الاثنين، 12 يناير، 2015

القاضي/ محمد بن أحمد الجرافي

29/10/2011م
1ذو الحجة 1432هـ
 
بسم الله الرحمن الرحيم
{مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً}الأحزاب23
صنعاء تودع إمام الاعتدال ووارث علم الجلال والأمير
القاضي/محمد بن أحمد الجرافي

بقلم الأستاذ/محمد بن محمد بن عبدالله العرشي

صنعاء تفقد الأمن والأستقرار وتصاب بالرعب والفزع لكارثتين حلت بها؛ أولها رحيل القاضي العلامة المجتهد/ محمد بن أحمد الجرافي – مفتي الجمهورية، وثانيها الرعب التي تعيش فيها، وأصدق وصف لحالة الحزن والرعب التي شهدتها صنعاء ما قاله الشاعر الكبير الأستاذ/حسن بن عبدالله الشرفي من قصيدة رثى بها المرحوم القاضي/ محمد بن أحمد الجرافي، بعنوان (دمعة صدق):
الجرافي محمد غاب عنها

يوم راحت تلفها الأخطارُ

فهي في ظلمتين حزنٌ ورعبٌ

كل شيء بهوله ينهارُ

ما الذي أشعل الفتيل سوانا

نحن؟ نحن الخراب نحن الدمارُ

السلاح المجنون في كل حي

والريال البغيض والدولارُ

ولا أجد ترجمة موجزة وصادقة تعبر عن الحقيقة للفقيد إلا شهادة شيخ الإسلام القاضي/ محمد بن إسماعيل العمراني التي وردت في كتاب (موكب المعاني بترجمة العلامة الجرافي) تأليف الأستاذ/عبدالحميد بن صالح آل أعوج سبر، الذي صدر في صنعاء عام 2009م والذي نشرته مكتبة الجيل الجديد، قال القاضي العلامة محمد بن إسماعيل العمراني ما لفظه:
(القاضي العلامة الكبير محمد بن أحمد بن أحمد الجرافي مفتي عام الجمهورية اليمنية، علامة بن علامة بن علامة، ورث العلم عن أبيه عن جده. حفظ القرآن عن ظهر قلب، ثم قرأ جميع علوم الاجتهاد بجد واجتهاد ومثابرة إلى أن بلغ الدرجة العليا في العلوم الشرعية والدينية والعربية. تفرد بمعرفة مؤلفات المحققين من العلماء، وعلى رأسهم الزمخشري والجلال والأمير وغيرهم. فهو الفريد في عصره بمعرفة هذه المؤلفات الزاخرة بالعلوم الشرعية والدينية والعربية، ولا يساويه أحد من علماء اليمن. تولى عدة مناصب هو أعلى منها وهي دون قَدره، فكل وظيفة عمل فيها هي دون علمه وذكائه وفضله ونشاطه وتحقيقه واتساع دائرة معارفه، لا فرق بين وظيفة ووظيفة، ولا فرق بين كونها قضائية أو إدارية، تشرفت به الوظائف ولم يتشرف بها، فهو شريف نفسه. مع تواضع وورع وتقوى وإنكار للذات وحب للناس ولمنفعة الناس منذ شبابه إلى كهولته إلى شيخوخته).
وبرحيله شعرت شخصياً أنني فقدت الأمان والاستقرار، وهو شعور الكثير من سكان صنعاء الذين شعروا بنفس الإحساس ولاسيما الذين هم من جيلي، والذين يعرفون الفقيد حق المعرفة وما يمثله بالنسبة للقضاء والإدارة والسياسة، والذين يعرفون تاريخ بيت الجرافي وعلمائهم. وعند مواراة جثمانه الطاهر الثرى، وجدتني لا شعورياً استشهد بأبيات للشاعر اليمني الكبير/ محمد بن حمير الوصابي الهمداني المتوفي سنة 651هـ والمذكورة في ديوانه الذي حققه المرحوم القاضي/محمد بن علي الأكوع والذي نشرته دار العودة في بيروت عام 1985م عندما رثى الفقيه الإمام/ محمد بن الحسين البجلي المتوفي 621هـ:
كنت الجمال لكل دهر باطل


فاليوم عطل كل دهرٍ خالي

من للعظائم إن فقدت يزيلها


عن حالها ويفك كل عقال

من صاحب الوجه الوسيم


وصاحبُ الجاه الجسيم وَكْعبةُ النَّزال

بعد الثريا صرت في حفر الثرى


والدهر يُرْخِصُ كل شيء غالي
       
بالله يا قبر "الفقيه محمد"


هل أنت عن علم برد سؤالي

بالله ياقبر "الفقيه محمد"


ماذا صنعت بوجهه المتلألي

لو أن تُربك بالترائب يُشْترى


وَازَنتُهُ المثقال بالمثقال

لو كان لي امري دفنتُكَ في الحشا


وجَعْلتُ صفَّ اللِّبن من أوصالي

عفت الديار فلا ديارُ وغاب منْ


قد كان مالاً للقليل المال

فهو الذي قد كان من أخلاقه


بَذْلُ النَّدى وهداية الضلال

وقد أحترت عندما قررت أن أسهم بجهدي المتواضع بالكتابة عن الفقيد الراحل، وظللت متردداً من أين أبداء ووجدت أن الأستاذ/ عبدالحميد آل أعوج سبر، قد كفاني مؤنة عن الكتابة عن الفقيد القاضي/ محمد الجرافي وآل الجرافي فقررت أن أكتب عن علاقتي الشخصية بالمرحوم وآل الجرافي.

بداية علاقتي الشخصية بأسرة آل الجرافي عام 1962م
بعد ما قامت ثورة السادس والعشرين من سبتمبر، وتعين المرحوم عمي القاضي/عبدالوهاب بن عبدالله العرشي في ديوان عام وزارة الخارجية، كان زميله القاضي العلامة السفير/علي بن أحمد الجرافي أطال الله عمره (الشقيق الأصغر للقاضي المرحوم/محمد)،والأستاذ السفير القدير/يحيى بن عبدالقادر أبو طالب.
وقد ظلت علاقة القاضي علي الجرافي بعمي عبدالوهاب علاقة أخوة ومودة حتى توفي المرحوم القاضي عبدالوهاب العرشي في قطر عام 1379هـ الموافق 1977م عندما كان سفيراً لليمن هناك، وهناك قصة عجيبة رأيت أن أذكرها للدلالة على صدق المودة والمحبة بين أسرة آل العرشي وآل الجرافي، في بداية الثمانينات من القرن العشرين كنت في زيارة رسمية لبريطانيا بناءً على دعوة الحكومة البريطانية بعد التوقيع على تجديد العقد لشركة البرق واللاسلكي البريطانية المحدودة في اليمن، وعندما نزلت الفندق المخصص لي إذا تليفون الغرفة التي أنا فيها يرن من عاملة الاستقبال وتقول أن القاضي/ علي الجرافي جاء لزيارتك وهو منتظر لك في بهو الإستقبال في الفندق، وإلى هنا فإن الخبر عادي، فلبست ملابسي بسرعة وهرعت لاستقباله وعانقني بمحبة ومودة وعيناه مشرغة بالدموع، وإذا هو يقول: يا محمد أنت تدري من قال لي أنك هنا في لندن؟ فأجبت بالنفي. قال لي: عمك عبدالوهاب. فأقشعر جسمي وأجبت بسرعة: ماذا تقولون يا قاضي علي، عمي المرحوم القاضي عبدالوهاب؟ قال: نعم. قلت: كيف؟ قال: كنت ليلة وصولك إلى لندن أي ليلة أمس نائماً فرأيت في منامي عمك عبدالوهاب يقول لي: قُمْ يا علي البس لتقوم باستقبال محمد بن محمد، وفي الصباح ذهبت إلى السفارة اليمنية وأنا ما بين مصدق ومكذب وسألت هل محمد بن محمد العرشي – وكيل وزارة المواصلات – هنا في لندن؟ قالوا لي: نعم وصل بالأمس بناءً على دعوة من وزارة الخارجية البريطانية. وطلبت من المختصين عنوان الفندق، وجئت لزيارتك. وبعد عودتي إلى صنعاء حكيت لكثير من الأصدقاء رؤيا القاضي علي الجرافي ومنهم المرحوم الفقيد القاضي محمد الجرافي وأخي الأستاذ علي صالح الجمرة والقاضي علي أبو الرجال، وإذا القاضي علي أبو الرجال أطال الله عمره يقول لي: "لقد قمت بتسجيل المقابلة الإذاعية لك يا محمد من راديو بي بي سي البريطانية، وسجلتها" فأعجبت من توارد الخواطر ولقاء الأرواح عندما تكون العلاقة بين الأحباب علاقة مودة ومحبة وليست مبنية على علاقة منفعة بحتة.
علاقتي بالفقيد الراحل بعد عودتي من الدراسة من جمهورية مصر العربية
وعندما عدت من القاهرة في عام 1971م بعد إنهاء دراستي في جامعة الأزهر كنت أحضر مقيل آل الجرافي في منزلهم العامر الذي كان يحضره العلامة القاضي أحمد بن أحمد الجرافي والفقيد الراحل القاضي محمد، والمرحوم السفير العالم المجتهد السياسي الوزير القاضي/ إسماعيل بن أحمد الجرافي المتوفى سنة2007م، والقاضي علي بن أحمد الجرافي أطال الله بقائه، وذاكرة اليمن أبو التوثيق فيها القاضي الأستاذ/ علي بن أحمد أبو الرجال – رئيس المركز الوطني للوثائق، والعديد من القضاة والعلماء والأدباء، الذين كانوا يتناولون الكثير من القضايا العلمية والأدبية، وكان هذا المجلس عامراً بالعديد من القضاة والعلماء والأدباء ويتناولون الكثير من القضايا الفكرية والفقهية والتاريخية، وكان القاضي العلامة المرحوم أحمد بن أحمد الجرافي يحدثني عن جدنا القاضي المؤرخ حسين بن أحمد العرشي المولود عام 1276هـ، ويقول أنه عرفه. لأن القاضي أحمد الجرافي من مواليد 1307هـ،وبالمناسبة كان القاضي المرحوم / أحمد بن أحمد الجرافي والد الفقيد متزوج من إبنة القاضي محمد بن علي داعر وهو أخو جدي – لأمه – القاضي المرحوم عبدالله بن أحمد العرشي، وكانت زوجة القاضي أحمد شقيقة صديق طفولتي وصبايا وشبابي وكهولتي الأستاذ/ أحمد محمد داعر – أطال الله عمره – وكيل الهيئة العامة للآثار سابقاً، والملحق الاقتصادي لبلادنا في الصين سابقاً، والتي توجد بيني وبينه صداقة  أرواح  قبل صداقة الأجسام وعندما كان يحس أحدنا أن الأخر لديه أي مشكلة رغم بعد المسافة بين اليمن والصين يقوم كل واحد منا بالإتصال بالأخر، ويحاول كل منا أن يسال عن أسباب القلق الذي أحس به.
والجدير بالذكر في هذا السياق أن أخي وتوأم روحي المهندس/عبدالملك بن أحمد العرشي – رئيس الهيئة العليا للرقابة على المناقصات والمزايدات – يكون دائماً بيننا وبينه اتصال روحي وفي أحد الأيام كان أخي عبدالملك في مطار المكلا وحدث أن حدثت له شرغة ولم أشعر إلا وأنا أصيح فجاءة عبدالملك عبدالملك والعرق يتصبب مني.
 واستمريت أحضر مقيل آل الجرافي في كل شهر مرة تقريباً، وكان المرحوم القاضي محمد يهتم بي ويناقشني في عملي حيث كنت أعمل في الهيئة العامة للخدمة المدنية، وفي يوم من الأيام استدعاني الفقيد وذهبت إليه وأخبرني أن هناك محاولة لإصدار قوانين بقرارات من مجلس القيادة ولا سيما وأن مجلس الشورى قد تم حله وربما بعض نصوصه تخالف أحكام الشريعة الإسلامية ومواد الدستور. وتسأل ما هو الحل؟ فتناقشنا حتى تم التوصل إلى إنشاء هيئة لتقنين أحكام الشريعة الإسلامية فقال لي الفقيد القاضي محمد:"سأقابل غداً الأخ القاضي علي السمان – وزير العدل في ذلك التاريخ – وأناقش معه الموضوع وأخبرك بما تم الاتفاق عليه".وفي اليوم التالي أتصل بي إلى مقر عملي في الهيئة العامة للخدمة المدنية، وقال لي:"نتقابل بعد العصر عندي في المقيل وبعد العصر ذهبت إلى مقيلهم العامر في حي الخراز وقال:"لقد أقنعت الوزير بالمقترح فاختار بعض زملائك وأعدوا القرارات القانونية الخاصة بإنشاء لجنة لتقنين أحكام الشريعة" واستدعيت زميلين لي هما القاضي/عباس مرغم الذي يعمل الآن عضواً في المحكمة العليا، والقاضي/محمد حسن قايد وهو يعمل الآن قاضي في استئناف محافظة الحديدة. وفعلاً تم إعداد مشروع قرار مجلس القيادة بإنشاء الهيئة العامة لتقنين أحكام الشريعة الإسلامية، ومشروع ميزانية للهيئة ومشروع ترشيح أميناً عاماً للجنة، وأقترح القاضي المرحوم/محمد بأن أكون أميناً عاماً للهيئة، ثم جاء حل الهيئة العامة للخدمة المدنية من قبل اللجنة العليا للتصحيح وتكليفي من قبلها بالإشراف على الهيئة العامة للخدمة المدنية المنحلة والمساهمة في تأسيس الديوان العام لشئون الموظفين وتم بعد ذلك تعييني وكيلاً للديوان العام لشئون الموظفين.
وتوطدت علاقتي بالفقيد القاضي محمد أكثر، وكان بالنسبة لي هو الأب والأستاذ، وكان يحوطني برعايته ونصائحه وتوجيهاته، وفي تلك الفترة تقرر سفري لحضور دورة تدريبية في أداء الخدمات في ألمانيا الاتحادية تبنتها المنظمة العربية للعلوم الإدارية عام 1976م، وذهبت إلى وزارة المواصلات لتهنئة صديقي الأخ/ أحمد محمد الأنسي بتعيينه وزيراً للمواصلات، وإذا هو يفاجئني بالعرض علي بأن أكون وكيلاً لوزارة المواصلات، وهو المنصب الذي كان يشغله قبل أن يعين وزيراً للمواصلات، فأخبرته أنني سوف أسافر إلى ألمانيا الاتحادية لحضور دورة تدريبية في الإدارة هناك، ولا يوجد لدي مانع من ذلك.  ثم قمت بزيارة الفقيد القاضي محمد لاستئذنه بالسفر إلى ألمانيا وأودعه وإذا هو يسألني:"ماذا ستعمل يا محمد بعد عودتك من ألمانيا؟ فأخبرته بما جرى بيني وبين الأخ/أحمد الأنسي، وإذا هو يقول لي:"إن عملك يجب أن يكون في العدل ليس في المواصلات بحكم تخصصك وسوف أرشحك لمنصب نائب وزير العدل" وفوجئت بل أصبت بالدهشة. وقلت له: لا أتصور أن أكون في منصب يكون أعلا من المنصب الذي تشغلونه. وقال لي: يا محمد أنت ستفيد القضاء ووزارة العدل بخبرتك الإدارية والمالية وسينعكس ذلك إيجاباً على السلطة القضائية والمحاكم. فقلت له: لا أستطيع أن أخالف توجيهاتكم وأنا سوف أسافر وأخشى أن يتعارض الترشيحان، وقال:"سوف نقنع وزير المواصلات بسحب ترشيحه" وفعلاً تمَّ صياغة قرار ترشيحي نائباً لوزير العدل، وتم توقيعه من قبل وزير العدل، ورئيس مجلس الوزراء، وتم رفعه إلى مكتب الرئيس الغشمي الذي أغتيل ومشروع القرار لا يزال في مكتبه، وعندما تم انتخاب الرئيس علي عبدالله صالح رئيساً للجمهورية من مجلس الشعب التأسيسي سارع الأخ/أحمد الانسي بمتابعة إجراءات ترشيحي، وتم رفع قرار تعييني وكيلاً لوزارة المواصلات، وكان أول قرار جمهوري يتم توقيعه من الرئيس علي عبدالله صالح هو قرار تعييني، واستمرت علاقتي بالفقيد القاضي/ محمد قوية يحوطها الحب والتقدير، وكان يرعاني دائماً بأخلاقه العالية ونصائحه العلمية.
وعندما أصبت بأزمة قلبية، وتم إسعافي إلى تونس انزعج القاضي محمد، وكان يأتي لزيارتي، ويعرض عليَّ مساعدته المادية، ويعمل على متابعة حالتي بحب وقلق ومودة، وعندما صدر القرار الجمهوري بتعيين هيئة الإفتاء الشرعية برئاسة الراحل الفقيد القاضي/محمد استدعاني وكلفني بإعداد مشروع قانون بإنشاء هيئة الإفتاء الشرعية تنظم أعمال الهيئة وآليه عملها ووجه نجله النجيب القاضي/عباس بن محمد الجرافي بالتعاون معي بإعداد المشروع والتنسيق مع والده.
هذه بعض الآهات والدموع التي أتذكرها عن علاقتي بفقيد الأمة الإسلامية القاضي/ محمد أحمد الجرافي.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق