الثلاثاء، 10 نوفمبر، 2015

مديرية كريتر


الثروات والكنوز الحضارية والمدن التاريخية في محافظة عدن
الحلقة الخامسة
أمين الريحاني في عدن ومحاولته التغلب على رفض بريطانيا لزيارته صنعاء 

إعداد/محمد محمد عبدالله العرشي
المقدمة:
أخي القارئ الكريم.. يسرني في هذا العدد من صحيفة الثورة الغراء أن أقدم لك لمحة من كتاب ملوك العرب لأمين الريحاني، اللبناني المسيحي أحد المهاجرين إلى أمريكا، والجزء الأول من كتابه عن الحجاز واليمن وعسير ولحج وعدن والمحميات في جنوب اليمن، والصادر عن دار الجيل ببيروت، وأمين الريحاني كان من أشهر الأدباء العرب في عصره، وفي أدبه صور أدبية يعجر الكثير من الأدباء أن يأتوا بمثلها، وفي نفس الوقت كان مخلصاً للوحدة العربية، وكانت رحلته التي ضمنها كتابه هذا خير دليل على ذلك.. فيا أبنائي عليكم الرجوع إلى هذا الكتاب للإطلاع عليه ولتعرفوا دسائس الاستعمار البريطاني والتي لا تزال تعاني منها أمتنا، ومنها إنشاء الكيان الإسرائيلي بصفة عامة، وما تعانيه اليوم يمننا الحبيب بصفة خاصة هي أحد هذه الدسائس...
مديرية كريتر
مديرية كريتر إحدى مديريات محافظة عدن(مدينة عدن) التي تبعد عن صنعاء بـ 365كم جنوباً. وتبلغ مساحة المديرية 14كم2. تضم المديرية 29 محلة تشكل ستة أحياء هي: أول مايو، 2 مارس، التلال، السلفي، الصمود، الكبسي... ومركز مديرية كريتر (صيرة).. وبلغ عدد سكان المديرية 76908 نسمة حسب التعداد العام للسكان والمساكن عام 2004م، وأطلق تسمية كريتر عليها بعد الاحتلال البريطاني (Crater)، وكريتر تعني فوهة البركان، وهي عبارة عن شبه جزيرة، تمتد كرأس صخري في مياه خليج عدن، وهي بمثابة بركان خامد مساحة امتداده في مياه خليج عدن حوالي (8.5 كم)، ويربطها بالبر برزخ رملي يعرف ببرزخ (خور مكسر)، وتحيط بفوهة البركان سلسلة جبلية بركانية تكونت خلال الزمن الجيولوجي الثالث مع تكون أخدود البحر الاحمر، وقد ساهمت في تشكيل تضاريس مدينة عدن وخليجها تلك السلسلة الجبلية المحيطة بها من جهة الشمال والغرب والجنوب الغربي تتفرع من جبل العر عمودها الفقري..
وساعد موقع مدينة كريتر الجغرافي وما وهبه الله لها من مميزات طبيعية على أن صار ميناء عدن وأشهر وأهم الموانئ اليمنية منذ القدم، وهذا الميناء الوحيد الذي تميز بعمقه، وتحيط به الجبال الأمر الذي سهل للبواخر والمراكب من الرسو بأمان وحجبها من الرياح.. وترتكز أهمية هذا الميناء أنه كان عبر العصور شريان الحياة لحركة التجارة العالمية، كما كان الأساس في ظهور تاريخ عدن الباهر المليء بالأحداث التاريخية الهامة، والتي كان لها الدور الأكبر في التاريخ العالمي، حيث ظلت عدن على مدى القرون المتعاقبة وباستمرار محط أطماع الغزاة منذ فجر التاريخ.. وكانت مدينة عدن القديمة قبل الاحتلال البريطاني عبارة عن قرية تاريخية، تحتوي على معالم أثرية ذات بُعد هندسي وقيمة اقتصادية وجوانب روحية كالصهاريج والمساجد القديمة والقلاع والأسوار والتحصينات والأنفاق وبقايا المنشآت السكنية العتيقة، وكل تلك المعالم بصورها المتعددة هي التجسيد الحي للتواصل بين حلقات الحضارة الانسانية، وأثناء الاحتلال البريطاني عملت السلطات البريطانية على صيانة الأسوار والتحصينات القديمة للمدينة لحمايتها تم بدأت بتنفيذ تخطيط مدينة كريتر (1854م)، وغيرت أغلب الأحياء القديمة واستبدلتها بأحياء جديدة منظمة ورصفت الشوارع المستقيمة الحديثة... وأصبحت كافة شوارع كريتر واحيائها تندرج ضمن مخطط عام لها يجمع بين الخدمات المتنوعة السكنية والتجارية والصحية والتعليمية والأمنية، وتطورت عبر المراحل التاريخية حتى صارت على ماهي عليه اليوم في العصر الحالي.
وقد تسارعت النهضة العلمية والثقافية في كريتر ، وكان لوجود عدد كبير من المكاتب والمطابع ودور النشر فيها، حيث ظهرت العشرات من هذه المطابع والمكتبات ودور النشر التي جعلت من أبناء عدن على إطلاع ودراية وعلم كاف بأحدث الكتب والمراجع التاريخية والعلمية والثقافية وبشتى الأصناف وللعديد من المؤلفين اليمنيين والعرب والعالميين.. ومن هذه المكاتب والمطابع على سبيل المثال لا الحصر: (مطبعة النهضة اليمانية، مطبعة الهلال، مطبعة الحظ، دار الجنوب للطباعة والنشر، مطبعة الكمال، دار الحرية للطباعة والنشر (مطبعة الحرية)، دار الجماهير للطباعة والنشر، مطبعة السلام للطباعة والنشر، مطبعة الشعب، المطبعة العربية، در البعث للطباعة والنشر، مطبعة راسم، مطبعة آج بهادور، المطبعة الزينية، المطبعة الشرقية، دار الأيام للطباعة والنشر، مطبعة الكفاح، مطبعة علي محمد لقمان، مطبعة الحاج عبادي وأولاده والتي تم نقلها إلى صنعاء بعد الوحدة بإدارة الأستاذ نبيل عبادي التي تبنت طباعة مئات من الكتب والدواوين الشعرية وسد العجز في المطبوعات الذي لا تستطيع وزارة الثقافة ومؤسساتها من طباعتها..
أمين الريحاني وزيارته لعدن
كان المرحوم أمين الريحاني يرغب في زيارة اليمن وبالأخص لقاء المرحوم الإمام يحيى في صنعاء، وقد احتار في اختيار أحد الموانئ اليمنية للوصول إلى صنعاء، وقد تشاور مع الكثيرين وفي النهاية تم الترجيح أن يكون ميناء عدن هو الأفضل، ولكن كان هناك عقبة كبرى وهو وجود الاحتلال البريطاني في عدن والمحميات الخاضعة للاحتلال البريطاني.. وقد أكد له الكثيرين سواء في أمريكا أو في الحجار الخاضعة للمرحوم الملك حسين أن البريطانيين لن يسمحوا له بالوصول إلى صنعاء ومقابلة المرحوم الإمام يحيى بن محمد حميد الدين في صنعاء، وفعلاً لقد لقي العديد من الصعاب والمشاكل تكلم عنها بالتفصيل في كتابه (ملوك العرب)، حيث قال: "... عندما رأت الوكالة البريطانية أن لابد من الأذن اتخذت خطة أخرى فسعت بوساطة أصحابها، ومنهم أولئك العرب الذين يتكلمون اللغة الإنكليزية، أن تقنعني بأن السفر إلى صنعاء من الحديدة أسهل طريقاً وأقل خطراً. وقد ارادت بذلك أن أزور أولاً صديق الإنكليز السيد الإدريسي فأرى في تهامة ما قد يغنيني عن زيارة خصمهم الإمام يحيى فرفضت بتاتاً وكتبت إلى معاون الحاكم، جواباً على ما جاءني في كتابه إلى القنصل، أسأله أن يتفضل فيرفقنا بالحرس اللازم إلى حدودهم (أي الحدود الشطرية التي بين جنوب اليمن المحتل وشماله المستقل الذي يحكمه الإمام المرحوم يحيى) أي الحدود التي تنتهي عندها حمايتهم. فجاءني منه جواب يقول فيه، قد كتبت إلى سلطان لحج بخصوص طلبكم وسأعلمكم بما يجد."
ثم أردف قائلاً: "أقف عند هذا الحد في القصة لأرجع إلى مصدر أخر من مصادرها الغريبة. بعد أن زرت الوكالة البريطانية رحت أقصد وكالة أخرى سياسية. يممت في فوهة فم البركان ، في عدن القديمة، ومعي رفيقي قسطنطين،(أي كريتر حيث يسكن المرحوم القاضي عبدالله بن أحمد العرشي ممثل الإمام يحيى في عدن) بيت القاضي عبدالله العرشي وكيل الإمام يحيى وسفيره إلى الإنكليز في عدن. فلما وصلنا إلى دار السعادة اليمانية بادر إلى استقبالنا عند الباب رجل صغير نحيل في قميص من القطن قصيرة، تحتها قميص أخرى من الصوف زرقاء وفي رجله الخف، وعلى رأسه، وقد نزع العمامة، طاقية بيضاء. هو القاضي عبدالله سفير الحضرة الإمامية (هو عبدالله أحمد  بن صالح بن مصلح بن أحمد بن حسين بن عامر بن أحمد بن محمد العرشي: (1296 هـ ـ 1879م /1359 هـ ـ1940م) عبدالله بن أحمد بن صالح بن مصلح العرشي، عالم, قاض, سياسي، أحد قادة المقاومة اليمنية ضد التواجد العثماني..).
ويستمر الرحالة الريحاني بسرد أحداث زيارته فيقول: جلسنا على سجادة صغيرة في زاوية من غرفة تكاد تكون عارية إلى جانب مسند القاضي عدد من الجرائد المصرية والسورية وفيها جريدة نيويوركية أشار إليها فضيلته قائلاً: نعم الغيرة غيرة أبناء العرب في أميركا على الوطن واللغة. ولكنني أقف حائراً في مطالعتي هذه الجريدة عند ألفاظ وتعابير ليست من العربية بشيء. أفلا يقرأون النحو واللغة على أساتذة من العرب هناك؟... أما هذه وأشار إلى مجلة مصرية، فأسلوبها "ناهي" (جميل).. ومن الغريب يا حضرة الفيلسوف أن يوم وصلتنا برقيتكم من بورت سودان وصلت هذه المجلة وفيها مقال عنكم، طالعناه والإعجاب بكم يسابق الشوق إليكم. فشكرنا الله الذي حقق أملنا باللقاء... ومولانا الإمام هو عالم كبير وشاعر مجيد. وعنده مكتبة من الكتب المخطوطة لا مثيل لها في البلاد العربية كلها.. يوم وصلتنا برقيتكم يا حضرة الكامل أشعرنا بالسلك (تلغراف) حضرة الإمام. ومتى جاء الجواب نسارع إليكم به. نحن في خدمتكم. وهذا قليل تجاه من وقف نفسه على خدمة العرب..
وفي اليوم التالي جاء فضيلته، لابساً ثيابه الرسمية، راكباً السيارة، يزورني في الفندق. وكان في معيته كاتب سره واثنان من العبيد. دخل أحدهما عليَّ يقول: مولانا القاضي. فلبست عقالي وخففت إلى استقباله. ولولا العبد المبشر بقدومه لما عرفته لأول وهلة أين القميص والطاقية والخف من هذه المطارف الفخمة التي جاء يرفل بها. وهذا البرد اليماني المخطط بالأصفر والأحمر وقد طرحه على كتفه كأنه رداء روماني. وهذه العمامة العامرة الباهرة الألوان، والسيف يحمله بيده، والجنبية في زناره. هو ذا حقاً سفير الحضرة الإمامية دام نصرها..
والغريب أن القاضي كان في تلك الزيارة رسمياً في حديثه كما كان في ثيابه. فما أنعش لي املاً، ولا قال أنه زار كذلك صباح ذاك اليوم الوكالة البريطانية. فلا غرو إذا فتحت أذني لرواة الأخبار الذين قالوا أنه راح يستشير الحاكم في أمري، وأنه لا يقدم على عمل لا يُستحسن في دار الوكالة، وأنه يقبض منهم، لا من الإمام، المشاهرة. وقال بعضهم – بئس المفسدون – أنه يقبض من الإثنين، وأنهم، أي الإنكليز إذا شاؤوا أن يمنعوني عن السفر فلا يفعلون مباشرة إكراماً لقنصل أمريكا، ولكنهم يوعزون إلى القاضي عبدالله بأن يقول لي أن الطريق إلى صنعاء محفوفة بالأخطار، فلا يستطيع أن يرفقني بالحرس اللازم، وغيرها من الأقاويل. لله منك يا عدن ما أكثر الدسائس فيك والجواسيس.
جاءني بعد أيام كتاب من فضيلة القاضي "مجدداً للوعد مؤكداً للوداد" يبشرني فيه بوصول برقية من حضرة الإمام مجيباً بالإيجاب. ثم قال: فأي وقت تريدون أن تسافروا عرفوني فأرسل معكم أحد خاصتي إلى أمير الجيش في ماوية واعطيكم كتاباً إليه فيكرم وفادتكم ويرفقكم بمن يقوم بخدمتكم وحراستكم إلى السدة الشريفة. أنتم منا وعلينا واجب الحب والإكرام.
وصلني هذا الكتاب وأنا في لحج ضيف سمو السلطان عبدالكريم فضل انتظر الفرج من الوكالة البريطانية. وكنا على جميل ضيافة سموه وحفاوته بنا، في حالة تعددت همومها. فقد مرض أولاد الرفيق قسطنطين بالحمى ومرضت أنا بـ "القيل والقال" وكان داء الجدري متفشياً في البلد فخفن أن يكون قد اصيب رفيقي به. واطلعني السلطان ذات ليلة على كتاب من الحاكم: لا تأذنوا لفلان وفلان أن يتجاوزوا الحدود قبل أن يجيئهم الإذن منا. فإذا تمثل القارئ تلك الحال، وقد بقينا أسراء في القصر بلحج، يدرك شيئاً من سروري بكتاب القاضي عبدالله العرشي..
من المعالم الأثرية والتاريخية في مديرية كريتر
تشتهر كريتر بالعديد من المعالم والآثار والتي لا زالت قائمة إلى الآن، ناهيك عما أندثر من هذه المعالم، فالزائر لمديرية كريتر لا بد له أن يوجه بوصلة زيارته صوب صهاريجها الغارقة في القدم وفي الإبداع، التي ترسم في عيون ناظريها الدهشة من قدرة الإنسان اليمني وقوة صبره، وتصميمه في مواجهة مصاعب الحياة وفرض الحلول الجذرية لمشكلة شح المياه وقلتها.. ثم تنحرف بوصلة الزائر تلقاء نفسها إلى قلعة صيرة، ثم إلى منارة عدن، أو إلى مسجد أبان، أو مسجد العيدروس، أو متاحفها، أو حصونها "التعكر والخضراء"، أو جبل الحديد، أو ربما إلى كنيسة القديسة ماريا، ولا بد له أن يتمتع بمشاهدة العقبة (باب عدن).. والحديث عن هذه المعالم يحتاج إلى كتب، ونحن في هذه الأسطر المعدودة والمحدودة سنحاول أن نعطي هذه المديرية بمعالمها المتعددة والمتنوعة بعض ما تستحقه من تعريف...ومن أهم هذه المعالم:
1- صهاريج الطويلة – عدن: تقع صهاريج الطويلة بوادي الطويلة في امتداد خط مائل من الجهة الشمالية الغربية لمدينة عَدَن (كريتر)، وهي واقعة أسفل مصبات هضبة عَدَن المرتفعة حوالي (800قدم)، وتأخذ الهضبة شكلاً شبه دائري ويقع المصب عند رأس وادي الطويلة.. وتصل الصهاريج بعضها ببعض بشكل سلسلة، وهي مشيدة في مضيق يبلغ طوله سبعمائة وخمسون قدماً تقريباً، ويحيط بها جبل شمسان بشكل دائري باستثناء منفذ يؤدي ويتصل بمدينة كريتر، تقوم الصهاريج بحجز المياه المنحدرة من الهضبة من خلال شبكات المصارف والسدود والقنوات التي استحدثت بهدف تنقية المياه من الشوائب والأحجار. وتختلف المصادر التاريخية حول تاريخ بناء الصهاريج، ولم يجد الدارسون الأثريون أي سند أو نقش يتعلق بتاريخ بنائها، وأغلب الظن أن بناءها مر بمراحل تاريخية متعددة... ولعل ما يلفت النظر وجود لوحة مثبتة على جدارٍ بالقرب من صهريج (كوجلان) مكتوب عليها (هذه الخزانات في وادي الطويلة مجهول تاريخها).. ويعلق الأستاذ عبد الله أحمد محيرز على ذلك بالقول : "ليس من الضروري البحث عن تاريخ لمثل هذه الصهاريج فوجودها ضروري في أي زمان ومكان خاصة في مدينة كعَدَن شحت آبارها، وتعرض أهلها بحكم موقعها لخطر الموت عطشاً إن هي حوصرت لزمن طويل بل لابد أن وجودها لخزن المياه – وتقوم الصهاريج بتلقف المياه وحفظها وخزنها ثم تصريفها لاكتمالها – ؛ وبذلك تكون آلية عمل الصهاريج وفقاً لهذا المفهوم المتعارف عليه كمصطلح بحسب ورودها في كتب المؤرخين، وكما وصفها الرحالة العرب في مشاهداتهم المدونة في كتبهم والتي صنفت فيما بعد بما يسمى أدب الرحلات.. وقد وردت الصهاريج في النقوش القديمة، فوردت في نقش قديم محفوظ بمتحف اللوفر في باريس بالرمز، (1H50 – 1) 4 ينص على التالي (قيلزد قد قدمت مسنداً للإله ذات بعدان تكفيراً عن خطيئة ابنتها بتدنيسها صهريج عَدَن)، لم يحدد في النقش أياً من العدنات اليمنية المقصود، كما أن الفترة الزمنية التي يتحدث عنها النقش غير مشار إليها في المرجع "الكتاب الذي ذكر فيه النقش"... كما ذكرت الصهاريج في كتابات المؤرخين والرحالة الإسلامية القدامى، فوردت عند الهمداني في كتابه "صفة جزيرة العرب" عند الحديث عن عَدَن (بها ذاتها بؤور) و بؤور تعرف قاموسياً بأنها الحفرة لخزن الشيء. وعند الرحالة والجغرافي العربي الإسلامي المقدسي عند حديثه عن عَدَن يقول: (ولهم آبار مالحة وحياض عدة) مما يفسر وجود أحواض تستخدم لخزن المياه. وعند ابن المجاور بقوله: (آبار ماؤها بحر عَدَن) (...والصهريج عمارة الفرس عند بئر زعفران، والثاني عمارة بني زريع على طريق الزعفران أيمن الدرب في لحف الجبل الأحمر...). وكلمة (صهريج) لفظة مستعربة من اللغة الفارسية كما ورد في معجم (المنجد في اللغة والأعلام وتعني: حوض الماء). وذكرها ابن بطوطة بقوله: (وبها صهاريج يجتمع فيها الماء أيام المطر...). وذكرها ابن الديبع بقوله:  "وامتلأت الصهاريج كلها حتى تفجرت وزاد الماء زيادة عظيمة حتى سال إلى البحر" وذلك في إشارة إلى حوادث عام ( 916هـ / 1510م) عندما نزل مطر عظيم شديد في عَدَن.
2- مسجد أبان: يعتبر المسجد من أقدم المساجد في عدن وينسب بنائه من خلال تسميته إلى (أبان بن عثمان بن عفان) توفي في (105هـ - 723م) بالمدينة المنورة، وقد كان من مشاهير التابعين، أقام في عدن فقيهاً يعلم الناس أمور دينهم، وبنى مسجده قبل عودته إلى المدينة المنورة، تاركاً فيها ولديه "الحكم" و "المكثر"،  ويعد مسجد أبان من المعالم الإسلامية القديمة ذات البناء البسيط الذي كان سائداً في القرون الإسلامية الأولى، والمتعارف عليه بين أوساط عامة الناس أنه مسجد مبارك مجاب فيه الدعاء، وقد تم ترميمه مرات عدة.. وجدير بالذكر أن الإمام أحمد بن حنبل قد قام فيه أثناء زيارته لعدن للقاء إبراهيم بن الحكم حفيد أبان للأخذ منه والنيل من معارفه وعلومه الدينية، وكان ذلك في حوالي (154هـ)..
3- جبلي التعكر والخضراء: وهما جبلان يفصل بينهما باب المدينة، أو بالأحرى سلسلة جبلية اخترق باب المدينة أوطأ أجزائها، فاتخذ بعض الجزء الواقع على يمينه للخارج من المدينة إسم (الجبل الأخضر)، والأخر إسم (التعكر). ويذكر الباحثون أن إسمي الجبلان كغيرهما، تكرار لأسماء حصون، وجبال في مواقع أخرى من اليمن، لعلها نقلت ضمن ما نقله الصليحيون، والزريعيون أثناء حكمهم لعدن.. وقد ذكر عمارة أن المكرم الصليحي (زوج السيدة بنت أحمد) كافأ ولدي زريع: العباس والمسعود – لمعروفٍ سبق من أبيهم في نصرة الدولة المستنصرية أيام أبيه على ابن الصليحي – فولاهما عدن: "وجعل تعكر عدن، وهو يحوز الباب، وما يصل من البر، وجعل لمسعود حصن الخضراء، وهو يحوز الساحل والمراكب، ويحكم على المدينة". وقد اختفى إسم التعكر نهائياً في عدن على الرغم من بقاء إسم نظيره في (جبله بمحافظة إب) متداولاً إلى اليوم. ويذكر الباحثون أنه المسمى الآن جبل الخساف... ويقع حصن الخضراء على جبل الخضراء والذي يعرف حالياً باسم جبل المنصوري ضمن سلسلة جبال المنصوري، وقد اطلقت عليه التسمية الجديدة في الفترة الواقعة ما بين خروج الأتراك والاحتلال الإنجليزي.. وتوجد بالقرب منه بوابتان من أبواب عدن الستة، هما باب حومة وباب السيلة (أو باب مكسور)..
4- باب عدن (العقبة): يقع الباب في ثنايا العقبة. ممر في منخفض من سلسلة جبلية تحيط بالمدينة إحاطة كاملة، عدا الجزء الشرقي منها. وقد ظل لزمن طويل المنفذ الوحيد للمدينة، والصلة التي ربطت عدن ببقية أجزاء اليمن.. ويقع باب عدن أسفل جبل التعكر، وهو الجبل الذي ثُقب بأصله باب عدن – باب البر – ، وأطلقت عليه تسميات أخرى وأيضاً مثل باب اليمن، وباب السقايين والباب الرئيسي – والأخير أطلق أيام الاحتلال الإنجليزي –، وقد وصفه المؤرخ الهمداني بقوله: (شصر مقطوع في جبل)، وتعيد بعض المصادر التاريخية بناء باب عدن إلى شداد بن عاد حيث تم ثقب باب في الجبل، وجعل عدن سجناً لمن غضب عليه!. ويحتل باب عدن (العقبة) موقعاً استراتيجياً هاماً، وقد كانت بوابته في السابق تفتح صباحاً وتغلق مساءاً وقد بنى عليه الإنجليز جسراً في يناير 1867م، وهدم ذلك الجسر مؤخراً في عام 1963م بهدف توسعة الطريق.. وتمت في البوابة خلال عهود الأتراك والإنجليز الكثير من التوسعات والترميم وسفلتة أرضيتها..
رجعنا عند إعدادنا هذا المقال إلى العديد من المراجع منها: (نتائج المسح السياحي في الفترة 1996-1999م)، (بلوغ المرام في شرح مسك الختام في من تولى اليمن من ملك وإمام/تأليف القاضي حسين بن أحمد العرشي/ تحقيق الأستاذ محمد محمد عبدالله العرشي)، (تاريخ ثغر عدن/ أبا محمد عبدالله الطيب بن عبدالله بن أحمد أبي مخرمة، مع نخب من تواريخ ابن المجاور والجندي والأهدل/ الطبعة الثانية 1407هـ 1986م/ منشورات المدينة -صنعاء، شركة التنوير للطباعة والنشر – بيروت)، (الأعمال الكاملة.. العقبة، صهاريج عدن، صيره/ عبدالله أحمد مجيرز/ دراسة تحليلية جغرافية وتاريخية وأبحاث متعمقة/ من مطبوعات صنعاء عاصمة الثقافة العربية200م)، (عدن تحت الحكم البريطاني 1839-1967م/ ر. ج جافن/ ترجمة محمد محسن محمد العمري/ الطبعة الأولى 2013م/ دار جامعة عدن للطباعة والنشر – عدن)،  (من بواكير حركة التنوير في اليمن، المجموعة الأدبية والصحفية للقاضي أحمد محمد مُداعس/جمع وتحقيق وتقديم الأستاذ محمد محمد عبدالله العرشي/ شارك في الإعداد القاضي العلامة محمد إسماعيل العمراني)...
alarachi2012@yahoo.com

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق