الفساد وانتهبوا من طرق عديدة. ..
9- حصن الكميم: يقع حصن الكميم  ما بين بني مسلم وسد الكميم وقهلان والوسط والهجرة، وهو حصن حميري تاريخي قيل أنه كان معسكراً من معسكرات دولة حميرن ويقال في تحديده: غربيه الميح وشرقيه الصدح، والميح هو منفذ خروج الماء من سد الكميم (المنسح)، أما الصدح فهو وادي زراعي إلى الشرق من السد، وكان حصن الكميم يشكل حاميه عسكرية عثمانية طالما تصارعت عليها مع المقاومة اليمنية في الفتح العثماني الأول والثاني، بنيت هذه الحامية على أنقاض الحصن القديم، يتم الصعود إليه عبر طريق متعرج مرصوف بالحجارة من الناحية الغربية، يحيط بالموقع سور تدعمه أبراج دفاعية أسطوانية، شيدت هذه القلعة بالأحجار الضخمة وفي الكتف الشرقي لهذا الموقع حوض ماء مقضض أبعاده 8×4 متر وعمقه 2.2متر. يقول الخررجي في العقود اللؤلؤية في تاريخ الدولة الرسولية ص64: (وفي سنة 637هـ تسم السلطان نور الدين جصن الكميم وطلع صنعاء مرة ثانية). حصن الكميم تتصل به مباشرة أو قريبة منه سلسلة جبال أهمها حيد الصورق الواقع ما بين بني مسلم والوسط وقهلان (ويمر من سفاله الجنولي نقيل العصبي) الذي قيل فيه:
حيد الكميم ما أحلاك في علاوك

جاتك رفاد تقليك من سفالك

من المراجع التي رجعنا إليها في إعدادنا لهذا المقال: (الإعلان بنعم الله الكريم المنان في الفقه عماد الإيمان بترجيعات في العروض والنحو والتصريف والمنطق وتجويد القرأن/ تصنيف العلامة أحمد بن عبدالله السَّلمي الوصابي الشهير بالسَّانة/ تحقيق الأساتذة، محمد بن محمد عبدالله العرشي، علي صالح الجمرة، عبدالخالق حسين المغربي/المطبعة العصرية لبنان)،  (الموسوعة اليمنية)، (المدارس الإسلامية للقاضي المرحوم إسماعيل بن علي الأكوع)، (الموسوعة السكانية/ للدكتور محمد علي عثمان المخلافي)، (نتائج المسح السياحي)، (ثلاثة مقالات للأستاذ الباحث/ محمد صالح البخيتي نشرت في صحيفة صنعاء اليمن الأعداد "65، 61، 62" في شهر مايو عام 2007م)، (نتائج التعداد العام للسكان والمساكن والمنشأت للعام 2004م)، (معالم الآثار اليمنية/ للقاضي المرحوم حسين السياغي)، (مجموع بلدان اليمن وقبائلها/ للمرحوم القاضي محمد أحمد الحجري)، (معجم البلدان والقبائل اليمنية/للباحث الكبير الأستاذ/ إبراهيم بن أحمد المقحفي/ طبعة2011م)، (صفة جزيرة العرب/ للهمداني/ تحقيق القاضي المرحوم محمد علي الأكوع)،(هجر العلم ومعاقله في اليمن/ القاضي إسماعيل بن علي الأكوع)، (اليمن الكبرى/ حسين بن علي الويسي/ الطبعة الثانية 1991م)، (موسوعة للقلاع والحصون في اليمن "تحت الطبع"/ للأستاذ الباحث أحمد الغراسي)، (نيل الوطر من تراجم رجال اليمن في القرن الثالث عشر الهجري/ محمد بن محمد زبارة الصنعاني/ مركز الدراسات والبحوث اليمنية)، (نفحات العنبر في أعيان القرن الثاني عشر/ إبراهيم بن عبدالله الحوثي/ مؤسسة الإمام زيد بن علي)..
alarachi2012@yahoo.com