الاثنين، 25 أبريل، 2016

تعريف بكتاب (دفاتر الأيام)

بسم الله الرحمن الرحيم

تعريف بكتاب (دفاتر الأيام)للأديب والشاعر الكبير المرحوم/ فضل النقيب

أخي المتصفح لصفحتي في شبكة التواصل الإجتماعي؛ يسرني أن أقدم لك في هذه الصفحة نبذة عن كتاب (دفاتر الأيام) للأديب والشاعر الكبير المرحوم/فضل النقيب(1944 – 2012م)، وقد قدم له الأستاذ/ خالد عبدالله الرويشان وزير الثقافة في ذلك الوقت على الغلاف الخلفي، بقوله:
(يطوف معك فضل النقيب في حديقته المنظومة، ويطير بك في آفاقه المنثورة، فلا يبلغك ملل، ولا ينال منك كلل.
ثائرٌ باهرُ، وشاعر ساحر. يقطر شفق حنينه عذوبة منغمة، وحميا إشراقاته إكسيراً للحياة، وهو يفعل ذلك، كي تجلجل بحة صوته الرائعة بضحكة النسيان! يا لهول ما رأى الشاعر، وغرائب ما عاين! كيف استطاع أن يحيل الحرائق إلى ضوء، وحمرة الألم إلى شفقٍ أخّاذ، وأن يجعل من العمر ساعة تَجّلٍ وتملٍّ لبارق ذاك الضوء، ووقفة جلال وإجلال لذاك الشفق؟
فضل النقيب.. رقة شاعر، وموسوعية مثقف، وشغف فنان، وأريحية زعيم!)
ومن خلال استعراضي للكتاب المذكور، وجدت فيه معلومات سياسية مهمة عما كان يجري في عاصمة اليمن الاقتصادية (عدن) قبل الوحدة، وعن المرحوم/ سالم ربيع علي (1935 – 1978م)، والمرحوم/ عبدالفتاح إسماعيل (1938 – 1986م)، ومعلومات أدبية لبعض الشخصيات مثل: المرحوم/ محمد سعيد جراده (1926 – 1991م)، وعن المرحوم/ عمر الجاوي (1938 – 1997م) وقصة زواج عمر الجاوي من ثريا منقوش (المولودة عام 1946م)، ومعلومات أدبية عن المرحوم/ صالح الدحان (1940 – 2012م) وقضية انتقاله إلى صنعاء، والصراع بين الشيوعية الماركسية والصينية..
والكتاب يتكون من (120) صفحة من القطع الصغير، وهو من إصدارات وزارة الثقافة عام 2006.
وأنت أخي القارئ الكريم المتصفح لصفحتي على الفيس بوك، عليك الرجوع إلى هذا الكتاب والاستفادة منه..
وقد رأيت أن أنقل إليكم، كوجبة ثقافية خفيفة، مليئة بالفائدة في طيات سطورها القليلة، كنموذج ربما يثير الشغف لديك أخي القارئ الكريم للبحث عن هذا الكتاب واقتنائه، وقراءة ما غاب في هذه السطور والذي سيكون أكثر فائدة وأوسع. ومن خلاله تستطيعون أن تعرفوا ما جنته الثقافة الغربية التي غرسها الإنجليز في جنوبنا المحتل، والثقافة الماركسية التي غرسها الاتحاد السوفيتي، والصراع بين الأجنحة اليسارية التي تنتمي إلى موسكو أو التي تنتمي إلى بكين..
وبعد استعراضك لمقالي هذا وكتاب (دفاتر الأيام) أليس من حقنا أن نعرف طبيعة الأخوة في مدينة عدن في ذلك التاريخ وتكوين الدولة بعد رحيل المستعمر البريطاني حتى يسهل علينا التعامل مع أخواننا في الجنوب، وفي المشهد السياسي الحالي.. أليست الوحدة اليمنية كانت إنقاذ لهم.. فيا أخواننا أبناء الجنوب لا تحولوا الوحدة اليمنية نقمة علينا نحن أبناء الشمال..

هكذا كان عمر الجاوي
-      قصة تعيين المرحوم عمر الجاوي مديراً عاماً للإذاعة والتلفزيون:
حكى الأستاذ/ فضل النقيب في الكتاب الذي نُعرف به في هذا المقال، أنه في صباح يوم استثنائي كان مختلفاً، فقد هبط على متن سفينتنا (الإذاعة والتلفزيون) التي كانت تترنح تحت القصف والقصف المضاد للنفوس المتنمرة والأرواح المتوثبة، والمصالح المتقاطعة، نورس بالغ الجمال وربان مقاتل من الطراز الأوّل، هو (عمر الجاوي) الذي عيّن مديراً عاماً للإذاعة والتلفزيون، ولم يكن من الحزب الحاكم، كما لم يكن موظفاً عاماً يمكن أن يؤمر فيأتمر، لذلك فقد هيّأ مسرح القتال منذ لحظة هبوطه، ولم نعرف معه طعم الراحة أبداً، ولكننا عرفنا مجد التحدي وتعلمنا فنون الاقتحام… تقول له: هذا جبل يا عمر، فيقول لك: عيب، حد نظرك.. انا ابن عبدالله، هذه غيمة هشة دق راسك براسها، وحين تعود إليه بدمّك يقول لك: “هكذا الرجال، ذي ما يكسر ظهرك، يقوّيك”.
عمر الجاوي الذي درس في طنطا وموسكو، وكان زعيماً طلابياً بارزاً وأحد أبرز قادة الدفاع عن صنعاء في حصار السبعين يوماً، كان رجلاً قصير القامة برأس أصلع وعينين مغناطيسيتين جاحظتين، وصوت جليل حين يتكل بأداء موسيقي أخاذ مطرز بالشعر والحكم والأمثال الشعبية، كان يسارياً باللسان، شعبياً تراثياً بالوجدان، إنسانيا في الأعمال، إنه بالضبط الذي عناه الشاعر بقوله: ترى الرجل النحيف فتزدريه / وفي أثوابه أسدٌ هصور.
قام الجاوي دون الرجوع إلى الوزير والوزارة بتشكيل مجلس للإذاعة والتلفزيون، وعيّنني نائباً له ومديراً للإذاعة (دون معرفة سابقة، ودون استحقاقات مالية) وكان أول قرار اتخذه حرمان نفسه من راتب المدير العام، والتنازل عن صلاحياته المالية للمسؤول المالي (عيب نوسّخ أنفسنا بالفلوس) ثم اقذفوا بكتّاب التقارير ولصوص المهنة في الشارع، فإن لم تستطيعوا فأقفلوا عليهم في الغرف الخلفية المظلمة…
وهكذا دخلت مع عمر الجاوي في نفق لم أكن أعرف ما ينتظرني فيه، ولكنه كان مليئاً بالإثارة والتحديّ والكبرياء، فإذا كنت مع (العميد) في قلب زوبعة، فإنني مع (الجاوي) على جناح عاصفة لا تهدأ ليل نهار.
في أول اجتماع للمجلس الجديد للإذاعة والتلفزيون بعدن والذي ذكرت بالأمس أن (عمر الجاوي) شكّله دون الرجوع إلى وزير الإعلام آنذاك (المرحوم/ عبدالله الخامري) ودون أن يحفل قليلاً أو كثيراً باللوائح، تمكن عضوا المجلس (علوي السقاف) و (خالد محيرز) من إقناع عمر بعدم التنازل عن صلاحياته المالية لأن (المال عصب العمل، وأهم سلاح في يد المدير العام) وكذلك فيما يتعلق براتبه (فلك الحق أن تتبرع به أو تفعل به ما تشاء ولكن ينبغي أن تقبض الراتب وحسب الأصول).
خلال الاجتماع جاءنا من يقول أن الملحق الثقافي في سفارة ألمانيا الديمقراطية ينتظر مقابلة المدير العام، فإذا بالجاوي يقفز مثل (الجني) إلى الباب ليمنعه من الدخول، كيف سمحت لنفسك أن تأتي بلا موعد؟ ثم ما هذه الأشرطة التي تحملها؟ شرح الألماني تحت وقع الصدمة والمفاجأة أنه مرسل من مكتب الوزير، وهذه الأشرطة التلفزيونية هي لتعليم اللغة الألمانية بناء على اتفاق موقع على أعلى المستويات….
خرج الجاوي عن طوره وطلب من أحد الموجودين إخراج الأشرطة خارج الغرفة: “دعني ألقن هذا الخبير درساً، يا حضرة الملحق الألماني، إن شعبنا يرغب في أن يتعلم لغته العربية الفصحى، ونحن في سبيل الإعداد لذلك على أشرطة مثل أشرطتك، ثم سنعلّمه اللغة الإنجليزية، وهي اللغة الثانية في هذا البلد، وأظنك تعرف أن عدن كانت مستعمرة إنجليزية حتى ما قبل 3 سنوات، وبعد ذلك سنعلّه اللغة الروسية، اللغة الأم للمعسكر الاشتراكي التي أجيدها أنا وأنت، وعندما يتقن شعبنا هذه اللغات الثلاث تماماً، فستفكر في مشروع تعليم اللغة الألمانية.. عد إلى الوزير وقل له أن (عمر الجاوي) يقول إن اللغة الألمانية لن تمر إلاّ على جثته”.
بهت الألماني الذي لم يتعود مثل هذه اللغة، فانسحب دون أن ينطق بكلمة، وكان هذا الموقف العامل الثاني من عوامل الحرب بين مجلس إدارة الإذاعة والتلفزيون ومديرها العام وبين الوزارة ووزيرها.
لم يكن الجاوي يملك سيارة، وفي الوقت نفسه يرفض استخدام سيارات الإذاعة والتلفزيون، وكنا في طريقنا إلى الشارع عقب الاجتماع للبحث عمّن يقلّنا على طريقة (الأوتوستوب) فصادفنا (ضرار عبدالوهاب) مراقب البرامج الذي أوقفه الجاوي عن العمل منذ أول يوم وهو رجل خطير له أبعاد وأعماق، فخاطب الجاوي بقوله: “باين عليك ناوي (تعصدها)” فقال الجاوي: “أيوه… ولكن في بطنك”.
أول ما وقفنا على الرصيف توقفت لنا سيارة، ولدهشتي كانت سيارة (العميد) عبدالوهاب الباري الذي لم أره منذ عدة أشهر، والذي انفجر أول ما شاهد الجاوي: “أنا يا عمر يشنّعوا عليّ ويسمّوني (عبدالقات عبدالبوري) (رأس النرجيلة)”… أخذ عمر في تهدئته بينما العميد يدوس على (البريك) و (الكلاتش) في ضربات سريعة متتابعة.. .طيب على كيفك، مافيش قطع غيار في البلاد… قال العميد: “بافرجّك انتقامي”.
أزاح العميد سجادة من على (البريك) والكلاتش حيث ألصق صورتين لـ (لينين) و (ماركس) أخذ يدوس عليهما، علّق الجاوي: “لا حول إلا بالله، با يخلّوا نص شعبنا مجانين”.
وواصل الأستاذ/ فضل النقيب حديثه عن عمر الجاوي حيث ذكر أن عدن كانت في مطالع السبعينات من هذا القرن تغلي في فوهة بركان، وقد أخذ الناس يتحولون إلى أشباح، وجوهٌ مصفرة، أجسادٌ هزيلة، عيونٌ زائغة، شعورٌ منكوشة تجلّلها الغبرة، وأخذ الكثيرون من الناس والعائلات المستورة يهيمون على وجوههم بحثاً عن لقمة تسدّ الرمق بعد أن شحّت الموارد عقب التأميمات التي شملت كل شيء والتي لم تفد الدولة في شيء، اللهم مدّها بمسكنٍ مؤقت لا تدري متى ينتهي مفعوله وقد لا يظهر له مفعولٌ أبداً.
وكان الصحفي المرموق صاحب القلم الساخر (صالح الدحّان) يسمي الحكومة: (حكومة الربع ساعة) ليش يا عم صالح؟ افهمها يا أهبل، إنهم يخططون لربع ساعة قادمة، فإذا نجحوا واجتازوا الربع ساعة بسلام، صفّقوا من الفرح وأطلقوا خطة الربع ساعة الثانية… مهزلة… ثم يؤكد العم صالح أن فنجان الشاي الذي يشربه يكلف الدولة 10 فناجين… كيف؟ شوف اللي على الطاولة المجاورة والذي هناك… وذلك الذي في الركن، كل هؤلاء يراقبون (عمك صالح) وهات يا أكل ويا شرب على حسابي، وفي الأخير كلنا (مفاليس) تذكرت تعقيب عمر الجاوي على انفعال (العميد) وإحساسه أنه مطارد: “لا حول إلاّ بالله… با يخلّوا نص شعبنا مجانين”.
وسط هذا البلاء العظيم كانت (الماكينة) الدعائية تبيع قسائم الجنة في الدنيا وتمنّي الناس بالمنّ والسلوى، بس… بعد أن نقضى على أمريكا وحلفائها وعلى (الثورة المضادة)، ولكل أجلٍ كتاب، ولا أدري أي ذهنٍ عبقري تفتق عن فكرة إنزال الناس إلى الشوارع لتثوير الجماهير، وإرهاب الطابور الخامس، وما عاد للناس من شغل شاغل إلاّ المسيرات بالفؤوس والعصي والطّبل والزّمر، و “سالمين نحن أشبالك وأفكارك لنا مصباح، وأشعلناها ثورة حمراء بعنف العامل والفلاح” لم تعد البلد تنتج أيّ شيء سوى الشعارات.
تحوّل مبنى الإدارة العامة للإذاعة والتلفزيون إلى ملاذ لأصناف مختلفة من البشر كلّهم يجرون وراء عمر الجاوي للمساعدة أو لحل مشاكلهم المالية أو التوسط للإفراج عن معتقل، أو السؤال عن مفقود، وتجدهم يقعدون بالساعات في مكتبه وفي الممرات وعلى الدرج وفي الباب الخارجي… وأخذ الجاوي يغرق في هموم الناس ولا يجد من ينقذه هو من الغرق.
أخيراً نتسحّب أنا وعمر مثل لصين هاربين بعد أن نكون قد ضمنا وجبة غداء عند أحد الأصدقاء حيث نجد هناك بعض مريدي عمر الذين ما أن يهلّ عليهم كأنه خارج من (اليم) حتى يقفوا صفاً واحداً ينشدون النشيد الذي ألفو ولحنّوه خصيصاً لوليّهم: “عمر الجاوي أتى … عمر الجاوي ذهب… عمر الجاوي حديد… عمر الجاوي ذهب”.
ثم تحدث الأستاذ/ فضل النقيب عن الشاعر الكبير المرحوم/ محمد سعيد جراده بقوله: كنت أعرف أن شاعرنا الكبير محمد سعيد جرادة مستور الحال، على أساس الحكمة الشهيرة: “أشاعرٌ ومال… ضربٌ من المحال” ولكنني لم أكن أعلم أن ذلك ألذي أثرى وجدانات الناس بأنفس أنواع اللالئ المشعة من الشعر يعيش في ذلك الفقر المدقع، فقد زرته في بيته عقب طبخة (صانونة الموز) الشهيرة، وأقول بيته من باب المجاز وتسمية الشيء بضده، وإلاّ فهو شيءٌ أشبه بعش (اللقلق) المعلّق… حاجة مثل القبعة على رأس (شمّاعة) تصل إليها بسلم خشبي تئن مفاصله كأنما صنع منذ أيام (دقيانوس)… كيف استقرّ على هذا النحو؟ هذا من باب المعجزات.
إذاً… الجرادة هو الوحيد من قبيلة الشعراء والمثقفين الذي لن يفقد شيئاً، ولذلك بينما كان المكلومون يئنون كان يلتقط المفارقات يسرّي بها عن نفسه وعن الآخرين… أهذا بيتك  يا أستاذ؟ ياله من قصر منيف تركض فيه الخيل… أضفت: “أنا لا أخشى الصعود… ولكن كيف النزول؟!” رد عليّ بأنني لم أر شيئاً بعد، فثمة الفرش والطنافس والعدد والديكور المبهر الذي سأراه في الداخل وأخذ يردد أبياتاً من الشعر:
ورب فأرة بالقرض ليلاً / متى ما رمتُ نوماً أزعجتني / إذا شعرت بيقظتي استكنّت / وإن شعرت بنومي أيقظتني / أقول لها أقرضي وكلي نهاراً / وفي الليل اتركيني واستكنّي.
تذكرت ساعتها قصيدة الجرادة (لقاء) التي يشدو بها الفنان الكبير المرحوم محمد مرشد ناجي، كم من القلوب أسعدت، وكم من الصبايات أثارت، وكم تناجى بها العاشقون، بينما صاحبها يتجرّع البؤس في هذا الجحر.
يا حبيبي أي عيد أي سعدٍ / سوف تبقى هذه الليلة عندي / عندنا ورد حكى رقة خد / ومدام أشبهت فرحة وعد / وفراش ناعم المخمل وردي / وأحاديث صبابات ووجد / سوف أحيا هذه الليلة وحدي / وسيحياها رواة الشعر بعدي.
كان الشاعر الأستاذ/ محمد سعيد جرادة الساكن بحارة (الهاشمي) أحد نجوم مدينة (الشيخ عثمان) لم يُحنِهِ البؤس والفقر ولم يلو الزمن ذراعه الشعرية الطائلة، وكان الجميع يلقبونه بـ (الأستاذ)، وحين شحّت الأرزاق، وهانت الأعناق، وتطلع أكثر الناس إلى الانعتاق في عدن مطالع السبعينات كان الأستاذ يبسط الأمر على النحوي التالي:
“قصتنا مع (الجماعة) مثل قصة صاحب الدبّ الذي كان يحبّه حباً لا شك فيه، ولكن على طريقة (الدّببه)، فحين رأى ذبابة على وجه صاحبه أخذته الحمية والغيرة فأراد إبعادها بل وتأديبها، فما كان منه إلا أن لطم وجه صاحبه مقتلعاً عينيه وأذنه وأنفه، تعبيراً عن (الحب العظيم).
ذكريات المرحوم الأستاذ فضل النقيب مع الشاعر الكبير الفلسطيني/ محمود درويش
ومن ذكريات المرحوم الأستاذ/ فضل النقيب عن لقائه بالشاعر الكبير الفلسطيني/ محمود درويش ( المولد والوفاة                 )، وذكر قصة لقاء الشاعر محمود درويش مع محافظ لحج في ذلك التاريخ/ عوض الحامد، وقال: وقفنا أمس مع (محمود درويش) على مائدة محافظ لحج (عوض الحامد)… وللحق فإن محمود قد انتابه ذعرٌ شديد بعد أن رأى المحافظ ينقض على المصور التلفزيوني المسكين حتى انبطح الاثنان أرضاً، ولا يخفى على فطنة القارئ العزيز أن العم (عوض) كان مدججاً بترسانة سلاح… صحيح أن الرشاش لم يكن بيده وإنما مسنداً إلى الجدار بجانبه، ولكن المسدس وعدّته إضافة إلى عدد من القنابل اليدوية كانت مخبأة في سائر أنحاء جسده بجانب كم السلاح المهول مع المرافقين الذين كانوا محيطين بنا إحاطة السوار بالمعصم. وتصوّر – يا سيِدي- لو أن قنبلة واحدة فقط سقط عنها صمام الأمان أثناء قفزة المحافظ الشرسة، إذاّ لكنا رحنا فيها (فطيس) ولكانت الأمة العربية قد فقدت أعظم شعرائها ولما كنت أكتب لكم هذا (المسلسل) اليومي على حد تعبير صديقي (علي شعنون).
ولأن ما خفي أعظم، فقد كان المحافظ (عوض الحامد) يخبئ للشاعر درويش مفاجأة مدويّة هي بمثابة (الحلاية) بعد تلك الوجبة الدسمة التي كدنا أن نفقد بسببها حياتنا، فبعد أن أشعل السيجار الكوبي، ومجّ نفسين نفثهما في وجه (درويش) الذي بلا شك كان يفكر في طريق للخلاص من هذه (الورطة الفجائعية) أمر المحافظ أحد مرافقيه بإحضار (المجلدات) من السيارة.
همس محمود في أذني: “أية مجلدات” “والله ما أدري” سألني: “ما فينا نرجع على عدن؟” “والله يا سيدي الضيف في حكم المضيف… وما دمت في حضرة (عوض الحامد) فوكّل أمرك إلى الله”.
جيء بالمجلدات فأبلغ المحافظ ضيفه أنه قد نظم كتاب (رأس المال) لماركس شعراً، وأنه في هذه المجلدات يوجد هذا الكنز الثمين، وأنه سيقرؤها من الجلدة إلى الجلدة على (محمود) ليسمع رأيه ومداخلته وما قد يرتئيه من تحسين هنا، أو إصلاح هناك. وكاد (محمود) أن يصاب بالإغماء لولا أنني أسرعت بإسعافه إلى السيارة وأنا أؤكد بالإيمان المغلظة للعم (عوض) بأننا سنعود غداً منذ الصباح الباكر لنكون تحت أمره، ذلك أن الشاعر لا بد له أن يتحضر لأمسية شعرية في سينما (بلقيس) بعدن.
هذا ما كان من أمر (محمود درويش)… أما ما كان من أمر (عوض الحامد) فقد ترك المحافظة في فترة لاحقة واعتزل الناس، ثم احترف الصيد، وكان يعرض الأسماك الكبيرة للبيع بأسعار أقل من الصغيرة، فإذا سؤل عن ذلك قال إن الجهد المبذول لصيد الكبيرة أقل منه لصغار الأسماك، ثم يقول لسائله: “يا حمار… هذه الكبيرة خلاص ما راح تتعلم شيء، أما الصغار فتستطيع تربيتهم على كيفك”، وكان يقطع المسافة من (الشيخ عثمان) إلى (خور مكسر) حافياً، فإذا وقفت له سيارة يرفض الصعود قائلاً أنه مستعجل، ولم يكن به مسٌّ أبداً، إنما هو العقل في أفضل حالاته تجلياً، والدليل أنه صعد الباص المتجه إلى (عدن الصغرى) وأوقفه في منتصف الطريق، ثم أمر الركاب بالنزول فنزلوا، وأمرهم بالصعود فصعدوا، فبصق في وجوههم وهو يقول: “الله يلعنكم من محكومين… ما في واحد منكم سأل ليش ننزل وليش نصعد، ما حد قال يمكن الذي وقف الباص مجنون”… وهكذا تركهم وعاد ماشياً على قدميه.

بعض من ذكريات المرحوم/ فضل النقيب مع الرئيس المرحوم/ سالم ربيع علي
تجلّى (يوم الغربان) الذي أشرت إليه في زاوية الأمس عن أسرارٍ عجيبة، أولها أن غربان (عدن) قد اتخذت من منطقة (دار الرئاسة) مقراً مركزياً لها وذلك بسبب كثافة الأشجار هناك، الأمر الذي كشف عن موت الأشجار في بقية أرجاء العاصمة بسبب الإهمال نظراً لانشغال الجميع بالأعمال الثورية بما في ذلك عمّال البلدية.
وثانيها أن الغربان قد توحشت بسبب انعدام الأكل الفايض عن أرزاق الناس والذي تعوّدت عليه في فترات سابقة الأمر الذي دفعها للقضاء على سائر أجناس الطيور الأخرى، لأن المجاعة وصلت مستوى (قطع الرأس ولا قطع المعاش)… و (يا روحي ما بعدك روح).


وثالثها أنه في (يوم التسجيل المشؤوم) كان أحد الوافدين الجدد على دار الرئاسة من الأطفال الذين لا يعرفون طباع (غربان المدينة) قد أمسك بأحد فراخ الغربان الصغيرة وأخذه معه بـبراءة ليلعب به داخل القصر وكان ذلك سبب (عاصفة الغربان) التي لم تنته إلاّ بإطلاق سراح الطفل الغرابي الأسير بعد تدخل من قائد الحرس الجمهوري آنذاك (حامد مدرم).
ورابعها أن الرئيس سالم ربيع علي قد تفهم (الظروف الموضوعية) لفشل التسجيل الإذاعي، فلم يأخذ على خاطره ولم يستمع إلى أصحاب (نظرية المؤامرة) التي كانت رائجة آنذاك، وبذلك سلمت من العقاب، وعدت إلى عملي معززاً مكرّماً. وقد اغتنم عمر الجاوي المدير العام للإذاعة والتلفزيون أول فرصة سنحت ليثبت للشامتين أن اختياره لي كمدير للإذاعة لم يكن من باب قصر النظر، ولكنني – مع الأسف الشديد- خيّبت ظنه دون قصدٍ مني، وإنما هو سوء الحظ واضطراب الأوضاع الثورية العربية آنذاك.
وتفصيل ذلك أن الرئيس المرحوم سالم ربيع علي قرر القيام بأول زيارة له خارج البلد إلى ليبيا بدعوة من المرحوم العقيد معمر القذافي لحضور الاحتفالات بمرور عام على جلاء الأمريكان من قاعدة (هويلس).
وقد ذهبنا في طائرة مدنية كانت متجهة إلى القاهرة حيث تم وضع ستارة تفصل الرئيس والوفد (17 شخصاً) عن باقي الركاب وكان من ضمن الوفد وزير الخارجية آنذاك علي سالم البيض الذي أجهد نفسه طوال الرحلة محاولاً إقناع الرئيس أن الأردن بالنسبة لفلسطين وهي بمثابة فيتنام الشمالية بالنسبة لفيتنام الجنوبية، وأن من الضروري أن يكون هذا العمق الاستراتيجي بيد قوة ثورية ليمكن تحرير فلسطين.
وكان الرئيس يهزّ رأسه دون إيجاب أو نفي، وقد حاولت مراراً التدخل بناء على تحليلات كتبها آنذاك المرحوم الأستاذ/ محمد حسنين هيكل تفند هذه النظرية، ولكن الرئيس لم يكن يدعني أسترسل، وقد علّمتني الحياة بعد ذلك أن حلمه معي كان عظيماً، لأنه أساساً لم يكن يعرف من أنا ولا ما هي مهمتي في الوفد، وقد أبلغني بذلك المرافق العسكري أحمد صالح حاجب الذي سحبني إلى آخر الطائرة وهو يقول لي: “يا داخل بين البصلة وقشرتها…الخ” وقد فهمت الرسالة.
أما كيف فشلت مهمتي فشلاً ذريعاً، فذلك ما سوف أفصّله غداً

حكومة القطيع
أورد الأستاذ المرحوم/ فضل النقيب قصة ظريفة لها دلالتها عن (حكومة القطيع)، جرت له هذه القصة بحضور المرحوم/ عمر الجاوي بقوله: أصبح الجاوي حائراً في توضيح الوضع حتى جاءني ذات يوم أحد أقاربي الساكنين في الأرياف (قاسم ناجي صالح) فسأله الجاوي: “كيف تشوف أحوال البلاد يا والد؟” ردّ عليه: “شوف يا ابني… أنا (متسبّب) على باب الله، وعندي (صندقة) صغيرة في رأس جبل بيافع، وأمس من بعد صلاة الفجر إلى صلاة العشاء وأنا أتنقل من (طابور إلى طابور) فقد كان يوم توزيع (الشمبلات) (النعالات البلاستيك) وقد وزّعوا علينا من واحد في طابور (الخساف) من اثنين في طابور (السوق الطويل) ومن ستة في طابور (القطيع)… وحسب تفكيري وأنا رجل أمّي ما أفهم في السياسة إن عدن لوحدها فيها (3) حكومات أحسنها حكومة (القطيع) أم ستة (شنبلات) وأنت أحسب كم حكومة في باقي البلاد.. هذا هو الحال يا ابني…”. ضحك الجاوي حتى اغرورقت عيناه بالدموع وهو يقول له: “الآن حلّيت فزّورة اللي أكلت مخي يا والد…”.
وظل الجاوي بعدها يسألني دائماً: “وين صاحب حكومة (القطيع)؟ سلّم لي عليه الله يرضى عليك”.
زواج المرحوم عمر الجاوي بثريا منقوش
أخيراً… حصحص الحق، فقرر عمر الجاوي المدير العام للإذاعة والتلفزيون بعدن الزواج، وهو من مشاهير العزاب في المدينة، ولم أعلم إلاّ بعد ذلك بسنوات أنه كان متزوجاً من (روسية) في (موسكو) وأن له منها ابنة وحيدة.
أمّا (المحظوظة) فكانت (ثريّا منقوش) وهي من هي في ذلك العصر والأوان… خريجة جامعية، طول في عرض لدرجة أنها إذا ضبطت تسير بجانب الجاوي يبدوان مثل رقم (10)، وطبعاً هي الواحد، ولذلك فقد كان يتحاشى السير معها.
إضافة إلى ذلك، كانت ذات شخصية هجومية كاسحة، وذات بأس وعنفوانٍ شديدين، فقد كانت عضواً في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، تدرّبت في ميادين القتال، وجابت بلاد الشام برجليها، وعرفت الضبط والربط والتمرّد أيضاً.
وكان لديهما اهتمام كبير بالبروز الإعلامي، فهي ضيفة دائمة في مختلف البرامج (تهبش) في رقبة هذا، أو تضع أصابعها في عيني ذاك، وكانت إذا مرّ شهر ولم استضفها في برنامجي التلفزيوني المفتوح (فنجان شاي) تتصل بي مؤنبة ومقرعة، وكأن ذلك حقٌ من حقوقها التي لا تغض الطرف عنها.
المهم أن الأخت (ثريا) قضية ما تحمّلها ملف، كما يقول شاعرنا (المحضار)، وحتى لا أنسى، أشير إلى أنها كانت موجودة في بيروت أثناء الغزو الإسرائيلي، فقصف الطيران الإسرائيلي المبنى الذي كانت فيه وكانت هي الوحيدة التي خرجت سالمة من بين الأنقاض، وأثناء اسعافها على النقالة جرى قصف آخر فقُتل المسعفون وسلمت هي، إلاّ أنها على ما يبدو – والله أعلم- أصيبت بارتجاج في المخ من نوع ما، لأنها منذ ذلك الحادث تدعي أنها تتلقى وحياً وإشارات وعلى كل حال فتلك قصة أخرى.
سألت الجاوي عن الأسباب وراء هذا القرار الخطير… فقال لي: “ما انت شايف الوضع، يوم عند عمّنا عبدالكافي طبّاخ (الكريسنت هوتيل) ندخل مثل اللصوص ونخرج شمّ الأنوف، ويوم عند الحاج عبدالوهاب ونائبه عبدالعزيز في مطعم الشموع بخور مكسر، نشارك عمّال المطعم غداءهم، ويوم في بيت صالح الدحّان لما طفشت منا زوجته (سعادة) ويوم نضرب مشوار إلى (الوهط) في لحج يمكن نحصل عند اخواتي كسرة خبز وقليل قهوة، المهم يا سيدي الزواج ستر، لقمة وهدمة، وثريا كفوة وبنت ناس، وكما ترى مقاتلة من الطراز الأوّل.
قل يا سيدي كلّفنى (العم عمر) بمهمة (الخطوبة) وقمت بذلك على ما يرام، وتمت الخطوبة، بدون قيدٍ أو شرط، لأنه لا يتصوّر وجود من يشترط على (الجاوي) وقد عجز عن ذلك الوزراء الزعماء والرؤساء، وكانت المشكلة لإتمام الزواج أن شقة الجاوي احتلها رفيق دربه القادم من الشمال آنذاك (عبدالله الصيقل) ولا يمكن للجاوي تحت أي ظرف من الظروف أن يطلب من صديقه إخلاء الشقة، ولو كان في الأمر (قطع رقبة) فهكذا هو عمر الجاوي، ولا يطلب مني أحد تفسيراً لذلك، وقد كانت (ثريا) تتلمّظ مثل النمرة على الشقة ولكن هيهات، وكانت حذرة إلى حدّ ما لأنها لم تسبر بما فيه الكفاية أغوار الجاوي، ومهاويه السحيقة… أما كيف تمّ الزواج، فذلك ما سنفصّله غداً.

الأخ ثريان
تحت هذا العنوان أورد الأستاذ المرحوم/ فضل النقيب قصة إطلاق الشاعر المرحوم/ عمر الجاوي لقب (الأخ ثريان) على زوجته الأستاذة/ ثريا منقوش، فقال: عطفاً على زاوية الأمس حول قرار (عمر الجاوي) بالزواج، واختياره للأخت (ثريا منقوش) شريكة حياة، والتي نسينا أن نقول إنها كانت تعمل آنذاك مدرّسة في الثانوية، وفي الوقت نفسه تكتب للصحف، وتعمل على التأليف وتخوض فيما يخوض فيه سائر البشر المسيّسون في تلك الحقبة الاستثنائية. تدبّرت أمر شقة مؤقتة تعود لصديق يعمل في السلك الدبلوماسي، وتقع في شارع (المعلاّ) الرئيسي، وقد تمّ الزفاف بلا حفل ولا مدعوّين، فبعد العقد هرعنا أنا وعمر إلى سيارة العروس التي أخذت تسير بها الهوينى، وتوقفت أمام مطعم في شارع (الزعفران) بكريتر حيث بيت أهلها فاشترت دجاجة مشوية من حرّ مالها لزوم العشاء مع بعض المشروبات الباردة.
وكان الجاوي قد منّاني الأماني بأن موائد (المنّ والسلوى) ستكون إحدى نتائج هذا الزواج المبارك، وأن أيام الصعلكة قد ولّت إلى غير رجعة… وهل أجمل – يابن النقيب- من أن تفتح عينيك على القهوة الساخنة يليها الفطور المعتنى به، ثم تجد ملابسك مكويّة وما عليك إلا أن تلبسها لتذهب إلى العمل نشيطاً مبتهجاً، وللأسف الشديد، فإن أحلام عمر الجاوي الإنسانية البسيطة قد ذهبت أدراج الرياح، وأصبحت أثراً بعد عين.
ذهبنا إلى العمارة الشاهقة وكانت الشقة في الطابق السادس والمصعد لا يعمل شأن سائر عمارات ذلك الشارع الذي كان مفخرة المدينة، كما أن خدمات إضاءة السلالم وجمع القمامة  قد توقفت وفقاً لسياسة (أنا أمير وأنت أمير، فمن يسوق الحمير؟)… وهكذا أخذنا ثلاثتنا نخوض في بحر من الظلام والحفر والنتوءات وكانت ثريا تتقدمنا بعنفوان مقاتلة في ليلة عرسها، فكانت تسحب الجاوي وهو يسحبني حتى أدمتنا، فصرخ الجاوي من قلبه: “يا أخ ثريا، شوية شوية، مش هكذا يسحبون حمران العيون”.
ردّت ثريا بغضب: “أخ.. بدينا يابن الجاوي” قال: “أيوه.. وعادنا با اذبح (البسّة) كمان… إيش فاكره الدنيا سايبه”. أعطيت الشنطة للجاوي ونزلت أتسحّب في الظلام الدامس، فقد خفت أن تشتعل الحرب وأعلق فيها.
بعد ثلاثة أيام جاءتنا (ثريا) للإدارة العامة للإذاعة والتلفزيون، وكنا نتحدث في العمل فخاضت في الحديث كعادتها فصرخ الجاوي: “يا أخ ثريا با أقطع لسانك لو تدخلت في العمل”، ومنذ ذلك اليوم أصبحت الأخت ثريا منقوش (الأخ ثريا) وعلى كل لسان وبقدر ما كانت تبرطم في البداية أصبحت تأخذ على خاطرها وتزعل إذا لم تقل لها يا “أخ” في المراحل اللاحقة.
اللطيف في الأمر أن الجاوي قال لي ذلك اليوم بعد أن هرش صلعته الشهيرة: “أعمل لفّة يابن النقيب (للكريسنت هوتيل) شوف عمك عبدالكافي إذا كان يقدر يدبر لنا غداء يسدّ جوعنا”… ظننت أن الأمر له علاقة بغضبة على ثريّا.. ولكنه أضاف، وثريا معنا كمان، قلت له: “وأين المنّ والسلوى، واللقمة والهدمة؟” قال: “انسى هذا كله… الأخ ثريا لم يدخل في حياته المطبخ أبداً، ولا ينوي أن يفعل ذلك، وهو يشتغل زعيم وبس، وأنا زعيم، وما أظن عدن تتسع لي ولها”.
وصرنا منذ ذلك اليوم نتصعلك ثلاثتنا وغلبتنا (ثريا) بقدرتها على التجوّل الحر في مطابخ مضيفينا من عباد الله الغلبانين الذين دعوا عليها وعلى عمر وعلى الخاطب الذي بين رأسين بالحلال.

قصة ذهاب الأستاذ المرحوم/ فضل النقيب والمرحوم الأستاذ/صالح الدحان إلى صنعاء
من الأرواح المعذبة في متاهة سبعينات عدن شيخ الصحافة اليمنية صالح الدحّان، الذي حاولت مراراً رسم صورته بالكلمات، ولكنه دائماً يروغ من بين يديّ كما يروغ الزئبق، وأشهد أن لا أحد قاوم الموت حتى تخاله استعصى عليه كما فعل شيخنا الدحّان، قاومه بحب الحياة كأنما هو (زوربا) اليوناني في رائعة (كازنزاكيس) و (أنتوني كوين) قاومه بالسخرية المرة وقد رويت لقراء هذه الزاوية بدائع من تخريجاته ذات يوم، وسأروي لاحقاً ما يحضرني هذا اليوم، قاوم الموت أيضاً بالكلمات واللعب عليها كأيّ موسيقي خبير بالأوتار يدوزنها وهو مغمض العينين، وقاوم الموت بالأسفار حتى وصل إلى (بكين) في الصين أيام الثورة الثقافية العظمى وماوتسي تونج، ليس سائحاً ولا موفداً، وإنما معلّماً، يعلّم الصينين أصول الترجمة إلى الإنجليزية ، وكان مزاملاً للروائي الكبير حنّا مينا، وقد شهدت ذات يوم لقائهما في بغداد، واستعادتهما لذكريات المرحلة الصينية.
وبعد الحرب اليمنية الأولى التي أعقبت مجزرة شيوخ الشمال التي أشرت إليها في زاوية الأمس رافقت شيخنا صالح الدحّان كصحافيين ضمن أول وفد ذهب إلى صنعاء من عدن، وكان برئاسة عبدالله الخامري وبحضور وزيري خارجيتي الجزائر وليبيا، وعلى إثر انتهاء تلك المباحثات التي لم تسفر عن شيء ملموس لأن المسألة كما يقول إخواننا اللبنانيون “ليست رمّانه، وإنما قلوب مليانة”، وبعد أن تقرر فتح مكتبين في كل من صنعاء وعدن، رأى الخامري أن لا أحد أصلح من صالح الدحان لتمثيل عدن، وكان قد قدّر أنه أصاب عصفورين بحجر واحد، فقد ارتاح من لسان صالح، وأسند إليه عملاً يمكن أن يفجر مواهبه الكثيرة المكبوته… ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن.
ذلك أنه في أحد الاجتماعات اللاحقة، وبحضور الوزيرين العربيين طلب صالح الدحان الأذن في الحديث فتوجه إلى وزير خارجية ليبيا قائلاً: “هل تصدق هذا الكذاب، مشيراً إلى صاحبه الخامري، أنه لا يريد وحدة ولا يحزنون، ثم استدار إلى الجانب الآخر، وهذا الكذاب أيضاً، مشيراً إلى عبدالله حمران وزير الوحدة في شمال الوطن آنذاك”، وبينما بهت الجميع وصاح شيخنا قائلاً للوزير الليبي: “يا أخي العزيز، اصرف لي 6 ملايين دولار، وأنا أعمل لك انقلابين، وأوحّد هذا البلد المنكوب”، وخرج وهو يصرخ: “بطلوا كذب على دقون الناس”.
وقد تعرّفت عبر صالح الدحان آنذاك على محمد أحمد نعمان الذي كان وزيراً للخارجية ولم أرى صالح ينجذب إلى أحد كما كان ينجذب إلى (الغوبة) كما يسمي صديقه النعمان، ومعناها العاصفة الترابية التي تسدّ الأفق، وكان محمد كذلك فعلاً بحيويته وطاقاته الهائلة على الحوار وقد اغتيل لاحقاً في بيروت وعندما نعي إلى والد الزعيم الحكيم أحمد محمد نعمان قال: “أما محمد فقد ذهب إلى ربه، إن خوفي الحقيقي أن يتمّ اغتيال بيروت” وقد كان، أما غسان تويني فقد جعل مانشيت جريدة النهار: “مات رجل الحوار”.

قصة الأيام السبعة المجيدة كما ذكرها المرحوم النقيب وهي في الواقع الأيام السبعة التعيسة
هل أحدثكم عن الأيام السبعة (المجيدة)؟ لقد كانت (أتعس) أيام مرّت على مدينة عدن، تستطيع أن تقول أن العاصمة خلال تلك الأيام قد طُحنت، وخُبزت، وأكلت في دورة حياة أو موت كاملة، فالأمر سيّان حيث لم يعد هناك من فرق.
أخذت تتدفع على المدينة على مدار 24 ساعة جماهير غاضبة من الأرياف (على إيش غاضبة… ماتدري!) يحملون الفؤوس والهراوات والسكاكين والبنادق ينظّمون مسيرات حاشدة هادرة ويرددون شعارات (ثورية) تنادي بـ (تخفيض الرواتب واجب) و (تحرير المرأة واجب) ولكن التركيز كان على تخفيض الرواتب، لأن ذلك هو السكين التي ستحزّ رقبة المدينة التي ليس لدى أهلها أي مصدر للدخل سوى الرواتب، فمن المعروف أن (عدن) أرض بركانية قاحلة لا زرع فيها ولا ضرع، وأنها أقل نقطة في قارة آسيا بأسرها تسقط فيها الأمطار.
وبين عشيّة وضحاها جرى اعتقال حوالي خمسة آلاف موظف بصورة غير قانونية ومن قبل المتظاهرين أنفسهم، ولكن الجهات التي كانت تستقبلهم وتعيد تأديبهم وفق (النهج الجديد) كانت جهات منظمة، وقد أصيبت العائلات برعب لا مثيل له لأنها لم تكن تدري ما مصير المعتقلين المخطوفين هل أصبحوا طعماً للأسماك أم أنهم مازالوا أحياء يرزقون.
طبعاً توقف الانتاج الزراعي في المحافظات المتاخمة للعاصمة فقد كانت الجرارات معها جميع وسائل النقل تحرث مدينة عدن، وكان نصيبنا في الإذاعة غارة مجلجلة بقيادة (شاعر الجياع) علي مهدي الشنواح، وكان أول ما لفت نظرهم التكييف المركزي وكان الجو في الخارج (جهنم الحمراء) فقرر (الشنواح) أن هذه (بورجوازية) لا مثيل لها فتم إغلاق التبريد، مما ألهب الأجهزة فتوقف الإرسال بعد دقائق، فانقعطت عدن عن العالم وفهم كثيرون أن التبريد إذا لم يكن ضرورياً للبشر، فإنه ضروري لبعض الآلات.
في تلك الأيام (المجيدة) اختلفت السُّلطات التي كنا نعرفها، أو أنها هبطت تحت الأرض بانتظار انتهاء العاصفة المدمرة، ولم تظهر إلاّ بعد حين وقد حزمت أمرها في أنه لا يفلّ الحديد إلاّ الحديد، وبذلك دخلت البلد في نفق مظلمٍ جديد.
من طرائف تلك الأيام أنني ذهبت للغداء في مطعم (التحالف) الشهير، فضبطت (شاعر الجياع) وأمامه بعض الخبز، و (وصلة) لحم يأكل في زاوية مظلمة، وما أن ناديته باسمه وأنا أقول له: “هنيئاً مريئاً يا بن الشنواح” حتى أصيب بخوف وذعر شديدين، فترك اللحم والخبز وخرج يهرول وهو يتضوّر جوعاً بكل تأكيد… لكم حزنت عليه، ولا أزال أشعر بالذنب إلى اليوم لأن المسكين ربما ظن أنني سأكتب تقريراً عن هذه (البرجزة) قد يفقده لقبه الشهير، ومصدر رزقه… ولله في خلقه شؤون.

قصة الاتصال المباشر بين عدن الثورة وصين ماوتسي تونج
كان أول اتصال مباشر بين عدن الثورة وصين ماوتسي تونج قد جرى قبل استقلال عدن عام 1967 حين ذهب كل من علي سالم البيض وعبدالله الخامري إلى بكين سراً عن طريق تنزانيا وهناك قابلا (لين بياو) الذي نصحهما بتدمير كامل البنية والبناء اللذين سيخلفهما الإنجليز لأن في تلك البنية والبناء تكمن عوامل الردة و (بكتيريا) الثورة المضادة ووعدهما بأن الصين الشعبية ستساهم بسخاء كبير في تشييد البنى الجديدة.
وطبعاً عاد (الرفيقان) البيض والخامري يبشران بـ (الثورة المستمرة) والتدمير الوشيك، ويبدو – والله أعلم- أن تلك النصيحة (الثورية) قد كانت إلى جانب عوامل أخرى سيكشف عنها الزمن وراء تغاضي المفاوض اليمني أو تنازله في محادثات الاستقلال التي جرت على عجل في الربع ساعة الأخيرة في (جنيف) عن التعهد البريطاني (المسبق) بتقديم ستين مليون جنيه استرليني على مدى 5 سنوات هي ميزانية (مستعمرة عدن) السابقة.
وكان ذلك المبلغ (الضخم جداً آنذاك) كفيلاً بأن يوجد أرضية معقولة لانتقال هادئ للسلطة ولكنه حتماً سيكون مشروطاً بعوامل استقرار واستمرار من نوع ما، لم يكن وارداً قبولها في ظل عقلية (التدمير) و (الثورة المستمرة)، والحديث الرائج آنذاك من أن عدن تصرف على لندن وقد قاد كل ذلك إلى إبطال دور عدن في التجارة الدولية وكانت ثالث ميناء في العالم ازدحاماً بحركة السفن، كما أدى ذلك إلى اختناقات اقتصادية منذ اليوم الأول للاستقلال وصولاً إلى الأيام السبعة (المجيدة) التي جاءت بنصيحة صينية (أثقل) من نصيحة (لين بياو).
وتفصيل ذلك أن الرئيس سالم ربيع علي قام بزيارته الشهيرة إلى الصين حيث تباحث مع الرئيس (ماوتسي تونج) الذي أبدى استغرابه في توجه ربيع لبناء (مؤسسات ثورية) مشيراً إلى أن هذه المؤسسات ستعيق حركة (الثورة) وتحولها إلى (دولة) مشغولة بهموم الحياة اليومية، بينما الهدف المركزي هو الزحف لتحرير (الجزيرة العربية) بكاملها، وحين يتم الوصول إلى النقطة الأخيرة ربما يكون الوقت قد حان لبناء المؤسسات.
المهم عاد الرئيس إلى البلاد وقد سبقه شعار (سالمين نحو الجزيرة… سالمين قود المسيرة) وكان أن بدأت المسيرة بالاتجاه إلى عدن بدلاً من الاتجاه شرقاً حتى وقف ذلك الصحافي الأجنبي مشدوهاً وهو يرى الناس تطالب بـ (تخفيض الرواتب) وقال: “إما أن هؤلاء مجانين، أو أنني المجنون” ولم يدر أن الذين رفعوا الشعار كانوا بلا رواتب أصلاً وكثر الله خيرهم أنهم طالبوا بالتخفيض لا بالإلغاء.
وقد انتاب الناس الخوف والقنوط حتى إن الشاعر الجرادة سمّانا (شعب ملك الزمان)… وما القصة؟ كان للملك فيل يخرج إلى الأسواق يعيث فيها فساداً، فأجمع الناس على مخاطبة الملك بشأنه، فلما وصولوا إلى بوابة القصر ترأسهم (جوقة ثوار) تصيح: “الفيل”، فيردد الجمهور: “آذانا”، ظهر الملك على الشرفة فصاحت الجوقة: “الفيل”، فانتاب الجماهير الخوف فسكتوا… وحين سأل الملك… ما للفيل؟ قالت الجوقة: “يا مولانا، فيلكم الوديع الطيب، يحتاج إلى فيلة تؤنسه، وقد قرّر شعبكم الوفيّ شراء الفيلة وهو يستأذنكم في البدء بجمع التبرعات”. فابتسم الملك وهو يقول: “بارك الله فيكم… على بركة الله”.
ويضيف الجرادة: “وهكذا بدل الفيل فيلين” ثم يضحك ضحكته الشهيرة ويقفز إلى وسط (الديوان) وهو يصفق ويصيح: “تخفيض الرواتب واجب”.

قصة أركان حرب الرئيس المرحوم سالم ربيع علي
كان أركان حرب الرئيس سالم ربيع علي في انقلابه المثير الذي دشنه بحزم وتصميم بالأيام السبعة (المجيدة) رجال (صماصيم) لهم (شنة ورنة) و (إقبال وإدبار) وأعمال وأفكار، ومن أولئك (فيصل العطاس) محافظ حضرموت آنذاك المشهور بـ (فيصل النعيري) وكانت أبرز إنجازاته تدمير البوابة التاريخية لمدينة (المكلا) عاصمة حضرموت، ونظراً لضخامة البوابة ومتانتها فإنه لم يكن إنجاز التدمير إلا على مدى ثمانية أشهر من العمل الثوري المضني، ذلك أن سلاطين (القعطة) الذين بنوا البوابة قد حرصوا على أن تكون بمثابة قلعة عسكرية، لذلك فإنهم قد اختبروا متانتها عقب إنجازها بقصفها بالمدفعية وقد نجحت في الاختبار أيما نجاح ولكنها أخفقت في اختبار (النعيري) عندما تكاثر عليها الأعداء الذين اعتبروها من رموز (الماضي البغيض).
ومن الأركان (عوض الحامد) الذي حدثتكم عن منجزاته وخاصة لجهة نظم كتاب رأس المال شعراً على طريقة (ألفيّة بن مالك) التي حفظت لنا (النحو العربي) ويقع الخطأ على (محمود درويش) الذي لم يجزه عند زيارتنا له في مقر المحافظة بلحج وإلاّ لكان اليوم ينافس (أدونيس) الذي يعمل على ترشيح نفسه لجائزة (نوبل)… الله يوفقه.
وثمة أيضاً محافظ المحافظة الرابعة (علي شايع) الذي تكشف عن موهبة شعرية في نظم الشعارات والأناشيد الجماهيرية، وقد زرناه في مبنى المحافظة أنا والمؤرخ سلطان ناجي، والشاعر الجرادة وناصر الصبيحي، والشاعر مسرور مبروك حيث حضرنا المهرجان الأول للشعر الشعبي وكنا خلال الرحلة الجوية بطائرة عسكرية قد تعرضنا لمطبّ جوي هائل صرخ من هوله المؤرخ سلطان ناجي دون وعي “فعلوها أولاد الـ…” قد ترسب في وعيه الباطن حادث طائرة الديبلوماسيين الني نسفت في الجو، ولطالما أكلت وشربت وسعدت أيضاً على حساب ذلك الإنسان الطيب النبيل (سلطان ناجي) بحجة أنني سأفشي المضمون السياسي لصرخته وكان يقول لي دائماً: “بطّل يا أهبل… عيب المزاح في هذه الأمور… من شان تضحك وتتسلّى با يطير رأس عمّك سلطان”.
وكان الجرادة يحرّضني أثناء (المقيل) وبيت سلطان ناجي المضياف مليء بالناس فيقول: “على فكره (هاذاك) المطب يوجع لي قلبي من (ذاك) اليوم، إنت ما أثّر عليك يا (فضل)… يقول الكلمة الأخيرة وهو يغمز باتجاه (سلطان) فيحتدم سلطان وهو يعلّق: “اللي يمشي وراء الدجاجة فين باتودّيه غير (المدج)” أي بيت الدجاج.
عودة إلى (المحافظ) علي شايع وكان من أركان حرب الرئيس سالم ربيع علي الذي ما أن علم بوجود (الجرادة) و (مسرور مبروك) حتى هشّ لنا وبشّ وأكرمنا غاية الإكرام، واتضح أنه كان يريد الإجازة الشعرية من الجرادة ومسرور مثلما أرادها (عوض الحامد) من محمود درويش.
لم يتردد الجرادة في إجازته، أما العم مسرور فقد كان يغطّ في شيخوخة عجيبة لا يتذكر منها اسم المحافظ ولو قلته له مئة مرة في الجلسة، وعلى الرغم من أن المحافظة في تلك الأيام العمياء، كانت قد ابتليت بوباء (السحل) بالسيارات وخاصة لرجال الدين والعهد البائد إلاّ أنه (الجرادة) كان يهمس في أذني خلال العزومة الفاخرة: “لا… لا… هذا مش وجه واحد (يقرط) رؤوس لازم في واحد ثاني”.

قصة واقع وزارة الثقافة والمثقفين في عدن بعد الأيام السبعة (المجيدة)
كان أحد القادة الكبار في عدن السبعينات يتلذذ بترداد مقولة منسوبة إلى أحد الطغاة العالميين يقول فيها أنه عندما يستمع إلى مثقف يتحدث فإنه يتحسس مسدسه، ودلالة هذا القول واضحة جداً كمؤشر للتعامل مع هذه الفئة الضالة.
ولست أجد مثالاً بليغاً للتعبير عن هذه المقولة على أرض الواقع من الإشارة إلى أنه في أعقاب السبعة الأيام (المجيدة) تقرر إنشاء وزارة للثقافة بعيداً عن الإعلام لكي تضم جميع (المترهلين) وكنت قد تركت الإذاعة عقب الغارة الشعواء التي شنها عليها المنددون بالبرجوازية بقيادة شاعر الجياع على مهدي الشنواح.
ومن ثم فقد انضممت بدوري إلى هذه الوزارة الجديدة التي كان وزيرها عبدالله عبدالرزاق باذيب بأدبه الجمّ ومزاجه الثقافي وحدبه على المنكسرين المذلين المهانين، وقد حوت الوزارة مشاهير النجوم مثل الفنان الكبير محمد مرشد ناجي، وزميله أحمد قاسم وصاحب أشجن الأصوات وأكثرها امتلاء بالحنين الفنان محمد عبده زيدي إضافة إلى فريد بركات وسعيد أحمد الجناحي والموسيقار جميل غانم وكوكبة من المواهب التي أصبح لا شغل لديها ولا عمل غير محاولة تأسيس صرح حضاري على أساس من الرمال المتحركة.
كان الشيء الأجمل الذي خرجنا به من تلك الطبخة المدبّرة هو ذلك المبنى الأبيض الجميل الواقع على الزاوية البحرية بين فندق (الهلال) الشهير وعمارة (البينوا) الجميلة حيث كنت أعمل، وكان المرحوم محمد ناصر محمد ألمع الإعلاميين آنذاك قد أسس في المبنى وكالة أنباء عدن قبل أن يصبح سفيراً في بيروت ويقضي في حادث تفجير طائرة الدبلوماسيين، وقد سعدنا من مكاتبنا المطلة على البحر بالحوار مع الأمواج ومراقبة الأفق البعيد حيث تمرق البواخر في المياه الدولية والتي ما عادت تزور ميناء عاصمتنا الاستراتيجي.
وقد نما إلي علما أن (جهازاً) متنفذاً في الدولة قد راق له ذلك المبنى الجميل وأنه يضغط للحصول عليه، ولم نأخذ الإشاعة على محمل الجد حتى جاء ذلك الصباح المشؤوم الذي أكّد مقولة القائد الكبير، فقد ذهبنا إلى الوزارة لنجدها مغلقة بالسلاسل والأقفال أما مكاتبنا وملفاتنا ودواليبنا وجميع متعلقاتنا من الوزير إلى الغفير فقد كانت مرمية في ملعب كرة القدم بالتواهي نهباً للغربان التي كانت تتلهى للبحث عن أي شيء بين الأنقاض، وهكذا تم ترحيلنا إلى مبنى كئيب في أعماق المدينة المظلمة.

قصة اعتقال الأستاذ المرحوم عمر سالم طرموم
في صبيحة أحد أيام أوائل سبعينات عدن اتصل بي عمر الجاوي تليفونيا طالباً مني أن نذهب سوية إلى وزارة الداخلية.. خير إن شاء الله؟ نجري محاولة للإفراج عن أستاذك عمر سالم طرموم (توفي عام 1993م) المسجون من دون ذنب. وما الطريقة؟ في ذهني صفقة ستطّلع عليها في وقتها.
ذهبنا وقابلنا محمد صالح مطيع وزير الداخلية آنذاك ووكيل الوزارة عبدالعزيز عبدالولي الذي كان أحد تلاميذ طرموم في المعهد العلمي الإسلامي بعدن وكان الاثنان أقرب إلى التفهم والتفاهم بل وربما التعاطف، وقد انتهى (مطيع) مقتولاً بتهم لم يظهر عليها أي دليل حتى اللحظة، والثاني عبدالعزيز يقال أنه انتهى مغدوراً بعد نفيه إلى إحدى الدول الاشتراكية،  وكان أحد نجوم الحياة الاجتماعية في عدن، وقد قصّ عليّ عدد من الفنانين منهم أحمد فتحي وسالم بامدهف قصصاً كثيرة عن تعاطفه معهم في تلك الأيام التي كان شعارها: أنا ومن بعدي الطوفان.

المهم أن (الجاوي) دبج مرافعة بليغة حول وطنية عمر سالم طرموم الذي بنى سجن (لحج) حجراً حجراً على ظهره كعقوبة له لمجاهرته بالحق في حضرة السلطان، فكيف لمثل هذا الرجل أن يسجن في عهد الثورة الموجهة ضد أعدائه، وكانت الشبهة هي أن للرجل صلات بتنظيمات إسلامية، ولم تكن مثل هذه التنظيمات قد بلغت ما بلغته اليوم.
أما الصفقة التي وافق عليها الوزير والوكيل حفظاً لماء الوجه فتفضي بأن يقوم عمر طرموم بكتابة تاريخ الحركة الوطنية وأن يلزم بيته لا يزور ولا يزار، وفعلاً تم الإفراج  عنه، حيث دُبّر أمره بعد ذلك وغادر إلى الحديدة في الشمال.
لقد كان عمر سالم طرموم محظوظاً لأنه شخصية معروفة، فقد شهدت في أحد تلك الأيام إحدى المحاكمات (النادرة) لمزارع بسيط من أبناء القبائل الشمالية، ولم تكن هناك أية  قضية ضده سوى أنه وقع تحت الاشتباه ولم يكن يعرف لنفسه هدفاً، وحين سئل في المحكمة ما الذي جاء بك إلى عدن أجاب ببساطة: بلادي وجيت أشوفها… هكذا صنفت وجيت.. ومن سؤال إلى سؤال حتى سأله القاضي فيما إذا كان قد شارك في الحرب الأهلية في الشمال التي دارت بين عام 1962 و 1970 فأجاب بالإيجاب، فقال له مع أي جانب، قال: والله أنا مع قبيلتي، مرة مع الملكيين ومرة مع الجمهوريين حسب التساهيل، قال القاضي: خلينا من المرة حق الجمهوريين، وركز معي على مشاركتك مع الملكيين لأن معنى ذلك أنك مرتزق ضد الوطن. قال القبيلي: والله يا أخي الكل كان يقاتل الكل وقد اتفقنا وتسامحنا وأنا الآن على باب الله أدوّر على رزق لعيالي، قال القاضي وهو يضحك: أنت مش على باب الله يا (قبيلي).. الله جابك على باب الثورة. ظننت أن الرجل سيخرج (براءة) لا محالة، فإذا بالمحكمة بعد التداول تصدر حكماً بالإعدام.
وللمقارنة فقد حوكم أحد رجال القبائل في الشمال بتهمة التحريض على إسقاط الوضع فلما استوضحه القاضي اعترف بما نسب إليه ولكنه استدرك بأن ذلك (كلام قات) وكلام القات في اليمن لا يودّي ولا يجيب، وكان القاضي حصيفاً، فأفرج عنه مع تنبيهه من مخاطر كلام القات وفلتان اللسان ولو وقع في يد قاضينا لكان أصبح في خبر كان.
قصة تدخل اليسار العربي في لبنان الذي كان يمثله في ذلك الوقت نايف حواتمه وميشيل عفلق وجورج حبش وغيرهم
لم يشنّع عامة الناس في عدن السبعينات على كادر قيادي عربي بقدر ما شنعوا على (الرفيق نايف حواتمه) وبالتأكيد فإن (أبا النوف) لم يسمع شيئاً عن ذلك أو أن ما وصله كان مخففاً لأنه كان يلقى القبول الحسن والإنصات الجيد لدى القيادة، وذلك يكفيه ويرضيه.
وحال شعبنا في ذلك حال الأم التي ترفض أن تصدق أن ابنها الذي ربته بيديها وعلى قلبها يقوم بأعمال لا تنم عن تربية طيبة، لذلك فهي تلقي اللوم على رفاقه حتى وإن تأكدت بنفسها أنه رأس العصابة.
على كل حال… نشير إلى أن (الرفيق) نايف كان أول من نظر للخلاف والاختلاف في بلدنا وكان في ذلك منسجماً مع نفسه ولا تثريب عليه، ففي مطلع السبعينات أصدر أبو النوف كتاباً بعنوان (أزمة الثورة في اليمن الجنوبي) ضمنّه إحدى (حتمياته) من أنه لا بد من حسم الصراع لصالح اليسار وقد استشعر القائد البارز فيصل عبداللطيف حدّ الموسى القاطع فرد على الكتاب بكتاب مضاد أسهم فيه أيضاً علي عبدالعليم وعبدالفتاح اسماعيل الذي تنصل في مرحلة لاحقة من مسؤولية مشاركته بحجة أنها تمت تحت الإكراه.
ومن (حسنات) الرفيق نايف أنه طبع بأسلوبه عدداً من الكوادر العليا الذين انطلقت ألسنتهم تنطق بالساعات كلاماً (بلغتنا عن لغتنا بما ليس من لغتنا) كما قال الأعرابي عن النحويين في البصرة.
ففي تلك الأيام العجيبة كان مجرد (تسليك) اللسان بالمصطلحات ورصها في نسق ثم الاستمرار في الحديث دون تلعثم هو إحدى المعجزات، وفي هذه الحالة فإن المستمعين يؤمنون على كل كلمة لأنهم لا يفهمون ولا يريدون الظهور بمظهر غير الفاهم، وفي هذه النقطة بالذات وجدت سوقاً كبيرة للغش السياسي أثارت العجب في بدايتها عندما كانت تشبه الكلمات المتقاطعة ولكنها أثارت الرعب والدمار عندما قررت التحول إلى واقع بديل.
وأنا على يقين أن (الرفيق) نايف حواتمه عندما يستعيد الذكريات الجنوبية ومداخلاته النشطة التي لم تتوقف في أي يوم من الأيام يشعر بالندم الذي يلازم ذكريات الأيام الذهبية، ذلك أن مساحة هامة قد تلاشت أمام طاقاته الهائلة.
وعلى العكس من ذلك كان (الحكيم) جورج حبش الذي يبدوا أنه لم يلعب (الغميضة) أبداً فقد كان أميَل إلى وزن الأمور والنظر إلى البعيد ومن ذلك ما رواه لي (عبدالقادر العفيفي) وكان مسجوناً في (أبين) فقد مرّ (الحكيم) على معتقله وسأل عنه من يكون… فقيل له أنه من (بقايا السلاطين) فنصحهم الحكيم بأن يدعوه وشأنه فما من خطر يأتي من هؤلاء (المنتهين)… ويعلق العفيفي بالقول: أشعر أني مدين بجزء من حياتي لكلمة الحكيم.


هناك 5 تعليقات: