الاثنين، 12 يناير، 2015

المرحوم الأستاذ/أحمد بن أحمد محمد العرشي

بسم الله الرحمن الرحيم
(والذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون)

من آهات النفس ..
في أربعينية الفقيد الغالي الأستاذ المرحوم/أحمد بن أحمد محمد العرشي
 الإنسان، الأديب، السياسي.       
عبرات بقلم الأسيف/محمد بن محمد بن عبدالله العرشي

لم أكن أتصور أن الحروف تتأوه وأن الدموع تبكى في مآقي العيون، وأن النفس تخرّ صريعةً حزناً وكمداً، وأن الإنسان في حالة فَقْد توأم روحه يفقدُ الشعور والإحساس بالزمن، وأن الإنسان يمكن أن يرثي نفسه. هذه المشاعر كلها انتابتني عندما سمعت بنبأ وفاة الأستاذ المرحوم/أحمد بن أحمد محمد العرشي أو الصّفي كما كان يحب أن ينادَى به، رغم معاناته ومرضه الذي ألمّ به والذي جعل جميع أفراد الأسرة يعانون ويتألمون معه، وكان كل واحد منهم لو يستطيع أن يقدم لأحمد إحدى كليتيه أو يفتديه بنفسه لما تردد أن يقوم بذلك، وكنت قبل وفاته بساعتين في زيارته أنا وشقيقته أُم أولادي، وأخي الأستاذ/يحيى وخرجنا من عنده وعيوننا تفيض بالدمع حزناً عليه. لأَننا كنا نتوقع وفاته في أي لحظة.
لم أصدق أنني أكتب ترثيته لأن قلمي يقطر دماً لا حبراً وإن عيوني تكاد أن تصاب بالعمى،أو كما قالت الخنساء في رثاء أخيها صخر:
فلا والله لا أنساك حتى

أفارق مهجتي ويشق رمسـي

 كان يعتبرني والده وأخاه الأكبر وكان يقف معي في كل مشكلة تواجهني ستضل روح أخي أحمد تلازمني حتى ألحقه، وإنني لواثقٌ أنني سألتقي به وبالأحبة الذين رحلوا .. والدي، وعمي عبدالوهاب، وعمي عبدالكريم، ووالده وغيرهم من بقية أفراد أسرتنا، حيث لا حسد ولا ظلم ولا طغيان ولاحروب، نلتقي في مقعد صدقٍ عند الرحمن الرحيم بمشيئته تعالى ورحمته،،
لم يكن أخي أحمد بالنسبة لي أخاً لزوجتي فقط بل كان هو وأخوه الأستاذ عبدالملك يمثلان لي الحياة بحلوها والأمان والطمأنينة واليقين والمصداقية والحب الذي لا تشوبه شائبة.  إنني أحاول أن أختار الكلمات لكنها تنفر مني وكأنها تقول لي لا الحروف تستطيع ولا الجمل ولا الأسطر أن تعبّر عن ما كان يمثله لك أحمد وكيف أستطيع أن أختزل أكثر من خمسين عاماً من عمري بكل صورها الجميلة، هي خلاصة عمري. عفواً أخي القارئ لقد اختلطت عليَّ الأمور أصبحت أكتب عن نفسي وأنستني الحديث عن محاسن الفقيد المرحوم أبي عمار.
 أما عن علاقته بأفراد أسرته أقول أنه كان الجوهرة الفريدة وهو الذي أحبه جميع أفراد أسرته رجالاً ونساءاً، وكان لهم بمثابة الإبن والأخ والولد.
كان سريع الاندماج مع من يحب، فيعتقد أبناء تعز أنه منهم وأبناء تهامة كذلك. وقد أحبه جميع من عمل معهم في كافة الأعمال التي أوكلت إليه.

كان يحب الحياة والناس ويستمتع بالمناظر الجملية في الطبيعة ويستمع إلى الألحان ويترنم بها ولم يكن يحمل في قلبه حقداً أو غلاً على أحد، ويتعاطف مع الفقراء والمساكين ولا يتردد أن ينفق كل ما معه على أحد من أسرته ومعارفه بل كان أحياناً يستدين ليساعد غيره من أصدقائه ومعارفه وأسرته وكان يكتم ما يعانيه من ألم ومرض وإذا سأله أحد عن حاله يرد بكلمته المأثورة الأمور على مايرام.
كان باراً بوالدته، طائعاً لها لا يخالف لها أمراً، وكان كل صباح يقوم بتقبيل ركبتيها وكذلك كل مساء ويطلب منها أن تدعو له، كان طائعاً لأخيه عبدالملك لا يخالف له أمراً، وكان ملازماً له كظله، وكنت أتخيل أنهما روحاً واحدة، كان باراً بي لا يخالف لي أمراً، وكان يعتبرني أخاه الأكبر.
وكان يكتم الآمه ومعاناته ولا يشكو لأحد، بل كان يخفي عن جميع أفراد أسرته ما يقاسيه أثناء العمل وحين جمد عن العمل في المؤسسة العامة للإذاعة والتلفزيون في الإدارة التجارية كتم عنا جميعاً لمدة سنتين وكنا عندما نسأله عن مرضه يقول كل شيء على ما يرام والابتسامة لا تفارقه، وعادة ما كان يشكو هموم الوطن ومآسيه.
 لقد كان الفقيد مسكوناً بحب الوطن وهمومه وكان شعاره ما قاله شاعرنا الكبير الزبيري:
كلما نلت لذة أنذرتني

فَتَلَفَّتُ خيفة من زماني

وإِذا رمت بسمة لاح مرئى

وطني فاستفزني ونهاني

كان أديباً من الدرجة الأولى، وكانت كتاباته الأدبية والصحفية لوحات من لوحات الإبداع الأدبي. كان شاعراً ويكره أن يقال له شاعراً وأديباً، كان مثقفاً من الدرجة الأولى وكان له أسلوب مميز في الكتابة، يمتاز بالعذوبة والرشاقة وكان صحفياً وعضواً في نقابة الصحفيين.وكان هو وزميله في الدراسة والعمل الإعلامي المرحوم يحيى علاو يمثلان عنصـر النقاء والوفاء وكان يشعر كل أصدقائه وزملائه أن الصداقة والزمالة ليست شعاراً يتردد إنما هي سلوك وممارسة من خلال تواصله معهم والتفاعل مع مشاكلهم. وكان متواضعاً أنيقاً في ملبسه ومظهره وكتابته، كانت صداقاته متعددة ومتنوعة.
 كان سياسياً من الدرجة الأولى، وكان عضواً في اللجنة الدائمة، ولكنه ليس انتهازياً ولم يحاول أن يستفيد من عمله في المؤتمر الشعبي العام شخصياً أو بتقرب أو يجامل أحداً من المسئولين على حساب مبادئه وقناعاته وكان يقول يجب أن تسخر السياسة في حل مشاكل الوطن ورفع الظلم عن المواطنين وكان يقول إذا لم يقترن العمل السياسي بأهداف وطنية محددة وواضحة بعيدة عن الانتهازية فإن ذلك عمل عبثي.
وقد حاولت العديد من الأحزاب أن تستقطبه لمعرفتها به وكفائته وإخلاصه وتفانيه لكنه كان يرفض ذلك لأنه كان يؤمن بالوسطية وبالميثاق الوطني ومبادئه.
كان أحمد يكره المناطقية والطائفية والمذهبية وكان مسلماً نقياً تقياً، يكره الغلو والعصبية ويحارب الغلو بأشكاله المختلفة سواء كان هذا الغلو سياسياً أو مذهبياً أو مناطقياً، كان متواضعاً بسيطاً في حياته يألفه الصغير والكبير.
أنا لا أستطيع أن أُلِـمّ بسيرة أخي أحمد في هذه الوريقات بل أن هذه الأسطر هي ومضات من حياته العطرة الغنية بالمواقف الجميلة، التي لا تتكرر في حياتنا المعاصرة.
ولم أجد ما أستشهد به على حزني وكمدي على الصّفي أو أخي أحمد إلا مقطوعة من الشعر وجدتها في سفينة من سفن الأدب اليمني([1]) التي اشتهرت بها اليمن وهي على لسان شاعر مجهول توفي له ولد في يوم عيد:
لبس الرجال جديدهم في عيدهم

ولبست حزنَ أبي الحسين جديدا

أيـسرّني عيدٌ ولم أرَ وجهه

فيه ألا بعداً لذلك عيدا

فارقته وبقيت أخلد بعده

لا كان ذاك بقاً ولا تخليداً

من لم يمت جزعاً لفقد حبيبه

فهو الخؤن مودةً وعهودا

متْ مع حبيبك إن قدرتَ ولا تعش

من بعد ذلك لوعةً مكمودا

ما أم خَشْفٍ قد ملا أحشاءها

حذراً عليه وجفنها تسهيدا

إن نام لم تهجع وطافت حوله

فيبيت مكلوماً بها مرصودا

مني بأوجع إذ رأيت نوائِحاً

لأبي الحسين وقد لطمن خدوداً

ولقد عدمت أبا الحسين جلادتي

لما رأيت جمالك المفقودا

كنت الجليد على الرزايا كلها

وعلى فراقك لم أجد تجليدا

ولئن بقيت وما هلكت فإنَّ لي

أجلاً وإن لم أحصه معدودا

لا موت لي إلا إذا الأجل انقضـى

فهناك لا أتجاوز المحدودا

حزني عليك بقدر حبك لا أرى

يوماً على هذا وذاك مزيدا

ما هدّ ركني بالسنين وإنما

أصبحت بعدك بالأسى مهدودا

يا ليت أني لم أكن لك والداً

وكذاك أنك لم تكن مولودا

فلقد شقيت وربما شقى الفتى

بفراق من يهوى وكان سعيدا

من ذم جفنا باخلاً بدموعه

فعليك جفني لم يزل محمودا



[1] منقولة من سفينة أدبية في مكتبة الشاعر الكبير الأستاذ/محمد قاسم المتوكل، وتوجد صورة منها في مكتبتي.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق