‏إظهار الرسائل ذات التسميات ترثيات ورثاء لأعلام. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات ترثيات ورثاء لأعلام. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 12 يناير 2015

القاضي/ محمد بن أحمد الجرافي

29/10/2011م
1ذو الحجة 1432هـ
 
بسم الله الرحمن الرحيم
{مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً}الأحزاب23
صنعاء تودع إمام الاعتدال ووارث علم الجلال والأمير
القاضي/محمد بن أحمد الجرافي

بقلم الأستاذ/محمد بن محمد بن عبدالله العرشي

صنعاء تفقد الأمن والأستقرار وتصاب بالرعب والفزع لكارثتين حلت بها؛ أولها رحيل القاضي العلامة المجتهد/ محمد بن أحمد الجرافي – مفتي الجمهورية، وثانيها الرعب التي تعيش فيها، وأصدق وصف لحالة الحزن والرعب التي شهدتها صنعاء ما قاله الشاعر الكبير الأستاذ/حسن بن عبدالله الشرفي من قصيدة رثى بها المرحوم القاضي/ محمد بن أحمد الجرافي، بعنوان (دمعة صدق):
الجرافي محمد غاب عنها

يوم راحت تلفها الأخطارُ

فهي في ظلمتين حزنٌ ورعبٌ

كل شيء بهوله ينهارُ

ما الذي أشعل الفتيل سوانا

نحن؟ نحن الخراب نحن الدمارُ

السلاح المجنون في كل حي

والريال البغيض والدولارُ

ولا أجد ترجمة موجزة وصادقة تعبر عن الحقيقة للفقيد إلا شهادة شيخ الإسلام القاضي/ محمد بن إسماعيل العمراني التي وردت في كتاب (موكب المعاني بترجمة العلامة الجرافي) تأليف الأستاذ/عبدالحميد بن صالح آل أعوج سبر، الذي صدر في صنعاء عام 2009م والذي نشرته مكتبة الجيل الجديد، قال القاضي العلامة محمد بن إسماعيل العمراني ما لفظه:
(القاضي العلامة الكبير محمد بن أحمد بن أحمد الجرافي مفتي عام الجمهورية اليمنية، علامة بن علامة بن علامة، ورث العلم عن أبيه عن جده. حفظ القرآن عن ظهر قلب، ثم قرأ جميع علوم الاجتهاد بجد واجتهاد ومثابرة إلى أن بلغ الدرجة العليا في العلوم الشرعية والدينية والعربية. تفرد بمعرفة مؤلفات المحققين من العلماء، وعلى رأسهم الزمخشري والجلال والأمير وغيرهم. فهو الفريد في عصره بمعرفة هذه المؤلفات الزاخرة بالعلوم الشرعية والدينية والعربية، ولا يساويه أحد من علماء اليمن. تولى عدة مناصب هو أعلى منها وهي دون قَدره، فكل وظيفة عمل فيها هي دون علمه وذكائه وفضله ونشاطه وتحقيقه واتساع دائرة معارفه، لا فرق بين وظيفة ووظيفة، ولا فرق بين كونها قضائية أو إدارية، تشرفت به الوظائف ولم يتشرف بها، فهو شريف نفسه. مع تواضع وورع وتقوى وإنكار للذات وحب للناس ولمنفعة الناس منذ شبابه إلى كهولته إلى شيخوخته).
وبرحيله شعرت شخصياً أنني فقدت الأمان والاستقرار، وهو شعور الكثير من سكان صنعاء الذين شعروا بنفس الإحساس ولاسيما الذين هم من جيلي، والذين يعرفون الفقيد حق المعرفة وما يمثله بالنسبة للقضاء والإدارة والسياسة، والذين يعرفون تاريخ بيت الجرافي وعلمائهم. وعند مواراة جثمانه الطاهر الثرى، وجدتني لا شعورياً استشهد بأبيات للشاعر اليمني الكبير/ محمد بن حمير الوصابي الهمداني المتوفي سنة 651هـ والمذكورة في ديوانه الذي حققه المرحوم القاضي/محمد بن علي الأكوع والذي نشرته دار العودة في بيروت عام 1985م عندما رثى الفقيه الإمام/ محمد بن الحسين البجلي المتوفي 621هـ:
كنت الجمال لكل دهر باطل


فاليوم عطل كل دهرٍ خالي

من للعظائم إن فقدت يزيلها


عن حالها ويفك كل عقال

من صاحب الوجه الوسيم


وصاحبُ الجاه الجسيم وَكْعبةُ النَّزال

بعد الثريا صرت في حفر الثرى


والدهر يُرْخِصُ كل شيء غالي
       
بالله يا قبر "الفقيه محمد"


هل أنت عن علم برد سؤالي

بالله ياقبر "الفقيه محمد"


ماذا صنعت بوجهه المتلألي

لو أن تُربك بالترائب يُشْترى


وَازَنتُهُ المثقال بالمثقال

لو كان لي امري دفنتُكَ في الحشا


وجَعْلتُ صفَّ اللِّبن من أوصالي

عفت الديار فلا ديارُ وغاب منْ


قد كان مالاً للقليل المال

فهو الذي قد كان من أخلاقه


بَذْلُ النَّدى وهداية الضلال

وقد أحترت عندما قررت أن أسهم بجهدي المتواضع بالكتابة عن الفقيد الراحل، وظللت متردداً من أين أبداء ووجدت أن الأستاذ/ عبدالحميد آل أعوج سبر، قد كفاني مؤنة عن الكتابة عن الفقيد القاضي/ محمد الجرافي وآل الجرافي فقررت أن أكتب عن علاقتي الشخصية بالمرحوم وآل الجرافي.

بداية علاقتي الشخصية بأسرة آل الجرافي عام 1962م
بعد ما قامت ثورة السادس والعشرين من سبتمبر، وتعين المرحوم عمي القاضي/عبدالوهاب بن عبدالله العرشي في ديوان عام وزارة الخارجية، كان زميله القاضي العلامة السفير/علي بن أحمد الجرافي أطال الله عمره (الشقيق الأصغر للقاضي المرحوم/محمد)،والأستاذ السفير القدير/يحيى بن عبدالقادر أبو طالب.
وقد ظلت علاقة القاضي علي الجرافي بعمي عبدالوهاب علاقة أخوة ومودة حتى توفي المرحوم القاضي عبدالوهاب العرشي في قطر عام 1379هـ الموافق 1977م عندما كان سفيراً لليمن هناك، وهناك قصة عجيبة رأيت أن أذكرها للدلالة على صدق المودة والمحبة بين أسرة آل العرشي وآل الجرافي، في بداية الثمانينات من القرن العشرين كنت في زيارة رسمية لبريطانيا بناءً على دعوة الحكومة البريطانية بعد التوقيع على تجديد العقد لشركة البرق واللاسلكي البريطانية المحدودة في اليمن، وعندما نزلت الفندق المخصص لي إذا تليفون الغرفة التي أنا فيها يرن من عاملة الاستقبال وتقول أن القاضي/ علي الجرافي جاء لزيارتك وهو منتظر لك في بهو الإستقبال في الفندق، وإلى هنا فإن الخبر عادي، فلبست ملابسي بسرعة وهرعت لاستقباله وعانقني بمحبة ومودة وعيناه مشرغة بالدموع، وإذا هو يقول: يا محمد أنت تدري من قال لي أنك هنا في لندن؟ فأجبت بالنفي. قال لي: عمك عبدالوهاب. فأقشعر جسمي وأجبت بسرعة: ماذا تقولون يا قاضي علي، عمي المرحوم القاضي عبدالوهاب؟ قال: نعم. قلت: كيف؟ قال: كنت ليلة وصولك إلى لندن أي ليلة أمس نائماً فرأيت في منامي عمك عبدالوهاب يقول لي: قُمْ يا علي البس لتقوم باستقبال محمد بن محمد، وفي الصباح ذهبت إلى السفارة اليمنية وأنا ما بين مصدق ومكذب وسألت هل محمد بن محمد العرشي – وكيل وزارة المواصلات – هنا في لندن؟ قالوا لي: نعم وصل بالأمس بناءً على دعوة من وزارة الخارجية البريطانية. وطلبت من المختصين عنوان الفندق، وجئت لزيارتك. وبعد عودتي إلى صنعاء حكيت لكثير من الأصدقاء رؤيا القاضي علي الجرافي ومنهم المرحوم الفقيد القاضي محمد الجرافي وأخي الأستاذ علي صالح الجمرة والقاضي علي أبو الرجال، وإذا القاضي علي أبو الرجال أطال الله عمره يقول لي: "لقد قمت بتسجيل المقابلة الإذاعية لك يا محمد من راديو بي بي سي البريطانية، وسجلتها" فأعجبت من توارد الخواطر ولقاء الأرواح عندما تكون العلاقة بين الأحباب علاقة مودة ومحبة وليست مبنية على علاقة منفعة بحتة.
علاقتي بالفقيد الراحل بعد عودتي من الدراسة من جمهورية مصر العربية
وعندما عدت من القاهرة في عام 1971م بعد إنهاء دراستي في جامعة الأزهر كنت أحضر مقيل آل الجرافي في منزلهم العامر الذي كان يحضره العلامة القاضي أحمد بن أحمد الجرافي والفقيد الراحل القاضي محمد، والمرحوم السفير العالم المجتهد السياسي الوزير القاضي/ إسماعيل بن أحمد الجرافي المتوفى سنة2007م، والقاضي علي بن أحمد الجرافي أطال الله بقائه، وذاكرة اليمن أبو التوثيق فيها القاضي الأستاذ/ علي بن أحمد أبو الرجال – رئيس المركز الوطني للوثائق، والعديد من القضاة والعلماء والأدباء، الذين كانوا يتناولون الكثير من القضايا العلمية والأدبية، وكان هذا المجلس عامراً بالعديد من القضاة والعلماء والأدباء ويتناولون الكثير من القضايا الفكرية والفقهية والتاريخية، وكان القاضي العلامة المرحوم أحمد بن أحمد الجرافي يحدثني عن جدنا القاضي المؤرخ حسين بن أحمد العرشي المولود عام 1276هـ، ويقول أنه عرفه. لأن القاضي أحمد الجرافي من مواليد 1307هـ،وبالمناسبة كان القاضي المرحوم / أحمد بن أحمد الجرافي والد الفقيد متزوج من إبنة القاضي محمد بن علي داعر وهو أخو جدي – لأمه – القاضي المرحوم عبدالله بن أحمد العرشي، وكانت زوجة القاضي أحمد شقيقة صديق طفولتي وصبايا وشبابي وكهولتي الأستاذ/ أحمد محمد داعر – أطال الله عمره – وكيل الهيئة العامة للآثار سابقاً، والملحق الاقتصادي لبلادنا في الصين سابقاً، والتي توجد بيني وبينه صداقة  أرواح  قبل صداقة الأجسام وعندما كان يحس أحدنا أن الأخر لديه أي مشكلة رغم بعد المسافة بين اليمن والصين يقوم كل واحد منا بالإتصال بالأخر، ويحاول كل منا أن يسال عن أسباب القلق الذي أحس به.
والجدير بالذكر في هذا السياق أن أخي وتوأم روحي المهندس/عبدالملك بن أحمد العرشي – رئيس الهيئة العليا للرقابة على المناقصات والمزايدات – يكون دائماً بيننا وبينه اتصال روحي وفي أحد الأيام كان أخي عبدالملك في مطار المكلا وحدث أن حدثت له شرغة ولم أشعر إلا وأنا أصيح فجاءة عبدالملك عبدالملك والعرق يتصبب مني.
 واستمريت أحضر مقيل آل الجرافي في كل شهر مرة تقريباً، وكان المرحوم القاضي محمد يهتم بي ويناقشني في عملي حيث كنت أعمل في الهيئة العامة للخدمة المدنية، وفي يوم من الأيام استدعاني الفقيد وذهبت إليه وأخبرني أن هناك محاولة لإصدار قوانين بقرارات من مجلس القيادة ولا سيما وأن مجلس الشورى قد تم حله وربما بعض نصوصه تخالف أحكام الشريعة الإسلامية ومواد الدستور. وتسأل ما هو الحل؟ فتناقشنا حتى تم التوصل إلى إنشاء هيئة لتقنين أحكام الشريعة الإسلامية فقال لي الفقيد القاضي محمد:"سأقابل غداً الأخ القاضي علي السمان – وزير العدل في ذلك التاريخ – وأناقش معه الموضوع وأخبرك بما تم الاتفاق عليه".وفي اليوم التالي أتصل بي إلى مقر عملي في الهيئة العامة للخدمة المدنية، وقال لي:"نتقابل بعد العصر عندي في المقيل وبعد العصر ذهبت إلى مقيلهم العامر في حي الخراز وقال:"لقد أقنعت الوزير بالمقترح فاختار بعض زملائك وأعدوا القرارات القانونية الخاصة بإنشاء لجنة لتقنين أحكام الشريعة" واستدعيت زميلين لي هما القاضي/عباس مرغم الذي يعمل الآن عضواً في المحكمة العليا، والقاضي/محمد حسن قايد وهو يعمل الآن قاضي في استئناف محافظة الحديدة. وفعلاً تم إعداد مشروع قرار مجلس القيادة بإنشاء الهيئة العامة لتقنين أحكام الشريعة الإسلامية، ومشروع ميزانية للهيئة ومشروع ترشيح أميناً عاماً للجنة، وأقترح القاضي المرحوم/محمد بأن أكون أميناً عاماً للهيئة، ثم جاء حل الهيئة العامة للخدمة المدنية من قبل اللجنة العليا للتصحيح وتكليفي من قبلها بالإشراف على الهيئة العامة للخدمة المدنية المنحلة والمساهمة في تأسيس الديوان العام لشئون الموظفين وتم بعد ذلك تعييني وكيلاً للديوان العام لشئون الموظفين.
وتوطدت علاقتي بالفقيد القاضي محمد أكثر، وكان بالنسبة لي هو الأب والأستاذ، وكان يحوطني برعايته ونصائحه وتوجيهاته، وفي تلك الفترة تقرر سفري لحضور دورة تدريبية في أداء الخدمات في ألمانيا الاتحادية تبنتها المنظمة العربية للعلوم الإدارية عام 1976م، وذهبت إلى وزارة المواصلات لتهنئة صديقي الأخ/ أحمد محمد الأنسي بتعيينه وزيراً للمواصلات، وإذا هو يفاجئني بالعرض علي بأن أكون وكيلاً لوزارة المواصلات، وهو المنصب الذي كان يشغله قبل أن يعين وزيراً للمواصلات، فأخبرته أنني سوف أسافر إلى ألمانيا الاتحادية لحضور دورة تدريبية في الإدارة هناك، ولا يوجد لدي مانع من ذلك.  ثم قمت بزيارة الفقيد القاضي محمد لاستئذنه بالسفر إلى ألمانيا وأودعه وإذا هو يسألني:"ماذا ستعمل يا محمد بعد عودتك من ألمانيا؟ فأخبرته بما جرى بيني وبين الأخ/أحمد الأنسي، وإذا هو يقول لي:"إن عملك يجب أن يكون في العدل ليس في المواصلات بحكم تخصصك وسوف أرشحك لمنصب نائب وزير العدل" وفوجئت بل أصبت بالدهشة. وقلت له: لا أتصور أن أكون في منصب يكون أعلا من المنصب الذي تشغلونه. وقال لي: يا محمد أنت ستفيد القضاء ووزارة العدل بخبرتك الإدارية والمالية وسينعكس ذلك إيجاباً على السلطة القضائية والمحاكم. فقلت له: لا أستطيع أن أخالف توجيهاتكم وأنا سوف أسافر وأخشى أن يتعارض الترشيحان، وقال:"سوف نقنع وزير المواصلات بسحب ترشيحه" وفعلاً تمَّ صياغة قرار ترشيحي نائباً لوزير العدل، وتم توقيعه من قبل وزير العدل، ورئيس مجلس الوزراء، وتم رفعه إلى مكتب الرئيس الغشمي الذي أغتيل ومشروع القرار لا يزال في مكتبه، وعندما تم انتخاب الرئيس علي عبدالله صالح رئيساً للجمهورية من مجلس الشعب التأسيسي سارع الأخ/أحمد الانسي بمتابعة إجراءات ترشيحي، وتم رفع قرار تعييني وكيلاً لوزارة المواصلات، وكان أول قرار جمهوري يتم توقيعه من الرئيس علي عبدالله صالح هو قرار تعييني، واستمرت علاقتي بالفقيد القاضي/ محمد قوية يحوطها الحب والتقدير، وكان يرعاني دائماً بأخلاقه العالية ونصائحه العلمية.
وعندما أصبت بأزمة قلبية، وتم إسعافي إلى تونس انزعج القاضي محمد، وكان يأتي لزيارتي، ويعرض عليَّ مساعدته المادية، ويعمل على متابعة حالتي بحب وقلق ومودة، وعندما صدر القرار الجمهوري بتعيين هيئة الإفتاء الشرعية برئاسة الراحل الفقيد القاضي/محمد استدعاني وكلفني بإعداد مشروع قانون بإنشاء هيئة الإفتاء الشرعية تنظم أعمال الهيئة وآليه عملها ووجه نجله النجيب القاضي/عباس بن محمد الجرافي بالتعاون معي بإعداد المشروع والتنسيق مع والده.
هذه بعض الآهات والدموع التي أتذكرها عن علاقتي بفقيد الأمة الإسلامية القاضي/ محمد أحمد الجرافي.

المرحوم الأستاذ/أحمد بن أحمد محمد العرشي

بسم الله الرحمن الرحيم
(والذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون)

من آهات النفس ..
في أربعينية الفقيد الغالي الأستاذ المرحوم/أحمد بن أحمد محمد العرشي
 الإنسان، الأديب، السياسي.       
عبرات بقلم الأسيف/محمد بن محمد بن عبدالله العرشي

لم أكن أتصور أن الحروف تتأوه وأن الدموع تبكى في مآقي العيون، وأن النفس تخرّ صريعةً حزناً وكمداً، وأن الإنسان في حالة فَقْد توأم روحه يفقدُ الشعور والإحساس بالزمن، وأن الإنسان يمكن أن يرثي نفسه. هذه المشاعر كلها انتابتني عندما سمعت بنبأ وفاة الأستاذ المرحوم/أحمد بن أحمد محمد العرشي أو الصّفي كما كان يحب أن ينادَى به، رغم معاناته ومرضه الذي ألمّ به والذي جعل جميع أفراد الأسرة يعانون ويتألمون معه، وكان كل واحد منهم لو يستطيع أن يقدم لأحمد إحدى كليتيه أو يفتديه بنفسه لما تردد أن يقوم بذلك، وكنت قبل وفاته بساعتين في زيارته أنا وشقيقته أُم أولادي، وأخي الأستاذ/يحيى وخرجنا من عنده وعيوننا تفيض بالدمع حزناً عليه. لأَننا كنا نتوقع وفاته في أي لحظة.
لم أصدق أنني أكتب ترثيته لأن قلمي يقطر دماً لا حبراً وإن عيوني تكاد أن تصاب بالعمى،أو كما قالت الخنساء في رثاء أخيها صخر:
فلا والله لا أنساك حتى

أفارق مهجتي ويشق رمسـي

 كان يعتبرني والده وأخاه الأكبر وكان يقف معي في كل مشكلة تواجهني ستضل روح أخي أحمد تلازمني حتى ألحقه، وإنني لواثقٌ أنني سألتقي به وبالأحبة الذين رحلوا .. والدي، وعمي عبدالوهاب، وعمي عبدالكريم، ووالده وغيرهم من بقية أفراد أسرتنا، حيث لا حسد ولا ظلم ولا طغيان ولاحروب، نلتقي في مقعد صدقٍ عند الرحمن الرحيم بمشيئته تعالى ورحمته،،
لم يكن أخي أحمد بالنسبة لي أخاً لزوجتي فقط بل كان هو وأخوه الأستاذ عبدالملك يمثلان لي الحياة بحلوها والأمان والطمأنينة واليقين والمصداقية والحب الذي لا تشوبه شائبة.  إنني أحاول أن أختار الكلمات لكنها تنفر مني وكأنها تقول لي لا الحروف تستطيع ولا الجمل ولا الأسطر أن تعبّر عن ما كان يمثله لك أحمد وكيف أستطيع أن أختزل أكثر من خمسين عاماً من عمري بكل صورها الجميلة، هي خلاصة عمري. عفواً أخي القارئ لقد اختلطت عليَّ الأمور أصبحت أكتب عن نفسي وأنستني الحديث عن محاسن الفقيد المرحوم أبي عمار.
 أما عن علاقته بأفراد أسرته أقول أنه كان الجوهرة الفريدة وهو الذي أحبه جميع أفراد أسرته رجالاً ونساءاً، وكان لهم بمثابة الإبن والأخ والولد.
كان سريع الاندماج مع من يحب، فيعتقد أبناء تعز أنه منهم وأبناء تهامة كذلك. وقد أحبه جميع من عمل معهم في كافة الأعمال التي أوكلت إليه.

كان يحب الحياة والناس ويستمتع بالمناظر الجملية في الطبيعة ويستمع إلى الألحان ويترنم بها ولم يكن يحمل في قلبه حقداً أو غلاً على أحد، ويتعاطف مع الفقراء والمساكين ولا يتردد أن ينفق كل ما معه على أحد من أسرته ومعارفه بل كان أحياناً يستدين ليساعد غيره من أصدقائه ومعارفه وأسرته وكان يكتم ما يعانيه من ألم ومرض وإذا سأله أحد عن حاله يرد بكلمته المأثورة الأمور على مايرام.
كان باراً بوالدته، طائعاً لها لا يخالف لها أمراً، وكان كل صباح يقوم بتقبيل ركبتيها وكذلك كل مساء ويطلب منها أن تدعو له، كان طائعاً لأخيه عبدالملك لا يخالف له أمراً، وكان ملازماً له كظله، وكنت أتخيل أنهما روحاً واحدة، كان باراً بي لا يخالف لي أمراً، وكان يعتبرني أخاه الأكبر.
وكان يكتم الآمه ومعاناته ولا يشكو لأحد، بل كان يخفي عن جميع أفراد أسرته ما يقاسيه أثناء العمل وحين جمد عن العمل في المؤسسة العامة للإذاعة والتلفزيون في الإدارة التجارية كتم عنا جميعاً لمدة سنتين وكنا عندما نسأله عن مرضه يقول كل شيء على ما يرام والابتسامة لا تفارقه، وعادة ما كان يشكو هموم الوطن ومآسيه.
 لقد كان الفقيد مسكوناً بحب الوطن وهمومه وكان شعاره ما قاله شاعرنا الكبير الزبيري:
كلما نلت لذة أنذرتني

فَتَلَفَّتُ خيفة من زماني

وإِذا رمت بسمة لاح مرئى

وطني فاستفزني ونهاني

كان أديباً من الدرجة الأولى، وكانت كتاباته الأدبية والصحفية لوحات من لوحات الإبداع الأدبي. كان شاعراً ويكره أن يقال له شاعراً وأديباً، كان مثقفاً من الدرجة الأولى وكان له أسلوب مميز في الكتابة، يمتاز بالعذوبة والرشاقة وكان صحفياً وعضواً في نقابة الصحفيين.وكان هو وزميله في الدراسة والعمل الإعلامي المرحوم يحيى علاو يمثلان عنصـر النقاء والوفاء وكان يشعر كل أصدقائه وزملائه أن الصداقة والزمالة ليست شعاراً يتردد إنما هي سلوك وممارسة من خلال تواصله معهم والتفاعل مع مشاكلهم. وكان متواضعاً أنيقاً في ملبسه ومظهره وكتابته، كانت صداقاته متعددة ومتنوعة.
 كان سياسياً من الدرجة الأولى، وكان عضواً في اللجنة الدائمة، ولكنه ليس انتهازياً ولم يحاول أن يستفيد من عمله في المؤتمر الشعبي العام شخصياً أو بتقرب أو يجامل أحداً من المسئولين على حساب مبادئه وقناعاته وكان يقول يجب أن تسخر السياسة في حل مشاكل الوطن ورفع الظلم عن المواطنين وكان يقول إذا لم يقترن العمل السياسي بأهداف وطنية محددة وواضحة بعيدة عن الانتهازية فإن ذلك عمل عبثي.
وقد حاولت العديد من الأحزاب أن تستقطبه لمعرفتها به وكفائته وإخلاصه وتفانيه لكنه كان يرفض ذلك لأنه كان يؤمن بالوسطية وبالميثاق الوطني ومبادئه.
كان أحمد يكره المناطقية والطائفية والمذهبية وكان مسلماً نقياً تقياً، يكره الغلو والعصبية ويحارب الغلو بأشكاله المختلفة سواء كان هذا الغلو سياسياً أو مذهبياً أو مناطقياً، كان متواضعاً بسيطاً في حياته يألفه الصغير والكبير.
أنا لا أستطيع أن أُلِـمّ بسيرة أخي أحمد في هذه الوريقات بل أن هذه الأسطر هي ومضات من حياته العطرة الغنية بالمواقف الجميلة، التي لا تتكرر في حياتنا المعاصرة.
ولم أجد ما أستشهد به على حزني وكمدي على الصّفي أو أخي أحمد إلا مقطوعة من الشعر وجدتها في سفينة من سفن الأدب اليمني([1]) التي اشتهرت بها اليمن وهي على لسان شاعر مجهول توفي له ولد في يوم عيد:
لبس الرجال جديدهم في عيدهم

ولبست حزنَ أبي الحسين جديدا

أيـسرّني عيدٌ ولم أرَ وجهه

فيه ألا بعداً لذلك عيدا

فارقته وبقيت أخلد بعده

لا كان ذاك بقاً ولا تخليداً

من لم يمت جزعاً لفقد حبيبه

فهو الخؤن مودةً وعهودا

متْ مع حبيبك إن قدرتَ ولا تعش

من بعد ذلك لوعةً مكمودا

ما أم خَشْفٍ قد ملا أحشاءها

حذراً عليه وجفنها تسهيدا

إن نام لم تهجع وطافت حوله

فيبيت مكلوماً بها مرصودا

مني بأوجع إذ رأيت نوائِحاً

لأبي الحسين وقد لطمن خدوداً

ولقد عدمت أبا الحسين جلادتي

لما رأيت جمالك المفقودا

كنت الجليد على الرزايا كلها

وعلى فراقك لم أجد تجليدا

ولئن بقيت وما هلكت فإنَّ لي

أجلاً وإن لم أحصه معدودا

لا موت لي إلا إذا الأجل انقضـى

فهناك لا أتجاوز المحدودا

حزني عليك بقدر حبك لا أرى

يوماً على هذا وذاك مزيدا

ما هدّ ركني بالسنين وإنما

أصبحت بعدك بالأسى مهدودا

يا ليت أني لم أكن لك والداً

وكذاك أنك لم تكن مولودا

فلقد شقيت وربما شقى الفتى

بفراق من يهوى وكان سعيدا

من ذم جفنا باخلاً بدموعه

فعليك جفني لم يزل محمودا



[1] منقولة من سفينة أدبية في مكتبة الشاعر الكبير الأستاذ/محمد قاسم المتوكل، وتوجد صورة منها في مكتبتي.

المرحوم القاضي عبدالكريم بن عبدالله العرشي

الذكرى السابعة (عام 2013م) لرحيل:
 حكيم اليمن .. وأول من طبق التداول السلمي للسلطة على مستوى العالم العربي
قبل سوار الذهب الرئيس المؤقت للسودان..
عمي المرحوم القاضي عبدالكريم بن عبدالله العرشي
الإنسان ... الأب ... رجل الدولة
بقلم/ محمد بن محمد بن عبدالله العرشي

إنني أحاول في هذه السطور أن استعرض سيرة القاضي عبدالكريم منذ نعومة طفولتي، وبداية استيعابي لما حولي حيث كنا نسكن في حارة القزالي بمدينة صنعاء القديمة في حوش واحد يتكون من عدة منازل يملكها جدي القاضي المرحوم عبدالله بن أحمد العرشي حيث كانت أسرته تسكنها والمكونة من والدي وأعمامي ومنهم المرحوم القاضي عبدالكريم، وقد تربيت أنا وأخي الأستاذ يحيى حسين العرشي وهو (أخي من الرضاعة) وهو أخو القاضي عبدالكريم من أمه في هذا الجو الأسري المفعم بالترابط والتراحم والتآخي وقد حظي الأستاذ يحيى بعناية المرحوم القاضي عبدالكريم الذي كان يعتبره ولده والأستاذ يحيى يعتبره والده أيضاً، وبالمقابل قد حظيت أنا باهتمام وعناية ورعاية المرحوم القاضي عبدالوهاب العرشي وقد حرص العمان على الإشراف على دراستنا وتربيتنا وخلق روح المحبة فيما بيننا وأذكر أننا كنا ندرس بعض دروس التاريخ اليمني قبل الثورة عند الوالد عبدالكريم والقاضي يحيى الصديق حيث كان متواجداً عند الوالد عبدالكريم بحكم صداقتهما التي تكونت عندما كان المرحوم القاضي عبدالكريم عاملاً وحاكماً في مغرب عنس والقاضي يحيى كان كاتباً لمحكمة مغرب عنس.
والجدير بالذكر أن المرحوم القاضي عبدالله بن أحمد العرشي كان مندوباً للمرحوم الإمام يحيى في عدن، وقد تزوج من عدن من أسرة المرشحي، والتي تكون أم عمي المرحوم القاضي عبدالكريم وأخي يحيى، وتزوج بزوجة أخرى من عدن من بيت علاو، والتي تكون أم عمتي حبيبة بنت المرحوم القاضي عبدالله بن أحمد العرشي، وكانت زوجته الأخرى من الضالع، التي تكون أم والدي وأم عمي المرحوم القاضي عبدالوهاب بن عبدالله العرشي، وهذا دليل على أن الوحدة اليمنية متجذرة في أسرتنا منذ زمن طويل..
القاضي عبدالكريم العرشي..
رجل المهمات الصعبة في تاريخ اليمن المعاصر
وفي صباح يوم السادس والعشرين من سبتمبر 1962م وبعد أن دوت المدافع وطلقات الدبابة لإعلان قيام الثورة وإذا القاضي يحيى الصديق رحمه الله يناديني من النافذة ويقول يا محمد أكتب مدة حكم الإمام المنصور ثمانية أيام وفي نفس اليوم رأيت القاضي عبدالكريم خارجاً من بيته وهو بكامل هيئته متجهاً إلى مبنى قيادة الثورة واذكر أن والدي في ذلك اليوم كان خائفاً على حياة الوالد عبدالكريم لأن الأوضاع الأمنية لم تكن مستقرة وخشي على حياته وإذا الوالد عبدالكريم يقول لوالدي لا يجوز التردد في مثل هذا اليوم التاريخي وبعد أسبوع تقريباً من قيام الثورة رأيت الوالد المرحوم عبدالكريم يقوم بالاستعداد للسفر إلى ذمار حيث تم تكليفه من قبل مجلس قيادة الثورة عاملاً لقضاء ذمار وعندما سمع الوالد عبدالكريم من الرئيس السلال التكليف له بعمالة قضاء ذمار بادر إلى صياغة أمر التعيين حيث قام بتحديد المواصفات الوظيفية التي يجب أن يقوم بها عامل القضاء حيث شملت المهام والمسئوليات الملقاة على العامل وتحديد العلاقة بين العامل والمواطنين وبين العامل والدولة وقام بعرضها على النقيب في ذلك الوقت حالياً اللواء عبداللطيف ضيف الله أمد الله بعمره وبمجرد أن أطلع عليها وإذا هو يردد عال عال مادام لدى الثورة رجال من أمثالكم يا قاضي عبدالكريم فالثورة إلى خير – ولعل اللواء عبد اللطيف ضيف الله أمد الله بعمره يذكر ذلك – وهذا حسب ما سمعته من المرحوم القاضي عبدالكريم. وعادة عندما يتم تعيين أي شخص في أي عمل وفي أي منطقة والأوضاع غير مستقرة والثورة في خطر يحاول الإنسان أن يتحفظ في عدم نقل أسرته إلى مكان العمل الجديد لأنه يخاف عليها من الأخطار المحدقة بمنطقة عمله الجديد، إلا أن القاضي لم يتردد ولو للحظة واحدة بل قام بنقل أسرته وأثاث منزله ووالدته وأخي الأستاذ يحيى إلى قضاء ذمار وأذكر أن المرحوم إبراهيم الحمدي كان مصاحباً للقاضي وأسرته في سفره حيث كان يقوم بعمل والده قبل الثورة كحاكم لقضاء ذمار وقام القاضي باصطحابه معه بعد إعادته إلى عمله هناك.
ووصل المرحوم القاضي عبدالكريم إلى قضاء ذمار مع أسرته وباشر عمله بكل إخلاص وثبات وسلاسة وجراءة وبدون تردد ولم يشعر أبناء قضاء ذمار بأية إجراءات استثنائية تقتضيها قيام الثورة ومن المعروف أن أبناء ذمار هم أصحاب نكته وبعضهم كان متعاطف مع الإمامة لأنهم غير مستوعبين طبيعة النظام الجمهوري وقيام الثورة وكان رجال الأمن يضطرون في بعض الحالات إلى حبس بعضهم ويقوم القاضي بالتدخل لإخراجهم، وكان لدى المرحوم القاضي عبدالكريم قناعة تامة بأنهم لا يشكلون أي خطر على الثورة وأن التعليق والتنكيت هو من طبيعتهم ولا يعني عدم قناعتهم وتأييدهم للثورة، وطوال هذه الفترة التي كان المرحوم القاضي عبدالكريم عاملاً لقضاء ذمار لم يشهد قضاء ذمار أية اضطرابات أو قلاقل وبالرغم من أن الكثير من المناطق اليمنية الأخرى كانت تشتعل اشتعالا بسبب الاضطرابات والتمرد والفساد والحرب ولعل أخي الأستاذ يحيى سوف يكتب عن حياة الوالد المرحوم عبدالكريم قبل الثورة والفترات اللاحقة لأنه عاشها مع الوالد المرحوم القاضي عبدالكريم بكل تفاصيلها، وبعد ذلك سافرت إلى القاهرة للدراسة في الأزهر الشريف، والوالد عبدالكريم أستقر في صنعاء وعندما علم بسفري شجعني وقال لي بالحرف الواحد: "الدولة بحاجة إلى الكثير من المتعلمين وخريجي الجامعات في الخارج، فأحرص على أن تكتسب العلم لتعود لتخدم بلادك".
القاضي عبدالكريم العرشي..
الإداري الناجح والقدوة الحسنة في المحافظة على المال العام
ومن الذكريات التي لا أنساها أنني تعلمت أول درس عملي في الإدارة كان من الوالد المرحوم عبدالكريم حيث خرجت من القاهرة في بداية السبعينات لقضاء إجازتي وفي نفس الوقت كنت قادماً على الزواج وكانت لي مراجعة عن طريق وزارة التربية والتعليم بشأن تذاكر العودة وكان الوالد عبدالكريم في ذلك الوقت وزير للخزانة فذهبت إلى وزارة الخزانة، ومعي مذكرة من وزارة التربية والتعليم ومذكرة شخصية مني للوالد عبدالكريم أشرح فيها ظروفي وأنني قادم على الزواج وأطلب منه مساعدتي في الحصول على مساعدة مالية وحاولت أن أقدم المذكرة التي أطلب فيها المساعدة أولاً إلا أنه أخر الإطلاع على هذه المذكرة وطلب أن أعطيه المذكرة الرسمية فأعطيته إياها وقام بالإطلاع عليها والتأشير عليها وبعد ذلك قام بالإطلاع على المذكرة الشخصية وتفهم أسبابها ووعدني أنه سوف يقوم بمساعدتي شخصياً إلا أنني بادرته بالسؤال لماذا ياعم لم تقوموا بالإطلاع على مذكرتي الشخصية وطلبتوا مني الإطلاع على المذكرة الرسمية أولاً وإذا هو يقول لي خشيت أن أقراء رسالتك وأتأثر بها فتؤثر على المعاملة الرسمية ولقد دهشت من هذا الجواب وكانت هذه الحادثة هي أول درس عملي في الإدارة تعلمته من المرحوم القاضي عبدالكريم ومن المواقف التي لا أنساها مع القاضي المرحوم عبدالكريم لقد كان لأسرة القاضي المرحوم عبدالله أحمد العرشي والد القاضي عبدالكريم رحمهما الله أموالاً في مديرية الرضمة في الأجلب وقام الإمام يحيى بمصادرة بعضها بحجة أن القاضي عبدالله العرشي قام ببناء حكومة في مركز ناحية عتمة عندما كان عاملاً عليها ولم يستأذن منه لبنائها وأن القاضي عبدالله العرشي لم يحافظ على مدفع الدولة أثناء الحرب بين السعودية واليمن في ميدي بالرغم أن القاضي المرحوم عبدالله العرشي في ذلك الوقت قد وقع أسيراً لدى السعوديين كما هو معروف في المراجع التاريخية التي تحدثت عن تلك الحرب وعندما تولى القاضي عبدالكريم رئاسة مصلحة أراضي وعقارات الدولة تقدمت الأسرة إلى القاضي تطلب مساعدتها في استرجاع الأراضي التي صادرها الإمام يحيى بدون وجه حق ولأسباب واهية وغير منطقية وإذا القاضي المرحوم عبدالكريم يرد على الأسرة لا أستطيع أن أقوم بذلك بحكم وظيفتي ولا أستطيع أن أقوم بذلك لأني أمثل الدولة ولا أستطيع في نفس الوقت أن أقوم بالمطالبة باسم الأسرة لاسترجاع الأراضي التي تم مصادرتها وبعد أن تولى وزارة الخزانة في بداية السبعينات تقدمت الأسرة إليه مرة أخرى تطالبه بأن يساعدها في استرجاع ما صادره الإمام من أملاك القاضي المرحوم عبدالله وكان رده أنه بحكم منصبي كوزير للخزانة لا أستطيع أن أقوم بذلك وقد أنفعل بعض أفراد الأسرة من هذا الموقف إلا أن أغلبية أفراد الأسرة احترموا موقف القاضي وفي خلال الفترة التي كان يرأس فيه مجلس الرئاسة المؤقت تقدمت الأسرة إليه مرة ثالثة تطالبه باسترجاع ما تم مصادرته واعتذر بأنه الآن مسئول عن شعب كامل وليس عن أسرة واحدة وبعدها توقفت الأسرة عن المطالبة باسترجاع ما صادره الإمام يحيى دون أن يستند لأي مصوغ شرعي أو قانوني.
وعندما تعين القاضي المرحوم وزيراً للخزانة كانت الخزينة العامة للدولة تعاني عجزاً كبيراً في الإيرادات حتى أنها كانت عاجزة أن تدفع رواتب موظفي الوزارات وكان تخشى أن يتم إعلان إفلاس الدولة فما كان إلا أن تم تكليف رجل المهام العصيبة بوزارة الخزانة والذي قام بتقنين المصروفات ومتابعة الإيرادات حتى أنه كان يقوم بالنزول ميدانياً إلى المحافظات والمديريات لتحصيل الإيرادات وإرسالها إلى الخزانة العامة وقام بجدولة دفع المرتبات لموظفي جميع الجهات الحكومية حتى تم التغلب على المشكلة وفي الفترة الثانية التي تولى فيها وزارة المالية عمل على تحديث التشريعات المالية والجمركية والضريبية وإنشاء المكتب المركزي للميزانية وقام بتطوير نظم إعداد الحساب الختامي، ونستطيع أن نؤكد أنه من الأوائل الذين أسسوا الأنظمة المالية الحديثة في اليمن وقد استعان بالعديد من الخبرات العربية للمساعدة للقيام بذلك، وأستقطب العديد من الكفاءات وقام بتدريبهم ومن هؤلاء الأخوين علوي صالح السلامي وزير المالية نائب رئيس الوزراء السابق والأخ أحمد عبدالرحمن السماوي محافظ البنك المركزي، وكل من عاصر هذه الفترة في وزارة الخزانة يشهد للقاضي بهذه الجهود غير العادية وعندما شهد لواء إب انفلاتا أمنياً وتمرداً في بعض مديرياته وكان يحتاج إلى قمع الفساد والعمل على استقرار الأوضاع إلى قوة عسكرية وإلى إمكانيات كبيرة تم تعيين القاضي المرحوم القاضي عبدالكريم محافظاً للواء إب فباشر عمله في محافظة إب بكل قوة وجرأة وحزم الأمور وصبر حتى استطاع أن يسيطر على الوضع الأمني وتعامل مع من كان سبب لهذه الاضطرابات بكل حزم حيث أن أهل إب أطلقوا على القاضي عبدالكريم في ذلك الوقت (سياغي الجمهورية)، وقد عمل على الحد من تدخل المشايخ في إدارة محافظة إب ومديرياتها ودخل معهم في صراع وحاولوا أكثر من مرة أن يشتكوا به إلى المرحوم القاضي عبدالرحمن الإرياني رئيس المجلس الجمهوري في ذلك الوقت، ولعل العديد من المشايخ ومحافظة إب يذكرون ذلك، وحدث أن المحافظ المرحوم القاضي عبدالكريم كان عائداً من إحدى زياراته لبعض المديريات في إب فقام أحد الأشقياء الذي كان قد أخل بالأمن وبالسكينة العامة وتقطع للمسافرين وتسبب في نهب أموالهم ولم تستطع المحافظة ولا قيادة إب التغلب عليه قام بالتقطع لسيارة القاضي المرحوم الذي كان راكباً عليها مع المرافقين له لكن المرحوم القاضي عبدالكريم لم يجبن ولم يخف فنزل وواجه هذه المتقطع وجهاً لوجه شاهراً مسدسه عليه مما شجع مرافقيه على مواجهة المتقطع وقام القاضي مع مرافقيه بالقبض عليه وتم إصطحابه إلى سجن الزاجر في إب وأمنت المنطقة بعد ذلك من ذلك الشقي. ولعل الكثير من المواطنين والمسئولين في محافظة إب يتذكرون هذه الأحداث التي جرت عندما كان المرحوم القاضي عبدالكريم محافظاً لإب. ومن الذكريات التي لا أنساها مع المرحوم الوالد القاضي عبدالكريم أنه عندما توفي أخوه الوالد المرحوم القاضي عبدالوهاب عبدالله العرشي في الدوحة حيث كان سفيراً لليمن هناك استدعاني إلى القصر الجمهوري وكان في ذلك الوقت يشتغل مساعداً لرئيس مجلس القيادة المرحوم المقدم إبراهيم الحمدي وحاول أن ينقل إلي خبر وفاة الوالد عبدالوهاب بصورة خفيفة حيث قال لي عمك عبدالوهاب مريض في الدوحة ونريد أن تذهب مع أخي يحيى إلى الدوحة لإسعافه إلى صنعاء وفوراً قلت له ما الخبر ياعم مايسعفوش من قطر إلى صنعاء لأن الإمكانيات الطبية في الدوحة أفضل من صنعاء وإذا هو يقول تشجع وقع رجال عمك عبدالوهاب توفى وإنا لله وإنا إليه راجعون وذهبت مع أخي الأستاذ يحيى إلى الدوحة واصطحبنا الجثمان وأسرة الفقيد إلى صنعاء وبعد ذلك قام برعاية أولاد أخيه رعاية كاملة وقام بمواصلة بناء المنزل الذي كان الوالد عبدالوهاب بداء بعمارته تحت إشراف الوالد المرحوم عبدالكريم الذي كان يشرف بنفسه على كل كبيرة وصغيرة في عملية البناء وكان في ذلك الوقت رئيساً لمجلس الشعب ونائباً لرئيس الجمهورية حتى أكمل البناء واستدعاني مع أولاد المرحوم القاضي عبدالوهاب وسلمنا مفتاح المنزل حين أصبح جاهزاً للسكن وكان يتصف بالحنان على جميع أفراد أسرته جزاه الله عنا أفضل الجزاء.
وفي خلال انتخابات مجلس الشورى عام 1988م الذي قام بها مجلس الشعب التأسيسي بحكم اختصاصاته الدستورية التي نص عليها الإعلان الدستوري بإنشاء مجلس الشعب التأسيسي حيث نص البند الثالث من الإعلان الدستوري المشار إليه أن يقوم مجلس الشعب باختصاصات لجنة الانتخابات والهيئة العامة لتقنين أحكام الشريعة الإسلامية من خلال المهام التي قام بها مجلس الشعب التأسيسي للإعداد للانتخابات التشريعية، فقد حرص المرحوم القاضي عبدالكريم بصفته رئيساً لمجلس الشعب ونائباً لرئيس الجمهورية على أن تكون الانتخابات حرة ونـزيهة وقد عمل مع زملائه في مجلس الشعب التأسيسي والحكومة على إصدار قانون الانتخابات وإعداد أول دليل انتخابي يشمل كافة الجوانب الدستورية والقانونية والموضوعية والإجرائية بحيث لا توجد أي ثغرة قد تؤدي إلى سوء الفهم أو التلاعب بإجراءات التسجيل والتصويت، وقام المرحوم القاضي عبدالكريم بإشراك جميع أعضاء مجلس الشعب التأسيسي في كافة اللجان الإشرافية في جميع المحافظات كما حرص على دقة تقسيم الدوائر الانتخابية وقد أخذ ذلك منه ومن المجلس جهداً كبيراً لا يستهان به وتم استيعاب كافة الآراء والملاحظات في كل دائرة انتخابية على حده حتى تم إنجاز تقسيم الدوائر الانتخابية على أسس موضوعية وسليمة، كما حرص على دقة اختيار جميع أعضاء اللجان الأساسية والفرعية في الدوائر الانتخابية والتي قامت بإجراءات التسجيل أو الإشراف على التصويت في جميع الدوائر الإنتخابية بل كان يتواصل مع جميع اللجان ولا سيما اللجان الإشرافية في المحافظات ويرد على كافة أسئلتهم ويزودهم بأي تعليمات جديدة تصدر من مجلس الشعب التأسيسي وكما أشرف على تدريبهم وشرح جميع نصوص قانون الانتخابات ومواد دليل الانتخابات، كما أشرف على تصميم جميع السجلات الانتخابية بما يتفق مع نصوص القانون ونستطيع أن نقول أن مجلس الشعب التأسيسي برئاسة المرحوم القاضي عبدالكريم قد أوجد منظومةً متكاملةً للانتخابات ابتداء من إعداد قانون الانتخابات وإصداره وإعداد دليل الانتخابات وتصميم سجلات الانتخابات وبطائق الاقتراع وكل ما يتعلق بالعملية الانتخابية من الخطة الإعلامية والخطة الأمنية وإعداد آلياتها، ولقد كان المرحوم القاضي عبدالكريم يعمل أثناء الانتخابات ليلاً ونهاراً حيث أذكر أننا كنا نتناول معه ومع العديد من الأخوة والزملاء الذي استعان بهم وجبتي العشاء والإفطار بعد صلاة الفجر. 
القاضي عبدالكريم العرشي..
المدافع عن الوحد اليمنية وتحقيق أول انتخابات حرة ونزيهة
بعد الوحدة اليمنية
ومن الذكريات التي لا تزال راسخة في ضميري وهي عندما كلفه الرئيس علي عبدالله صالح ومجلس الرئاسة برئاسة اللجنة العليا للانتخابات بعد قيام الوحدة فقال للرئيس علي عبدالله صالح ولأعضاء مجلس الرئاسة: "المهمة صعبة ومعقدة وإنني بدون دعمكم قد لا أنجح في تأدية هذا الاستحقاق التاريخي" ووعده الرئيس علي عبدالله صالح وأعضاء مجلس الرئاسة وأعضاء الحكومة بالدعم الكامل، فقد كان يبذل جهداً غير عادي لا يستطيع أي شخص مهما أوتي من قوة القيام بهذا الجهد وهو جهد نفسي وجسماني نتيجة الخلافات الحزبية والصراع الذي كان يحدث في اللجنة العليا للانتخابات واللجان الفنية الفرعية المنبثقة عنها بين كل من الحزب الاشتراكي والمؤتمر الشعبي العام والتجمع اليمني للإصلاح وبقية القوى السياسية الأخرى وكان حريصاً كل الحرص على أن يكون قانون الانتخابات هو المرجع للجميع إلا إن ممثلي الأحزاب كانوا يميلون كل الميل إلى مصالح أحزابهم بغض النظر إلى القانون ولا سيما في حال تقسيم الدوائر الانتخابية حيث كان ممثلو الأحزاب يعملون لمصالح أحزابهم، وقد بذل القاضي في إقناع جميع أعضاء اللجنة العليا للانتخابات لتغليب الأسس الفنية و القانونية في تقسيم الدوائر الانتخابية على تغليب الجوانب الحزبية, وكان يحدث الكثير من الشجار والخلاف الذي كان يهدد بفشل العملية الانتخابية من أساسها لولا حكمة وحنكة المرحوم القاضي الذي كان يبذل جهداً لا يستهان به في إقناعهم، واذكر أنه في ليلة من ليالي الانتخابات حوالي الساعة الثالثة قبل الفجر وكان القاضي في غاية الإرهاق وكان يتصبب عرقاً حتى أنني خفت على حياته، وأثناء ما كنت وإياه منفردين نراجع بعض إجراءات الانتخابات قلت له: خفف على نفسك يا والدي وأنت الآن في غاية الإرهاق، وإذا هو يقول وبصوت مرتفع يا محمد هذه الانتخابات فيها مصير اليمن وتثبيت شرعية الوحدة اليمنية ولا أريد لأي حزب أن يطعن في شرعيتها أو يشكك في سلامتها لأنه إذا نجحت هذه الانتخابات سلمت اليمن من الفتن والحروب والمهم أن نوفق بإقناع الجميع بنتائجها. كان القاضي المرحوم يقف دائماً مع الخيار القانوني دون أي تغليب لمصلحة سياسية أو حزبية أو شخصية.
ويسرني أن أرفق نبذة من حياته، وما قيل عنه عند تشييع جثمانه الطاهر...

هو عبدالكريم بن عبدالله بن أحمد بن صالح العرشي: (1348هـ ـ 1929م/16 جمادى الأولى 1427هـ ـ 11يونيو 2006م) زعيم , سياسي , قاضٍ، نشأ في مدينة صنعاء، وفيها تلقى العلم على عدد من علمائها، والتحق بالمدرسة العلمية، فتخرّج منها مجيدًا لعدد من العلوم والفنون. تعيّن عام 1375هـ/ 1955م عاملاً وحاكمًا لناحية (مغرب عنس) من بلاد ذمار، وفي عام 1379هـ/1959م عاملاً لناحية (ذيبين) في بلاد عمران، ثم عاملاً على ناحية (جبل راس)، وقائمًا بأعمال قضاء زبيد عام 1380هـ/ 1960م، ثم عضوًا في الديوان النيابي عام 1382هـ/ 1962م، ثم عاملاً لقضاء ذمار في نفس العام بعد قيام الثورة الجمهورية التي أطاحت بالنظام الملكي، ثم عاملاً لقضاء (حراز) في محافظة صنعاء عام 1383هـ/ 1963م، ثم مديرًا عامًّا لمحافظة الحديدة عام 1384هـ/ 1964م، ثم مديرًا عامًّا في وزارة الداخلية عام 1386هـ/ 1966م، ثم مديرًا عامًا للمحافظات عام 1387هـ/ 1967م، وتولّى خلال ذلك تنظيم التقسيم الإداري للجمهورية، والقيام بإحصاء شامل للقرى والعزل والنواحي. وفي نفس العام تعيّن رئيسًا لمصلحة أملاك الدولة، فعمل على حصر أملاك الدولة الثابتة والمنقولة، ثم تعّين محافظًا لمحافظة إبّ عام 1388هـ/ 1968م، ثم تعيّن عام 1390هـ/ 1970م وزيرًا للخزانة، ورئيسًا للجنة المالية والاقتصادية العليا، ثمّ وزيرًا للخزانة للمرة الثانية عام 1391هـ/ 1971م، ثم وزيرًا للإدارة المحلية عام 1393هـ/ 1973م، ثم محافظًا لمحافظة إبّ للمرة الثانية عام 1394هـ/ 1974م، ثم مساعدًا للرئيس (إبراهيم محمد الحمدي) عام 1395هـ/ 1975م، ثم مساعدًا للرئيس (أحمد حسين الغشمي)، ثم رئيسًا لمجلس الشعب التأسيسي من عام 1398هـ/1978م، وبعد مقتل الرئيس (أحمد حسين الغشمي) في نفس العام أُختير رئيسًا لمجلس الرئاسة المؤقّت، ثم تعيّن في نفس العام نائبًا للرئيس (علي عبدالله صالح)، ورئيسًا لمجلس الشعب التأسيسي حتى عام 1407هـ/ 1988م، ثم رئيسًا لمجلس الشورى حتى عام 1410هـ/ 1990م، وبعد قيام الوحدة بين شطري اليمن عام 1410هـ/ 1990م تعيّن عضوًا في مجلس الرئاسة لدولة الوحدة، حتى عام 1413هـ/ 1993م. شارك في إنجاز تقنين أحكام الشريعة الإسلامية أثناء ترأسه لمجلس الشعب التأسيسي، أشرف على عمل لجنة إعداد مشروع الميثاق الوطني عام 1978م وقام بالمراجعة النهائية لمشروع الميثاق حتى خرج إلى حيز الوجود بالتصويت عليه من قبل الشعب، وشارك في تأسيس حزب (المؤتمر الشعبي العام)، عام 1402هـ/ 1982م، وتعيّن عضوًا في لجنته الدائمة منذ تأسيسه، وأثناء ترؤسه لمجلس الشعب التأسيسي تمت الانتخابات البرلمانية لمجلس الشورى عام 1407هـ/1988م باعتبار أن مجلس الشعب هو اللجنة العليا للانتخابات، ورأس اللجنة العليا للانتخابات عام 1413هـ/ 1993م، واللجنة العليا للتقسيم الإداري عام 1415هـ/ 1995م، وشارك في عدد من مؤتمرات القمة العربية والزيارات الرسمية لعدد من الدول العربية والأجنبية، وترأس وفد اليمن في مؤتمر القمة العربية في العراق عام 1398هـ/ 1978م، كما ترأس اتحاد البرلمانات العربية عامي 1304هـ/ 1984م، و1405هـ/ 1985م، وحصل على عدد من الأوسمة والدروع والميداليات التكريمية محليًّا وعربيًّا، منها: وسام (الوحدة). متزوج وله تسعة أولاد: ثلاثة أبناء وهم الدكتور عبدالله عبدالكريم، والدكتور إبراهيم عبدالكريم، والأستاذ خالد عبدالكريم، وست بنات. وبعد حياة مليئة بالتجارب السياسية والإدارية في خدمة اليمن رفع إلى الرفيق الأعلى، بعد أن عانى أشد المعاناة واستُهلِكَ في سبيل وطنه، وقد توفي في مدينة الرياض، وتلقت أسرته واليمن العديد من برقيات العزاء من جميع زعماء العالم والدول العربية والإسلامية، وشارك في تشييع جنازته الرسمية والشعبية الرئيس/ علي عبدالله صالح وكل أركان الدولة ومحبوه من أبناء الشعب، وقد نعته رئاسة الجمهورية في بيان لها بتاريخ 11يونيو2006م ومما جاء في بيان النعي (لقد خسرت بلادنا بوفاته واحداً من خيرة أبنائها الأوفياء ومثالاً للوطنيين المخلصين الذين وهبوا حياتهم لخدمة الوطن وكان رحمه الله مثالاً للإخلاص والتفاني في خدمة وطنه وشعبه، وأثبت في كل المناصب والمسئوليات التي أسندت إليه في مختلف المواقع وفي كل المواقف والظروف التي مرت بها بلادنا بأنه من المخلصين الشرفاء الذين جسدوا أصدق آيات الوطنية والكفاءة). وفي برقية من الشيخ/عبدالله بن حسين الأحمر – رئيس مجلس النواب، رئيس التجمع اليمني للإصلاح – إلى أخوان وأبناء القاضي/عبدالكريم جاء فيها (إنه برحيل القاضي عبدالكريم خسرت اليمن علماً من أعلامها ورجلاً من رجالها الذين قضوا حياتهم وهم يعملون في سبيل عزة ورفعة وتقدم هذا الوطن). كما تضمنت البرقية (إن الفقيد رحمه الله من الذين تركوا وبصفة خاصة بصمات واضحة في مجال العمل النيابي وساهموا مساهمة فعالة في ترسيخ وتطوير النهج الديمقراطي الشوروي حينما كان رئيساً لمجلس الشعب التأسيسي ثم رئيساً لمجلس الشورى). وقد وصفه الدكتور/ياسين سعيد نعمان الأمين العام للحزب الإشتراكي رئيس مجلس النواب الأسبق، في مقابلة له في التلفزيون بمناسبة ذكرى الأربعينية بقوله (أبرز ما تميز به هو إدارته للجنة العليا للانتخابات أو بالأصح قيادته لأنه كان بحق قائداً بكل معنى الكلمة لأهم لجنة في تاريخ الحياة السياسية اليمنية خلال رئاسته للجنة العليا للانتخابات وهي كانت من أهم اللجان التي أدارت أول انتخابات أقرب إلى أن تكون انتخابات حرة ونزيهة حينذاك بحكم التوازن السياسي، وتحمل حينذاك في تقديري الكثير من المصاعب وهو يدير لجنة بذلك الحجم وهي تضع لأول مرة أسس وقواعد لانتخابات حرة ونزيهة التي كانت في عام 1993م،اليوم ونحن نمر بمرحلة تكاد تكون قريبة من تلك المرحلة ونحن نتحدث عن انتخابات حرة ونزيهة أقول بيني وبين نفسي في بعض الأحيان ما أحوجنا لشخص مثل القاضي عبدالكريم بحكمته وحنكته وحياديته أيضاً في إدارة مثل هذه المعركة السياسية التي في تقديري أرست قواعد ليس من الناحية الفنية ولكن أيضاً من الناحية الإنسانية والخُلقية والمبدئية أيضاً). وقد وصفه الأستاذ/عبدالسلام العنسي – عضو مجلس الشورى بقوله(القاضي/عبدالكريم العرشي رحمه الله علم من أعلام اليمن ومدرسة متميزة في الإدارة والسياسة والحكم .. نعم مدرسة غير مكررة ولن تتكرر في رأيي لسبب بسيط وهو أن الظروف التي عاشها اليمن منذ قيام ثورة السادس والعشرين من سبتمبر وما صاحبها من تفاعلات وتناقضات وصراعات في العقدين الأولين لقيام الثورة وهي يمكن أن نطلق عليها مرحلة تثبيت مداميك دولة النظام الجمهوري ثم ما تميز به العقد الثالث من إنجازات تنموية وبناء لمؤسسات الدولة ولممارسات ديمقراطية وإعادة تحقيق وحد اليمن في الثاني والعشرين من مايو 1990م وما تميز به العقد الرابع من منجزات .. أقول كل هذه الظروف والملابسات جعلت فقيدنا الكبير يتفاعل معها أخذاً وعطاءً ويسهم في وضع بصماته على تلك المراحل من خلال مواقعه القيادية العليا حكومية كانت أو سياسية ولأنه رحمه الله كان يتكيف مع كل مرحلة ويتفاعل معها ويرمي بنفسه في خضم معاركها فقد جعله هذا التفاعل مع الأحداث والمجريات يضيف إلى مدرسته المتميزة شيئاً جديداً نؤكد في النهاية أنه يمتلك مدرسة متميزة حقاً .. ولأن هذه الظروف التي عاشها الفقيد وتفاعل معها لا يمكن أن تعود مرة أخرى فإننا بهذا نحكم أن اليمن قد لا ترى مثل هذه المدرس المتميزة مستقبلاً، والآن دعونا نلقي نظرة على الملامح الرئيسية لهذه المدرسة العرشية المتميزة كما هي مجسدة في شخص فقيدنا الغالي رحمه الله). وقد وصفه د.عبدالعزيز المقالح بقوله(من الصفات التي ينبغي أن يتحلى بها رجل الدولة في أي مفصل من مفاصلها الصبر وسعة الصدر وطول البال، وهي من صفات أساسية برزت لدى القاضي عبدالكريم بوضوح تام عندما بدأ في رئاسة مجلس الشعب التأسيسي في مرحلته الأولى، فقد تراكمت المسؤوليات التشريعية على هذا المجلس. ولم يكن أهمها وأهمها وأحفلها بالحوار الساخن تقنين أحكام الشريعة الإسلامية وما كانت تثيره القوانين المختلفة من تجاذبات وانفعالات، وكيف كان المغفور له يدير الجلسات بحكمة وتبصر ولم يحدث أن قاده الغضب أو الانفعال إلى موقف يتناقض مع طبيعته الهادئة المتوازنة). وقد وصفه الأستاذ الأديب/خالد عبدالله الرويشان – وزير الثقافة السابق، وعضو مجلس الشورى – بقوله (كانت شخصية القاضي عبدالكريم عبدالله العرشي خلاصة شخصيات، وكانت حياته الثرية بالعمل والأمل، والصبر والكفاح، والتجربة والتأمل، أعماراً في عُمر، وحيوات في حياة. وعندما يتأمل المرء هذه القامة المديدة، وهذه الشخصية الفريدة يجد أن من أهم معالمها، الذكاء، والدقة، والمثابرة، الأناقة. فمن علامات الذكاء: العلم والخبر والتكيف، ومن علامات الدقة، الإحساس بالزمن وتغيراته، والالتزام تجاه كل وعد وتوقيت وحق. ومن علامات المثابرة، هذه الجدية الظاهرة الطافحة العزيمة والتي تجدها دوماً في ملامح القاضي عبدالكريم العرشي رحمه الله، وهي جدية العالم الباحث، والسياسي المتابع. تجد أمامه باستمرار أهم المجلات العربية، والجديد الصادر من الكتب، وإذا كان مهتماً أ مكلفاً بعمل أو إنجاز، فإنك ستجد أهم مراجع هذا الاهتمام قابعة أمام ناظريه، قريبة من متناول يديه. أما الأناقة فهي المعلم الذي جعل من هذه الشخصية صورة للأناقة الشاملة: أناقة في الكلام، أناقة في الملبس، أناقة في المجلس، أناقة في المشية، وأناقة في ظرافة الطرفة والتعليق، .. وأناقة في الحياة والأناقة زهرة في شجرة النظافة: نظافة القلب واليد واللسان. وقد رثاه العديد من الشعراء ومنهم الشاعر الكبير الأستاذ/حسن الشرفي بقصيدة عصماء منها:
ولأنهُ عبد الكريم


وَآه من فقد الثقات

كان الدعامة في البناء


وكان يعسوب البُنَات

ما إن مضى إلا ّبما


يمضي به أهل الثبات

الطيبين كأنما


خلقوا لكل الطيبات

فعلام نأسى وهو باقٍ


في كبار المنجزات؟

عبدالكريم ومثله


في الناس مثل النيرات

من جاء من ضحواتِهم


أيلول وضاح السمات

كما رثاه الأستاذ حسن اللوزي وزير الإعلام بقصيدة عصماء منها الأبيات التالية:
كل رصيد لك في ميزان الوطنية
يشهد بنبوغك وتفانيك في حبك
للوطن وللعدل وللحرية
وكنت القدوة في كل الأعمال
وكنت القدرة في حمل الأثقال
من غير رياء .. أو كلمات جوفاء
ملء مكانك في صدق ولائك للمسؤولية
ونضوج الفكر وصدق الإيمان
أبليت بلاءً حسناً تشهده الأزمان
ولك على أفق الأفذاذ المنتجبين لنصر
الثورة ونبوغ الإنسان
أبلج من ذكرى ساطعة..
وأكثر من عنوان
كما رثاه الشاعر الكبير إسماعيل أحمد الوريث بقصيدة عصماء منها الأبيات التالية:
عزاءً في الأب الحاني، ومن ذا


يشابه في الورى عبدالكريم

وحيدٌ في كفاءته حكيمٌ


إذا خلت الرجال من الحكيم

جليل القدر ساس الأمر شورى


وداوى الموجعات من الكلوم

تزهد والزعامة في يديه


ولم تبطره ألقاب الزعيم

وعاش على استقامته حريصاً


فلم يخرج عن النهج القويم

سليل الأكرمين، ذوي المعالي


وأهل العدل، والمجد القديم

بنى صرحاً من الخُلق المصفى


فيا لله من رجل عظيم

يبش إذا رآك كأن ورداً


تماوج من مداعبة النسيم

ولن أنسى ابتسامته تجلت


بلا شح على الوجه القسيم

وقد كتب على ضريحه أبيات من شعر الشاعر الكبير الأستاذ/ حسن عبدالله الشرفي وهي الخمسة الأبيات التالية:
بكل شَمَائِلِ الخُلُقِ العَظِيمِ


وَكُلِّ مَنَاقِبِ القَلبِ السَّلِيمِ

مَضَى عَبدُالكَرِيْمِ وَكَيْفَ تَنْسَى


مَيَادِيْنَ النّدَى عَبدَالكَرِيْمِ

هُنَا رَجلُ المَكَارِمِ وَالمَعَالِي


وَنِبْرَاسُ المَعَارِفِ وَالعُلُوْمِ

وَهَذا قَبْرُهُ فِيْنَا وَطُوْبَى


لِمَقْعَدِهِ بِجَنّاتِ النّعِيْمِ

فَيَا الله بَلِّغْهُ مُنَاهُ


مِنَ الغُفْرَانِ والخْيْرِ العَمِيْمِ