الأربعاء، 4 مايو، 2016

موضوعات عن الحرب في كتاب من بواكير حركة التنوير في اليمن بقلم المرحوم خالي القاضي احمد محمد مداعس وتحقيقي

اخواني المتصفحين لصفحتي في  المدونة يسرني ان انقل اليكم اربعه مقالات التي وردت عن الحرب بقلم المرحوم القاضي احمد محمد مداعس التي نشرت في كتاب من بواكير حركة التنوير في اليمن (المجموعة الادبية والصحفية للقاضي احمد محمد مداعس بتحقيقي




1- الإنسان والحرب (1).
2- الإنسان والحرب (2).
3- الإنسان والحرب (3).
4- الإنسان والحرب (4).

الإنسان والحرب (1) *
في كلامي هنا عن الإنسان والحكم عليه بالنسبة لنفسه الشريرة الأمارة بالسوء والنزاعة إلى الشر والأذى. في كلامي هنا عن الإنسان شيء من الاختلاف مع المناطقة الذين خدعوا بالبرق الذي يلمع في هذا الإنسان من عقل وتفكير حتى عرفوه بأنه (حيوان ناطق) كما أن في كلامي هنا شيئاً من التباين مع الفيلسوف الكبير أرسطو الذي خُدع هو الأخير بهذا البريق الإنساني فعرفه بقوله (أنه حيوان مدني بطبعه) وإنني قبل أن أتطرق إلى الموضوع أستمد من هذا الحكيم ومن أولئك المناطقة أستمد المعذرة والتسامح فإن فكري وإن كان لا شيء بالنسبة لأفكارهم وبالتالي فإن الحقيقة الناصعة والواقع الملموس ليدلان دلالة واضحة على صدق ما أقول وصحة ما أكتب، ولو أنصف هؤلاء القوم لعرفوا الإنسان بما عرفه به كاتب العروبة الأكبر وأمير بيانها الفذ الأستاذ أحمد أمين رحمه الله حيث عرف الإنسان بقوله في كلام عن الإنسان (والإنسان حيوان محارب) أجل وهو كذلك حرب في الحرب وحرب في السلم وحرب في المدرسة وحرب في الوظيفة وحرب في الديانات وحرب في السياسة وكل طبقات الإنسان على اختلافها حرب كانوا كذلك قديما وهم كذلك حديثاً وهم لا يزالون كذلك ما زالت أنيابهم في أفواههم ومخالبهم في أيديهم، فالإنسان منذ بداية خلقه إلى الآن سلسلة حروب ونزاع، نازع الملائكةُ في خلقه فقالوا له تعالى ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾( ) ثم كان خلق الإنسان وليد هذا النزاع فحل أول محل في الجنة حيث النعيم والطمأنينة وحيث الأمن والسلام ولكنه لم يرض ذلك كله فترك ماحل له وأكل مما حرم عليه فكان هذا الأكل سبباً لخروجه من الجنة فلو أحب السلام لأطاع ولو أطاع لما أكل .
وهذه هي الحلقة الأولى من سلسلة حروب الإنسان وخروجه على الأمن والسلام كما يرويها القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ...الآية﴾( )فمن قتل يا ترى ومن بقي على سطح الأرض. لقد قُتِل الإنسان المسالم الذي قال لأخيه ﴿لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ العَالَمِينَ﴾( ) فلو خاف الله كل إنسان يدب على سطح هذا الكوكب كما خاف الله ذلك القتيل الأول لما سفكت في الدنيا قطرة واحدة من الدم، ولكنها سنة الله في خلقه فقُتل المسالم وبقي على الأرض ذلك السفاك الأول ليقضي الله أمراً كان مفعولا، وتاريخ الأنبياء مع خصومهم والمجددين والمصلحين مع أعدائهم كل ذلك ينحصر في كلمات معدودات – دعوة فاستنكار فقتل فانتصار، وأقرأ تاريخ الأمم فهل تراه إلا تاريخاً حافلاً بالحروب وأهوال الحروب وأحداث الحروب؟ حرباً أيام الحرب واستعداداً للحرب أيام السلم، ولم يكن ذلك مقصوراً على أمة أو جيل دون جيل، إنما هو تاريخ كل أمة في كل عصر، في الشرق والغرب في البدو والحضر في السهل والجبل في البر والبحر.   يتبع.
*نشر في جريدة النصر العدد (221) 61 رجب 1379هـ 14 يناير1960م.

الإنسان والحرب (2) *
وأخيراً في أعالي السماء وفي أعماق البحار!! فتاريخ اليونان حرب، وتاريخ الرومان حرب، وتاريخ العرب حرب، وتاريخ الفرس حرب، وتاريخ أوروبا حرب، وتاريخ اليابان حرب، وتاريخ أمريكا حرب، وتاريخ العالم الآن حرب في حرب في حرب، وكيف لا يكون ذلك؟
وكلما أستكشف الإنسان مادة من مواد الحياة أو قانوناً من قوانين الطبيعةْ إستخدمها في تحطيم رأس أخيه وتهشيم جسمه، رأى الحجر أول ما رأى فأتخذ منه قذيفة للفتك والتدمير سواء بيده أو بواسطة المنجنيق أو بغيره، واستكشف الحديد فعمل منه سكيناً وسهماً وسيوفاً وأسنة ورماحاً، ثم مدافع ومصفحات ودبابات، وآخر صواريخ عابرة للقارات تحمل في أجوافها من المتفجرات الهيدروجينية والذرية مالا يعلم مدى فداحته بالحياة إلا الله، عرف الإنسان قوانين المياه فبنى عليها أساطيل وغواصات وطوربيدات وطرادات،وظهرت له قوانين الهواء فأنشاء عليه مناطيد وطائرات.
دخلوا على العقبان في أوكارها
                        وتسربوا لمسارح الأفلاك

ولكن هذا الإنسان لم يقف عند هذا الحد من المعرفة، فقد عرف اليوم ما هو فوق ذلك وما هو أدهش من كل ذلك، فقد غزا بعقله وتفكيره الفضاء الخارجي وصار يعبر الأجواء البعيدة عن نطاق الكرة الأرضية محاولاً بذلك الوصول إلى القمر. وهنا يتحقق المعنى الكائن في قول الشاعر اللبناني الشهير (رشيد سليم الخوري)( ) حيث قال:
وثبات الأقدام في الترب لكن
                        وثبات العقول فوق الكواكب

وليطل (أرسطوس) على عالم اليوم ويلقي نظرة واحدة على ما وصل إليه هذا (الحيوان المدني بطبعه) من المدنية والحضارة والرقي الخارق، لينظر (أرسطوس ويتفرج ويملئُ عينه ويقول يا سلام سلم) على هذه الدماء المتدفقة كمياه الأنهار في قطر الجزائر وعلى تلك الآلاف ومئات الآلاف من جثث القتلى المبعثرة ذات اليمين وذات الشمال في كل من فلسطين وعمان والجزء الحبيب من جنوب اليمن المحتل، لينظر أرسطوس إلى المليون اللاجئ من أبناء العرب الذين سأمهم الشقاء ومل من بؤسهم البؤس بعد أن طردوا من ديارهم بفلسطين العربية وتمالا على حقوقهم وشردهم من أرضهم ذلك (الحيوان المدني بطبعه).
لينظر أرسطوس وأمثال أرسطوس إلى ذلك وإلى كل ذلك ويطوف بفكره عبر التاريخ من جيل إلى جيل ومن عصر إلى عصر حتى يصل إلى عالمنا (الذري) الذي يعيش أبناؤه اليوم على بركان وشيك الانفجار وهو منفجرٌ ولا ريب أن لم تمح من عالم الوجود تلك الكلمة المقيتة التي يقال لها (استعمار) والتي توجد مع مدلولها ويا للأسف في القرن العشرين عهد الحرية والنور والمساواة والعدالة كما تزعمون. وإذا كان أرسطوس في شك مما أقول وفي صحة خطئه بتعريف الإنسان بأنه (حيوان مدني بطبعه) إذا كان في شك من ذلك فما عليه إلا أن يعرج على (هيروشيما)( ) في اليابان ويسألها عن الخبر اليقين فلسوف يجد الجواب الشافي عندما يترجم له ما تبقى من طلول تلك المدينة المنكوبة عن مصير المائتي ألف نسمة من أبناء البشر الذين أطاحت بحياتهم قنبلة واحدة مما اخترعه هذا (الحيوان المدني بطبعه).
وبعد – ايها القارئ الكريم – فهذه نظرة خاطفة عن (الإنسان والحرب) وعما عرفه به كل من أرسطوس وعلماء المنطق وما عرفه به (أحمد أمين) ثم عن الواقع الملموس في طبيعة الإنسان وغريزته ونزعته منذ بداية خلقه إلى عصرنا هذا.
أما الحكم بالصحيح في هذه الأقوال والباطل منها فسوف أترك ذلك لحضرتك أيها القارئ الكريم بصفتك بعضاً من ذلك الإنسان الذي يدور حوله الموضوع ويحتدم من أجله النقاش متمثلاً بقول أبي الطيب المتنبي لسيف الدولة حيث قال:
(فيك الخصام وأنت الخصم والحكم)
*نشر في جريدة النصر العدد (222) 30 رجب 1379هـ 28 يناير1960م.

الإنسان والحرب (3) *
في العدد الفائت من النصر الغراء. وتحت هذا العنوان قدمت للقارئ الكريم مقالاً عن الإنسان ونفسه الأمارة بالسوء النزاعة إلى الشر والأذى. وما عرفَ علماء المنطق من أنه " حيوان ناطق" وما قد عرفه به أرسطو من انه "حيوان مدني بطبعه" ثم قول الأستاذ المرحوم أحمد أمين( ) بأنه "حيوان محارب" وما يخالف قول أرسطو من أن هذا "الحيوان المدني بطبعه" ليس إلا حيواناً مفترساً وليس إلا سلسلة من الحروب منذ بداية خلقه إلى عصرنا هذا، ولقد كان الكلام في المقال السابق عن (الإنسان والحرب) من الناحية التاريخية أي منذ بداية خلقه إلى خروجه من الجنة حيث النعيم والطمأنينة. وحيث الأمن والسلام إلى سفك أول قطرة من الدم على وجه الأرض. إلى عصر الذرة والهيدروجينية والصواريخ العابرة للقارات وغزو الفضاء الخارجي وغير ذلك مما توصلت إليه الطاقة البشرية في المكتشفات العلمية والمخترعات الجهنمية الفتاكة التي لا يستطيع العقل والمنطق أن يصف مخترعها بما وصفه به أرسطو من أنه "حيوان مدني بطبعه" اللهم إلا إذا كان ذلك من قبيل المنطق المعكوس، وعبرنا عن المدنية بالهمجية والتوحش فقول أرسطو صحيح ومسلم به. ولقد وعدت في نهاية المقال السابق بالعودة إلى الموضوع. وهاأنذا أعود ثانية فأتكلم عن (الإنسان والحرب) من الناحيتين السياسية والأدبية. فمن الناحية السياسية مثلاً تأليف الأحزاب التي ليست في حد ذاتها إلا معسكرات منافسة ومعادية بعضها لبعض. وانظر إلى معارك الانتخابات وما يجري فيها بين تلك الأحزاب من مظاهرات ومهاترات ومن سبٍ وشتم وتراشق بالألفاظ وتعداد مساوئ واتهام بالخيانة و.. و.. الخ وقد يحمى الوطيس في هذه المعارك الكلامية إلى أن تصبح معارك دموية فعلاً. فالقتل والجرح والإصابة عديدة في كل من الحزبين المتنافسين. وبالتالي في كل من المعسكرين المتناحرين. وهكذا دواليك (وكلما دخلت أُمةٌ في الحكم لعنت أختها) وهناك حرب سياسية أوسع نطاقاً وأعظم خطراً إذ أنها لم تكن بين حزب وأخر أو بين كتلة وثانية ولكنها حربٌ عالمية ودولية تلك هي ما يسمونها بـ(الحرب الباردة) أو (حرب الأعصاب) (وحرب الثوار وحرب العصابات) و(الحرب الاقتصادية) وغير ذلك من مسميات الحروب وأشكالها وأنواعها. هذا هو شأن "الإنسان والحرب" من الناحية السياسية. أما من الناحية الأدبية فأذكر على سبيل المثال الشعر العربي الجاهلي فإنك عندما تقرأه ترى الدم يشيع في جميع نواحيه. وتجد الأشلاء وجثث القتلى تتطاير من كل جنباته وهذه (المعلقات السبع) التي طار صيتها وطبق الآفاق وهي في حد ذاتها وموضوعها لم تنفذ كونها تصويراً واضحاً للكر وإقدام البطولة، البأس،الشجاعة، الضرب، الطعان،..الخ. وهذه كلها من صفات الحروب ومستلزمات مبشريها وموقدي نارها وهل في (عكاظ)( ) بضاعةٌ أكثر رواجاً وأعظم انتشاراً وأشد إقبالاً عليها مما تعرضه الشعراء في هذه السوق من (بنات الأفكار) المحشوة بكل صفات الفخر والاعتزاز التي لا تخرج كلها عن نطاق التفوق والغلبة وقهر الأعداء والعز والمجد اللَّذَينِ لا يأتيان إلا عن طريق الكر في حومة الوغى؟؟ وليس هذا هو شأن الأدب العربي فحسب بل هذه هي الحال في كل الآداب شرقيها وغربيها قديمها وحديثها.وليس هذا هو شأن الأدب في حالتي الجد والحزم لا سوى بل الأمر كذلك في حالتي (الهزل واللعب)،وهنا يجدر بي بل ويجب علي أن أتنحى عن الطريق وأن أفسح المجال للعلامة الكبير الأستاذ/أحمد أمين حيث يقول بهذا الصدد:"وإذا كان الأدباء قد أقاموا دولة الغزل والنسيب، وهو بابٌ من أبواب الحياة وأحبها إلى النفوس وادعاها للسرور والطمأنينة، إذا كان هؤلاء الأدباء قد أقاموا هذه الدولة فإنهم وهم أبعد الناس عن الحرب، قد صاروا ليستعيروا كل ألفاظ الحروب والقتال في التعبير عن خواطرهم ومعانيهم فنظرات الحبيب (سهام) وحمرة الخد (دم) وانتصاب الأنف (سيف) وغير ذلك من المشبهات" وهنا وقد تكلم الأستاذ عن نقل ألفاظ القتال في ساحة الوغى إلى دنيا الغزل، هنا أحببت بدافع التدخل والتطاول أن أقحم نفسي بطلب الإذن من الأستاذ أحمد أمين لأذكر بعض أولئك الجنود الذي سقطوا في معركة الهوى في معركة الشرف كما يقولون في منطق الحرب مع ذكر شيء من أشعارهم الغزلية الحربية، فهذا مُسلِم بن الوليد المعروف بـ(صريع الغواني) أنظر إليه وهو يصور معركة من تلك المعارك اليابسة التي لم تهرق فيها قطرة واحدة من دم وإنما حشر فيها كل ألفاظ الحرب حشراً قال صريع الغواني:
نقاتل أبطال الوغى فنبيدهم
                        ويقتلننا في السلم لحظ الكواعب

فليست سهام الموت تُفني نفوسنا
                        ولكن سهام فُوقِت بالحواجب

وقال جرير:
إن العيون التي في طرفها حورٌ
                        قتلننا ثم لم يحيين قتلانا

يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به
                        وهن أضعف خلق الله إنسانا

وقال آخرون
ما تفعل البيض وسمر الرماح
                        فعل العيون الفاترات الملاح

            ***       
هذا دمي في وجنتيك عرفته
                        لا تستطيع جحوده عيناك

            ***       
خداك قد اعترفا بدمي
                        فعلامَ جفونك تجحده

            ***       
خذوا فؤادي من أسير المقل
                        فوا عجباه لأسير قتل

ثم لنعد إلى بقية دار البيان التي جاد بها فكر أحمد أمين الفياض ورسمها يراعه الساحر بهذا الصدد قال رحمه الله: وهكذا ملئوا هذا الباب البديع اللطيف دماً وقتلاً وسهاماً ونبالاً وفتكاً وصراعاً.وديةً وقوداً ونقلوا كل أدوات القتال حيث لا قتل ولا قتال.
واللعب أيضاً!!
ولما أراد الناس أن يلعبوا لعبوا بالقتال ومثلوا المعركة من جميع نواحيها، فهذا الشطرنج ملئوه خيلاً وفيلة وجنوداً وقلاعاً ووزراء ودولة وملكاً يدور حول عرشه القتال.ثم ماذا؟؟ ثم تكون النهاية (كش) (مات ملك) وكذلك القول في النرد والدمنة وغيرهما من اللعب.. ومرنوا الأطفال والشباب على لعب الكرة فقسموهم معسكرين ونظموهم جيشين وأقاموا لهم ميادين صالوا فيها وجالوا وهكذا استغلوا في كثير الألعاب غريزة الإنسان وميوله إلى الحرب، إذ لو كان للإنسان غريزة أخرى تسد مسدها لأتوه عن طريقها،هكذا قال رحمه الله ولكنه الإنسان ذلك الحيوان المفترس الذي لا تأخذه في سفك الدماء لومة لائم.
*نشر في جريدة النصر العدد (223) 14شعبان1379هـ 11فبراير1960م.

الإنسان والحرب (4) *
في البحوث الثلاثة السابقة وتحت هذا العنوان قدمت لقراء (النصر) الغراء الكلام عن (الإنسان والحرب) من النواحي التاريخية والسياسية والأدبية أما في هذا المقال الذي يعتبر خاتمة المكان حول هذا الحيوان الولوع بسفك الدماء الشغوف بالغلبة والتفوق المليء بالأنانية وحب الأثرة، ولو كان ذلك التفوق وتلك الغلبة على حساب الغير وعرض الغير ودم الغير، أما في هذا المقال فسوف أتحدث عن الإنسان والحرب من الناحية الاقتصادية ولقد سبق لي أن نوهت به نحو (الحرب الاقتصادية) في المقال الفائت ولكن ذلك لم يتعد كونه من قبيل الاستطراد ليس إلا، والحرب الاقتصادية اليوم لها أثرها الفعال ونفوذها القوي في المحيط الدولي وعند كل الأمم وبين عموم الهيئات والمؤسسات التجارية والصناعية والزراعية، وهذه الحرب بالنسبة لصالح الجماهير في عموم الأقطار هي أنفع أنواع الحروب وأجداها، بل هي الوحيدة من نوعها في جلب الفائدة للصالح العام ودعم حياة الأمم والتخفيف من وطأة العيش، فالتنافس بين شركة وأخرى والمزاحمة بين مؤسسة وثانية كل ذلك لم يجن الفائدة من ورائه إلا الأفراد والمجتمعات في كل أمة وفي كل دولة، وعلى ضوء هذا الاعتبار فإنني أعتقد أنه يصح القول بأن هذه الحرب (حرب حيوية) وهي بلسم لتضميد الجراحات الناتجة عن (الحرب الدموية)، ولنستطرد على سبيل المثال مصنوعات (اليابان) ومنتوجاتها من كل أصناف التجارة، فلقد (غزت) هذه المنتوجات كل أسواق الدنيا وغدت (تكتسح) وتحطم كلما كان لمصانع الغرب وشركات الغرب ومؤسسات الغرب من (معاقل) حصينة في أسواق العالم تدخر فيها كل أنواع الجشع والاحتكار والتحكم في الأرباح حتى هبطت هذه المنتوجات الشرقية بأطماع الغرب إلى نصف القيمة فما دون في بعض المنتوجات، وكذلك القول في منتجات الهند والصين الشعبية وغيرها من البلدان الشرقية التي بدأت تحطم الأغلال وتتحرر من ربقة الاستعمار الغربي المقيت الأمر الذي جعل الغرب ومصانع الغرب وفي المقدمة أمريكا وبريطانيا جعلها تشكو صداعاً وتصدعاً في كيانها منذ دارت العجلة دورتها الأولى في أول مصنع في الشرق، وهذه لعمر الحق حرب حبيبة إلى النفوس في كل أصقاع الدنيا رغم أنف أرباب الاستغلال ومصاصي الدماء ومحتكري الأموال.
 إننا شعوب العالم لنطالب المزيد من المسابقة والمزيد من (الكر والإقدام)في مثل هذا المضمار الحيوي مضمار البناء والتعمير لا مضمار الفناء والتدمير، وإننا لفي أشد الانتظار لأن تعم هذه الحركة التحررية المباركة وهذا الغزو الاقتصادي العظيم كل بقاع الشرق وبوجه خاص كل جزء من أجزاء شرقنا العربي المنطلق.
وبعد أيها القارئ الكريم فإنني أعتقد أن الكلام معك عن (الإنسان والحرب) وخشية الملل سأضطر إلى بدء حديثي معك حول هذا الموضوع، ولكنه يجدر بي بل ويجب علينا جميعاً أن نذكر دائماً وأبداً أن لا يعزب عن أفكارنا بأنه منذ عهد بعيد أي منذ ثلاثة عشر قرناً وتسعة وسبعين عاماً جاء قوم من الحكماء وملائكة البشر وعلى رأسهم سيد الكائنات ومنقذ البشرية الأعظم محمد صلى الله عليه وآله وسلم، جاء هؤلاء القوم يدعون الناس إلى التحابب والتآخي ويخرجونهم من الظلمات إلى النور، وينشرون لواء السلام ويقفون سداً حاجزاً في وجه الحرب ويعلنون أن الإنسان أخو الإنسان وينادون في مسمع الدنيا لكافة البشر أن أحب لأخيك ما تحب لنفسك واكره له ما تكره لنفسك، وجاء الدين الإسلامي يدعو بالحسنى واشتق اسم الإسلام من السلام ولكن ماذا؟ ولكن ويا للخيبة ولكن ويا للأسف، فسد الناس وأطرد القياس، وهذا هو تاريخ المسلمين بين يديك فتشه وتجول بين صفحاته فسوف لا تجد إلا حروباً لا تنتهي، ومنازعات ومهاترات ليس لها أخر، وكذلك القول في سائر الأديان، فهذا دين النصرانية يدعو إلى السلام والتسامح إلى حد أن يقول (من لطمك على خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر) ثم لم يُرَ في تاريخ العالم أُممٌ تحب القتل وتتفنن في أساليبه وتدعوا إليه وتفتك أشد الفتك وأروعه وأحماه كما تفعل أمم النصرانية ببعضها مع بعض وبعضها مع غيرها، وهل بعيد عن الأذهان أم هل علق بها من التبلد والبلاهة إلى حد أن ننسى ما يجري اليوم من الفتك والتنكيل ومن القتل والتدمير وإزهاق الأرواح وإهراق الدماء في كل بلد من الجزائر العربية المناضلة وعمان الباسلة والجنوب اليمني الحبيب؟ وهل مأساة فلسطين وغيرها من المآسي والمخازي التي خلقها الغرب وجشع الغرب واستعمار الغرب هل كل ذلك ببعيد عن الأذهان؟؟ لا.لا. وألف كلا.
*نشر في جريدة النصر العدد (225) 13 رمضان 1379هـ 10 مارس 1960م




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق