الأحد، 15 فبراير، 2015

ومضات: قراءات في كتاب برهان البرهان للعلامة برهان الدين البجلي


صحيفة 26 سبتمبر الأربعاء, 04 ديسمبر 2013 --> العدد 1740 - الثقافية
د. عبدالعزيز المقالح

تحتل اليمن مكان الصدارة في كنوزها من التراث الديني والفكري والادبي، ولا اظن ان قطراً عربياً او اسلامياً قد انتج من العلماء والمفكرين والادباء ما انتجه اليمن في قرون ما بعد سقوط الحضارة العربية الاسلامية وغياب دور بغداد ودمشق والقاهرة عن هذه المجالات، وليس في هذه الاشارة اي قدر من المبالغة فالموروث الثقافي الذي تم العثور على بعض منه حتى الآن يؤكد هذه الحقيقة ويدعو الى مزيد من البحث عما تبقى من هذا الكنز مخفياً لدى بعض البيوتات اليمنية سواء في المحافظات الشمالية او الجنوبية، في صنعاء وذمار وصعدة او في زبيد وبيت الفقيه وتعز ثم في تريم وشبام وسيئون وبقية المدن في حضرموت التي احتفظت بالكثير من كتب التراث في شتى المعارف العلمية والادبية. ومنذ سنوات فوجئنا بنشر كتاب «الشرف الوافي» لمؤلفه العلامة اليماني اسماعيل المقري، وهو كتاب نفيس ومنير للأعجاب فقد جمع فيه مؤلفه بين عدد من فنون القول وبطريقة باعثة على الدهشة من اقتداره في تطويع اشكال الكتابة، ويفاجئنا اليوم الاستاذ محمد بن محمد العرشي بكتاب آخر يثير الاعجاب والاهتمام ايضاً وهو كتاب «برهان البرهان الرائض في الجبر والحساب والخطأين والاقرار والفرائض» تأليف الشيخ العلامة برهان الدين بن ابراهيم البجلي من ابرز علماء اليمن في القرن التاسع الهجري، وفي زمن الدولة الظاهرية بالتحديد، وقد تولى الاستاذ محمد العرشي رعاه الله وزاده قدرة على اخراج هذه الكنوز وتحقيقها وطبعها ونشرها، وقد ظهر هذا الكتاب بجهده الخاص في صورة غير مسبوقة تقديراً لما للكتاب من اهمية علمية، ومن تركيز على العلوم التي كانت سبباً في تقدم الحضارة الاوروبية الحديثة وما شهدته من تطورات علمية تقوم في الاساس على علمين من العلوم التي تمحور حولهما الكتاب وهما «علم الجبر والحساب».
وقد احسن المحقق صنعاً بوضع مقدمة شاملة للكتاب تناول فيها عدداً من مشاهير اليمن واعلامها في حقول العلم والفكر والابداع ابتداءً من القرن الاول الهجري والى العصر الحديث، كما يضم الكتاب تصديراً بقلم الاستاذ خالد عبدالله الرويشان وتعريفاً شعرياً للشاعر الكبير حسن عبدالله الشرفي، ومما ورد في مقدمة المحقق تعريفاً بمؤلف كتاب «برهان البرهان» نبذة منقولة من كتاب آخر للمؤلف عنوانه: «كشف الاسرار والغوامض» وجاء في تلك النبذة انه من مواليد شهر رجب عام اربعة وخمسين وثلاثمائة بمدينة «ابيات حسين» وهي مدينة اندثرت كما يبدو وموقفها شمال مدينة بيت الفقيه القائمة حتى الآن، وقد ختم القرآن بمدينة زبيد ودرس على ايدي عدد من مشاهير العلماء في عصره، ويتوضح من النبذة التي اوردها العلامة البجلي عن حياته العلمية انه كان شديد الاهتمام بالعلوم وان دراساته لم تقتصر على كتب الفقه والحديث واللغة بل تعدت ذلك الى نطاق العلوم ومنها «علم الحساب والفرائض والجبر والمقابلة» مما اهله لتأليف هذا الكتاب المهم والنفيس.
ومن الاسئلة التي طرحتها على نفسي بعد قراءة هذا الكتاب سؤال يتكرر كلما انتهيت من قراءة كتاب لاحد مؤلفينا القدامى لاسيما في العصور المتأخرة، وكيف تمكن هذا المؤلف ان يتجاوز مؤثرات عصره المضطرب ويعكف على تحقيق مثل هذا الجهد العلمي، وما مؤلف كتاب البرهان الا واحد من النماذج العالية للرجال الذين كانوا يتحدون ازماتهم فقد عرفنا من سيرته الموجزة انه عاش عصراً شديد الاضطراب وان قريته التي ولد فيها قد تعرضت للخراب اكثر من مرة اما بسبب الحروب او بسبب السيول، ومع ذلك كان سكناها يعودون الى بنائها وسكانها، واللافت ان تلك الاحداث لم تفت في عضده ولم تجعل اليأس يتسلل الى نفسه الطامحة، فقد واصل تعليمه بقدر من الجد والاصرار، وترك لنا هذا الموروث العلمي المعتد والمتميز والجدير بالنشر والاشادة واتمنى ان تصل نسخ منه الى جميع مكتبات العالم.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق