الثلاثاء، 10 نوفمبر، 2015

مديرية البريقة


الثروات والكنوز الحضارية والمدن التاريخية في محافظة عدن
مديرية البريقة (شواطئ سياحية يندر وجودها في العالم)

إعداد/محمد محمد عبدالله العرشي
المقدمة:
أخي القارئ الكريم.. يسرني في مقالي هذا المنشور في صحيفة الثورة الغراء، أن أتحدث عن مديرية البريقة، أو ما يسمى عدن الصغرى، التي تعتبر مديرية سياحية خالصة بشواطئها وقلاعها، التي توفر أهم العائدات المالية لبلادنا والتي لو تم استغلالها الاستغلال الأمثل.. كما أن لهذه المديرية أهمية اقتصادية وذلك بوجود مصفاة النفط.. وقد كنت في مقال الأسبوع الماضي قد أشرت إلى الأديب الكبير المرحوم أمين الريحاني وإلى زيارته لعدن وخروجه منها إلى صنعاء للقاء الإمام المرحوم الإمام يحيى بن حميد الدين، وهي قصة تاريخية شيقة، ولابد هنا أن أذكر ولو تعريفاً بسيطاً عن هذا الأديب العربي الكبير/ أمين الريحاني (1293 – 1359هـ = 1876 – 1940م)، هو أمين بن فارس بن أنطون بن يوسف بن عبد الأحد البجاني، المعروف بالريحاني: كاتب خطيب، يعد من المؤرخين. ولد بالفريكة (من قرى لبنان) وتعلم في مدرسة ابتدائية، ورحل إلى أمريكا، وهو في الحادية عشرة، مع عم له. ثم لحق بهما أبوه فارس. فاشتغلوا بالتجارة في نيويورك، وأولع أمين بالتمثيل، فلحق بفرقة جال معها في عدة ولايات. ودخل في كلية الحقوق، ولم يستمر. وعاد إلى لبنان سنة 1898م، فدرس شيئاً من قواعد اللغة العربية وحفظ كثيراً من لزوميات المعري. وتردّد بين بلاد الشام وأميركا ثماني مرات في خمسين عاماً (1888- 1938م) وزار نجداً والحجاز واليمن والعراق ومصر وفلسطين والمغرب والأندلس ولندن وباريز، وكتب وخطب بالعربية والإنجليزية، واختاره معهد الدراسات العربية في المغرب الإسباني رئيس شرف، كما انتخبه المجمع العلمي العربي عضواً مراسلاً (سنة 1921م) ومات في قريته التي ولد بها. وكان يقال له فيلسوف الفريكة. ونسبة جدّه عبدالأحد البجاني إلى قرية بجة (في بلاد جبيل، بلبنان) والريحاني نسبة إلى الريحان (النبات المعروف).. وله العديد من المؤلفات منها: "ملوك العرب – ط" جزآن، و "تاريخ نجد الحديث – ط" و "قلب العراق – ط" و "المغرب الأقصى – ط" و"التطرف والإصلاح – ط"... وغيرها.. 
مديرية البريقة
البريقة: بضم ففتح فسكون؛ إحدى مديريات مدينة عدن التي تبعد عن العاصمة صنعاء بـ365كم جنوباً. تقع هذه المديرية في الجزء الغربي من مدينة عدن، ويحدها من الشمال محافظة لحج (مديريتا: تُبن وطور الباحة)، ومن الجنوب خليج عدن، ومن الشرق (مديريتا: دار سعد والمنصورة، ومن الغرب محافظة لحج (مديرية المضاربة ورأس العارة). وتعتبر مدينة البريقة هي مركز المديرية.. تشكل المديرية مركزاً سكانياً واحداً هو مركز البريقة ويضم تسعة أحياء هي: "أربعة عشر أكتوبر، بئر أحمد، التحالف – الحسوة،جب فقم، رأس عمران، الشهداء، صلاح الدين، العمال، القاضي".. وتبلغ مساحة المديرية 614كم2، وبحسب التعداد العام للسكان والمساكن للعام 2004م يبلغ عدد سكان المديرية (62.202)نسمة..
والبريقة هي أحد أحياء مدينة عدن، وتسمى عدن الصغرى، وفيها تقع مصفاة بترول عدن وقد قامت فيها مدينة حديثة البناء..  وعدن كما أشرنا في المقالات السابقة عن هذه المدينة (المحافظة)، هي ثغر اليمن الباسم, وهي العاصمة الاقتصادية والتجارية لوطننا الحبيب الجمهورية اليمنية..
ولعل أبرز وأبلغ ما يوضح علاقة عدن باليمن من الناحية الجغرافية والسياسية هو تشبيه العلامة المرحوم حسين بن أحمد العرشي لعدن بمناسبة احتلال الانجليز لها في وقت متأخر بأنها "أشبه بالسن القلقة في ثغر الإنسان"، وكذلك تشبيه صامويل جوكوب: "من يحتل عدن ولا يحتل اليمن بشخص يركب حصاناً خلف شخص أخر فهو لا يدري عن مستقبله شيئاً ولا يستطيع أن يتحكم فيه.. 
وتتميز عدن بأنها تطل على مسطح مائي كبير هو خليج عدن, المفتوح على المحيط الهندي. وتتميز محافظة عدن بالعديد من المميزات، من حيث شكلها حيث تشابه شبه جزيرتين (مديرية البريقة إحداها)، وكذا من حيث سطحها الذي اكتشف المختصون أنه ينحدر باتجاه الجنوب, حيث تظهر هذه المرتفعات في الجزء الجنوبي من مدينة عدن متمثلة في مرتفعات جبل شمسان التي تزيد أعلى قممها عن 500م, ومرتفعات جبل احسان وجبل المزلقم في عدن الصغرى وهي أقل ارتفاعا من جبل شمسان, كما تمتاز محافظة عدن كذلك  بأنها تقع ضمن المنطقة المدارية؛وبذلك تحصل على أكبر كمية من الإشعاع الشمسي على مدار العام تقريباً، حيث ساعد سطحها المكون من صخور بركانية وسطح مكشوف محاط بمسطحة مائية كبيرة في أن يكون له دور فاعل في كميات الإشعاع الشمسي المستلمة والمفقودة،ويعد التوازن الإشعاعي لمدينة عدن ايجابيا بحكم عامل الانخفاض.. ويعمل سكان البريقة كغيرهم من سكان عدن في مختلف المجالات، حيث تشتهر عدن بتكامل النشاط الاقتصادي، وتتنوع الأعمال التي يمارسها السكان، إذ تجمع بين الأنشطة التجارية والصناعية والسياحية والخدمية وغيرها من الأنشطة التي تعود على المواطن بدخله المادي.. ومناخ مديرية البريقة هو مناخ مناطق عدن الأخرى، فهو حارا نسبياً خلال أيام السنة، ويصل متوسط درجة الحرارة في عدن خلال أيام السنة بحدود (29) درجة، وتتفاوت نسبة الرطوبة بين (62% -73%), وتهطل فيها الأمطار بشكل قليل في فصل الشتاء والربيع, وتبلغ كميات الأمطار المتساقطة خلال السنة 29.9 بالمليمتر.
وتعتبر مديرية البريقة من أهم المناطق السياحة في محافظة عدن، حيث تشهد محافظة عدن نشاطاً سياحياً كبيراً وإقبالا متزايداً من السياح, اليمنيين والعرب والأجانب, خاصةً أيام الأعياد وفي العطلة الصيفية، وذلك بسبب تعدد المعالم السياحية الكثيرة والمتنوعة والشواطئ السياحية الجميلة والجذابة, وتوجد في مديرية البريقة متنفسات سياحية طبيعية مثل: منطقة النوبة والتي تعتبر جزيرة صخرية ذات أشكال عجيبة تكويناتها الصخرية يأخذ شكلا شبيها بالطير، كما تشتهر البريقة بسياحة الشواطئ, مثل: شاطئ الغدير وهو من أجمل الشواطئ في محافظة عدن، وشاطئ كود النمر ويقع بالقرب من شاطئ الغدير. 
وتشتهر مديرية البريقة بالكثير من المعالم التاريخية والاقتصادية والدينية، منها: كنيسة منطقة صلاح الدين، ميناء البريقة، قبر الولي أحمد بن أحمد الزيلعي، قلعة جبل الغدير، صهروج (لحفظ المياه)، قبر الشريف، قبر الشيخ سيد يونس، وكذا عدد من المزارات (مزار معجز، مزار سماره، مزار السيد أحمد بن علي) .. 
من أشهر معالم مديرية البريقة
عدن الصغرى هي التسمية الحديثة (للبريقة حالياً)، وقد أطلق الإنجليز عليها هذه التسمية بعد احتلالهم لعدن؛ وذلك لكون البريقة مقابلة لعدن(كريتر)، وتشترك معها ببعض السمات التضاريسية المتشابهة.. وعندما احتل الاستعمار الإنجليزي عدن كانت البريقة جزءاً من السلطنة العربية، وقد ذكر ابن المجاور في العصور الوسطى اسم (البريقة)؛ ولذلك تعتبر أقدم من التسميات الحديثة لبقية السلطنات كالعبادل والعوالق والحواشب..ومن أبرز ما تتمع به مديرية البريقة من معالم مختلفة ومتنوعة.. التالي: 
1- ميناء البريقة: يعد ميناء البريقة من أقدم المواني، ويكتسب أهميته الاستراتيجية من قربه من باب المندب، كما يكتسب أهميته أيضاً كميناء لتصدير النفط المكرر والذي تقوم بتكريره شركة مصافي عَدَن التي أنشئت في عام 1954م بغرض تأمين النفط المكرر والمشتقات الأخرى للأسواق المحلية والإقليمية، وتقدر الطاقة الإنتاجية للمصفاة بـ( 8 ملايين طن سنوياً)..
2- مصافي البترول: في عام 1950م قررت شركة البترول البريطانية المحدودة بناء مصافي ضخمة في عدن، ووقع الاختيار على عدن الصغرى أو البريقة، هذه المنطقة – كما أشارت إلى ذلك الوثائق البريطانية – لم تكن سوى منطقة صحراوية كان يقطن فيها عدد من الصيادين الذين وفدوا من محميات عدن وبنوا فيها قرية سمك صغيرة وعاشوا فيها. وكانت الطريق إلى هذه القرية وعرة شاقة لا يصل إليها الإنسان إلا بعد لأي وتعب شديدين. وكان السكان يعيشون أمام البحر مباشرة – يصنعون شباكهم التي يصطادون به السمك – ثم يبيعونه على بعض المقنطرين الذين كانوا يجففونه ويرسلونه إلى شركات تجفيف السمك في سيلان أو الهند أو كانوا لا يزالون يبيعونه في الأسواق في مدينة عدن نفسها أو في القرى المجاورة لها. وقد ابتداء العمل في البناء في شهر نوفمبر 1952م، وكان الرواد من البنائين والمهندسين يعيشون في الأشهر الأولى على ظهر الباخرة "دور ستشاير"، وهي باخرة جنود حربية، وازداد عدد العمال بعد ذلك حتى وصل إلى 12.500 رجل، بما فيهم 2500 أوروبي وأمريكي ولبناني وفلسطيني وهندين و10.000 عامل محلي من عدن ومحمياتها، عمل كل واحد منهم لمدة ساعات طويلة تحت وهج الشمس. وانتهى سير العمل في المصافي في يوليو 1964م، وعاد أغلب العمال إلى موطنهم الأصلي.. 
3- قلعة جبل الغدير: تعتبر من أبرز الحصون والقلاع الموجودة على شاطئ الغدير بمواجهة الشاطئ الأزرق، وتعد قلعة تاريخية، وتتكون من دورين، وهي مبنية من أحجار صخرية، ويوجد أعلاها بقايا آثار دفاعية، كما يوجد لها مدرج للوصول إلى موقع القلعة من أسفل الجبل تبلغ عدد درجاتها 1204 مرصوفة بالأحجار، وقد تم استغلالها خلال فترة الاحتلال البريطاني لعدن حيث كانت موقعاً وقاعدة عسكرية استخدمت للحماية والمراقبة للسفن الوافدة، وترتفع عن مستوى سطح البحر حوالي 1000 قدم، طولها ما بين 300 -400 متر، وقد استخدمت القلعة لحماية ميناء البريقة القديم من الجهة الغربية..
4- شاطئ الغدير: يقع شاطئ الغدير في منطقة الغدير بالبريقة عَدَن الصغرى، ويعد من أجمل الشواطئ، ويتميز بموقعه الجميل، وهو منتزه سياحي توجد به شاليهات واستراحات توفر الخدمات السياحية والتي تفي بمتطلبات الزوار الذين يرتادون هذا الشاطئ خاصة من السياح والزوار المحليين الذين عادة ما يأتون لقضاء إجازاتهم الصيفية أو في المناسبات مثل عطلة الأسبوع (الجمعة) أو الأعياد والمناسبات الأخرى، ويعد شاطئ الغدير مع شاطئ جولد مور من أفضل الشواطئ التي يفضل الزائر القدوم إليها، ويوجد بالقرب من الشاطئ قلعة الغدير. وشاطئ الغدير يعد من الشواطئ الجميلة والهادئة والمرغوبة من قبل الزوار، توجد فيه مرافق الخدمات المتواضعة ولكنه غير مهيأ بوسائل الرياضات البحرية..
5- شاطئ كود النمر: يعد شاطئ كود النمر أحد الشواطئ الجميلة التي تمتاز بها منطقة البريقة، ويقع بالقرب من شاطئ الغدير، ويطل عليه جبل سالم سويد، ويرتاده الأهالي سواء من منطقة البريقة أو بقية المحافظات اليمنية.. 
6- شاطئ المساقية: يقع شاطئ المساقية ما بين منطقتي فقم وعمران في مسافة تقدر بحوالي 2 كم، وهذا الشاطئ تزاول فيه حرفة اصطياد الوزف (أسماك صغيرة جداً) حيث يتم القيام باصطياد هذا النوع بواسطة الشباك الخاصة ثم يتم جمعه وتجفيفه على رمال الشاطئ ليتعرض للشمس ثم حفظه بعد ذلك وبيعه..
7- صهروج (لحفظ المياه): اقتضت حاجة تأمين مياه الشرب قديماً عند اليمنيين الأوائل القاطنين بمدينة عَدَن استحداث أنظمة لتصريف وخزن المياه عرفت بالصهاريج، وقد مرت تلك الاستحكامات الخاصة بالمياه بظروف ومتغيرات عبر التاريخ بين إنطمارها ومن ثم تجديدها وإحيائها في فترات لاحقة، ويعد هذا الصهريج من جملة صهاريج أخرى متفرقة بالمدينة لم تعد أغلبها موجودة، وهو خارج نظام الصهاريج المعروفة بصهاريج الطويلة الشهيرة وتتعدد الأغراض الخاصة باستخدام مياه الصهاريج من تأمين مياه الشرب اليومية واستخدامات الري والزراعة.. يقع الصهروج في ملتقى ثلاثة جبال، وتصب في الصهروج سيول الأمطار التي تهطل على تلك الجبال والصهروج في وضعيته الحالية لا يستخدم لحفظ المياه وخزنها، وهو ممتلئ بالأتربة والمخلفات والحشائش البرية الصغيرة التي تنمو في أماكن متفرقة، وبات وضع الصهروج مهملاً وطواه النسيان..
8- منطقة النوبة: منطقة النوبة عبارة عن جزيرة صغيرة في البحر، وهي تبعد عن منطقة فقم الواقعة في شبه جزيرة عَدَن الصغرى بحوالي 1 كم، وهي جزيرة صخرية ذات أشكال عجيبة تكويناتها الصخرية يأخذ شكل شبيه بالطير، ويبلغ طولها 16 متراً، وعرضها حوالي 8 أمتار، وترتفع عند مستوى البحر بحوالي 15 متراً، وتبعد عن جبل الشريف الواقع بساحل فقم بحوالي 100 قدم.. 
مقتطفات من رحلة أمين الريحاني من عدن إلى صنعاء
ذكرنا في المقال السابق (الحلقة الخامسة من محافظة عدن) مقتطفات من رحلة الرحالة العربي (أمين الريحاني) من مدينة عدن حيث كان يقبع الاستعمار البريطاني، إلى صنعاء لمقابلة الإمام يحيى، وما واجه من عقبات وصعاب زرعها أمامه الاستعمار البريطاني سواءً في مدينة عدن، أو خارجها، وكيف استعان بممثل الإمام في عدن القاضي المرحوم عبدالله العرشي والتسهيلات التي قدمها القاضي العرشي لتجاوز عقبات البريطاني، وفي هذا العدد سنورد محطات مر بها الرحالة الريحاني في طريقه إلى صنعاء، وما واجهه من صعوبات وعراقيل، وأحداث ممتعة ومرعبة.. وسننقل هذه الأحداث على لسان الرحالة الريحاني حيث يقول: "... فطرنا عند شروق الشمس وسرنا في أرض خضراء تفوح من أدغالها روائح النباتات الطيبة، ومررنا بوادي الذهب ولا حيف بالإسم؟ فهو من أجمل الأودية وأخصبها في اليمن الأسفل، تجري فيه المياه، ويزرع ثلاثاً في السنة الواحدة. رأينا الناس يحصدون عندما مررنا به في شهر نيسان ثم اجتزنا وادي نخلان وفيه رأينا لأول مرة سلك التلغراف الذي يصل تعز بصنعاء، وصعدنا من الوادي في نقيل المحرس إلى رأسه فاشرفنا منه على مشهد بهيج من السهول المزروعة، ومن القمم الخضر والجرد دون تلك السهول. ثم دخلنا في ما يدعى "نجد الأحمر" وهي بقعة من الأرض الحمراء صخورها تلعو أربعة آلاف قدم عن البحر، فجف الهواء، وبرد الماء، وتعددت حولنا النباتات والرياحين التي ذكرني بعضها بلبنان فهو ذا البيلسان وذاك الينسون، وفي تلك الأدغال شجيرات من البطم والغار.
عندما وصلنا إلى أعلى درجات نقيل المحرس تراءى لنا منها جبل بعدان ووراءه جبل جب إعلى وأبعد منه، وانكشف أمامنا مشهد آخر من السهول والهضاب، في وسطها، عند منحدرٍ من جبل بعدان...
وعند وصولنا إلى مدينة إب... ترجلنا طائعين، وكان قد تقدمنا أحد العساكر ينبئ العامل بقدومنا، فبتنا ننتظر "استقبالاً يليق بنا" كما قال رفيقنا رسول القاضي عبدالله العرشي. وما عتمت أن تحركت الجموع وخرجت من المدينة، فشاهدنا عسكراً زاحفاً إلينا وسمعنا أصوات الأبواق والطبول جاء العامل إسماعيل باسلامة بخيله ورجاله، بجنده وجمعه، وبنوبته واهازيجه، يستقبلنا ويرحب بنا باسم الإمام، وبعد السلام ركبنا وانخرطنا أنا ورفيقي في ذاك الجمع المنيّل المهلل نحسب أنفسنا في حلم من الأحلام، أو في موكب من مواكب الجان، والجنود مسترسلو الشعور، مكحلو العيون، المزينة عمائهم بالورود والريحان، حولنا وأمامنا ينشدون بصوت جبلي رهيب..
يا من يخالف أمر مولانا ويعصيه
لا بد من يوم تراه

لا بد من يوم يشيب الطفل فيه
والطير يرسي في سماه

... وجاءنا في صباح اليوم التالي (يقصد إسماعيل باسلامة – عامل منطقة إب) يسلم علينا وبيده طاقة من ورد نيسان قدمها لي. وزرت وإياه بساتينه التي يزرع فيها من الثمار أنواعها، تلك التي تصلح في الشمال وفي الجنوب، في المنطقة الباردة والمناطق الحارة، فرأينا الزيتون، والموز، والعَمب، والعنب، والتفاح، والرمان زاهية كلها زاهرة. إن هذه الأشجار تنمو كلها في اليمن الأسفل لأن تلك البقعة من الأرض في حين أنها تعلو خمسة الآف قدم عن البحر فإنها لا تبعد أكثر من عشر درجات عن خط الاستواء..
أما مدينة إب فمسوّرة، وهي وسخة ومزدحمة، تروق الناظر إليها من الخارج فقط. بيوتها من الحجر وأكثرها ثلاث طبقات، تُستخدم الأولى للمواشي والدواب، والثانية للخدم، والثالثة لأهل البيت. ليس في المدينة مدارس غير ما في المساجد لتعليم القرأن، وليس فيها أحد من الأطباء، ولا نقطة ولا حبة من الدواء ويكثر فيها الجدري والحمى وأكل القات. إنا كلما صعدنا في اليمن نرى "التخزين" في ازدياد وصحة النسل في نقص ظاهر ولا سيما في الأولاد. فإن وفيات الأطفال في اليمن كثيرة، إذ قلما يعيش للرجل من عشرين ولداً مثلاً أكثر من سبعة أو عشرة أولاد. ,أظهر ما فيهم النحول والشحوب، وضعف الأعصاب..
قلت أن إب جميلة من بعيد، فالقادم إليها من ماوية أو تعز يراها في السهل وحوله الربى كأنها حفنة من اللؤلؤ على بساط أخضر، مفروش في بحيرة جفت مياهها. والقادم إليها من يريم يراها قائمة على رأس الجبل كصخر في مرج أو كبرج في جزيرة. ولها ساحة وداع كما لها ساحة استقبال. مشى معنا إليها إسماعيل باسلامة ومعيته، وأرفقنا إلى ذمار بثلاثين من الجنود النظامية على رأسهم ضابط تركي. فسرنا بعد استراحة يومين في نعيم ضيافته ونحن نخشى أن يزداد عدد الحرس كلما دنونا من صنعاء.
ومررنا في طريقنا إلى يريم بوادي المرفد الذي يفوق وادي الذهب جمالاً وخصباً، وشاهدنا فيه لأول مرة شجر البن الذي يشبه في ورقه وزهرة الليمون وشاهدنا كذلك الجوز واللوز والخرنوب. وبساتين غضة من العنب والموز، تجري في ظلالها مياه النهر الذي يتدفق من جبل سماره. وبدأنا بعد الظهر نصعد في نقيل ذاك الجبل، وهو أعلى نقيل في اليمن فوصلنا إلى وسطه عند الغروب، وبتنا تلك الليلة في قرية تدعى المنزل..".
وقد رجعنا عند إعدادنا هذا المقال إلى العديد من المراجع منها: (نتائج المسح السياحي في الفترة 1996-1999م)، (تاريخ ثغر عدن/ أبا محمد عبدالله الطيب بن عبدالله بن أحمد أبي مخرمة، مع نخب من تواريخ ابن المجاور والجندي والأهدل/ الطبعة الثانية 1407هـ 1986م/ منشورات المدينة -صنعاء، شركة التنوير للطباعة والنشر – بيروت)، (الأعمال الكاملة.. العقبة، صهاريج عدن، صيره/ عبدالله أحمد مجيرز/ دراسة تحليلية جغرافية وتاريخية وأبحاث متعمقة/ من مطبوعات صنعاء عاصمة الثقافة العربية200م)، (عدن تحت الحكم البريطاني 1839-1967م/ ر. ج جافن/ ترجمة محمد محسن محمد العمري/ الطبعة الأولى 2013م/ دار جامعة عدن للطباعة والنشر – عدن)، (ملوك العرب.. رحلة في البلاد العربية مزينة برسوم وخرائط وفهرست أعلام/ أمين الريحاني/دار الجيل بيروت، الطبعة الثامنة)..
alarachi2012@yahoo.com

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق